بريدة




عـودة للخلف بريدة ستي » بريدة ستي » ســاحـة مــفــتــوحـــة » ~ المسابقة الفقهية ~ تم تأجيلها إلى شهر رمضان ~ | ملتقى إبداع | الساحة المفتوحة(1)

ســاحـة مــفــتــوحـــة المواضيع الجادة ، والنقاشات الهادفة -- يمنع المنقول

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع طريقة العرض
قديم(ـة) 5/8/1432 هـ, 10:50 مساءً   #29
ونـاسه
عـضـو
 
صورة ونـاسه الرمزية
 
تاريخ التسجيل: صفر 1432
البلد: ًًً يســري بعـــروقي حبــي لهــا ًًًً مـابـدا شــوقـي الا بـهـــا ًًًً
المشاركات: 2,589

الأوسمة










^^

اخي يحيى .. ودي اسجل .. الحمدلله احب العلم الشرعي ..

ولكن المشكله ان الاجابات يجب ان تكون من الكتاب ..؟؟؟

والكتاب لم استطع ان احمله .. هل هو موجود في المكتبات العلميه ..؟؟؟؟




__________________
ونـاسه غير متصل  
قديم(ـة) 6/8/1432 هـ, 01:45 صباحاً   #30
إيقآع المطر ..~
عـضـو
 
صورة إيقآع المطر ..~ الرمزية
 
تاريخ التسجيل: ربيع الثاني 1430
البلد: جنَّة فيها أسير يارب = )
المشاركات: 233

الأوسمة

مشآركة بإذن الله
__________________
رصآصآت مُوردهـ !
تأتيك مُغلفه بـ الرقه الأخاذهـ ، وما المقصد منها سوى التجريح والإهآنه ،
إيقآع المطر ..~ غير متصل  
قديم(ـة) 6/8/1432 هـ, 03:43 صباحاً   #31
الصمت الهادئ
قبس دائم
 
صورة الصمت الهادئ الرمزية
 
تاريخ التسجيل: ذو الحجة 1430
البلد: ~لم أسّتقرْبَعدمآآزلتُ أبحثُ عنْ مقرّي~
المشاركات: 4,841

الأوسمة

.




مسآبقة هآدفة
بآرك الله فيك وجعله الله في ميزآن حسنآتك..
+
تقييم (5)



__________________
**
..




الصمت الهادئ غير متصل  
قديم(ـة) 6/8/1432 هـ, 04:02 صباحاً   #32
عزتي في عفتي
عـضـو
 
صورة عزتي في عفتي الرمزية
 
تاريخ التسجيل: رجب 1431
البلد: فِيّ دُنْيَاَ زَاَئِـَـَلَهَ}~
المشاركات: 793
فكره رائعه ..
أتمنى تسجيلي في المسابقه ..

فالكم التوفيق +5
__________________
عزتي في عفتي غير متصل  
قديم(ـة) 6/8/1432 هـ, 04:17 صباحاً   #33
عزتي في عفتي
عـضـو
 
صورة عزتي في عفتي الرمزية
 
تاريخ التسجيل: رجب 1431
البلد: فِيّ دُنْيَاَ زَاَئِـَـَلَهَ}~
المشاركات: 793
واجهت مشكله في تحميل الكتاب أتمنى ان جد لها حلاً
اكملت تحميل الكتاب على جهازي ولكني عندما فتحت الكتاب وجدت صعوبه في القراءه وهي انعكاس السطور تبدأ من اليسار لليمن كما في الصوره ..

__________________
عزتي في عفتي غير متصل  
قديم(ـة) 6/8/1432 هـ, 04:44 صباحاً   #34
| يحيــى فقيـــه |
كاتب مميز
 
صورة | يحيــى فقيـــه | الرمزية
 
تاريخ التسجيل: رجب 1429
البلد: المدينة الحالمة الشقيق
المشاركات: 2,985


الملخص الفقهي
الجزء الأول قسم العبادات

تلخيص
صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان
غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين


المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم النبيين , وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
وبعد : فهذا ملخص في الفقه , مقرون بأدلته من الكتاب والسنة , كنت ألقيته في الإذاعة على حلقات , وقد تكرر الطلب ممن سمعوه , وألحوا علي بطباعته ; ليبقى الانتفاع به إن شاء الله , وما كنت أنوي ذلك حال إعداده , ولكن نزولا عند رغبة الكثير ; أعدت النظر فيه , ورتبته , وقدمته للطباعة . وها هو بين يديك أيها القارئ الكريم ; فما وجدت فيه من صواب وفائدة ; فالفضل فيه راجع إلى الله وحده , وما وجدت فيه من خطأ ; فهو مني , واستغفر الله . وقد لخصته من كتاب " شرح الزاد - الروض المربع " , ومن حاشيته للعلامة الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم , مع بعض التنبيهات مني إذا مرت مناسبة .
هذا ; وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعا للعلم النافع والعمل الصالح . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .
فضل التفقه في الدين
الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحابته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .
وبعد : فإن التفقه في الدين من أفضل الأعمال , وهو علامة الخير : قال صلى الله عليه وسلم : من يرد الله به خيرا ; يفقه في الدين وذلك لأن التفقه في الدين يحصل به العلم النافع الذي يقوم عليه العمل الصالح .
قال الله تعالى : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ فالهدى هو العلم النافع , ودين الحق هو العمل الصالح .
وقد أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأله الزيادة من العلم : قال تعالى : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا قال الحافظ ابن حجر : " وهذا واضح الدلالة في فضل العلم ; لأن الله لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب الازدياد من شيء ; إلا من العلم , وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم المجالس التي يتعلم فيها العلم النافع ب ( رياض الجنة ) , وأخبر أن العلماء هم ورثة الأنبياء .
ولا شك أن الإنسان قبل أن يقدم على أداء عمل ما , لا بد أن يعرف الطريقة التي يؤدي بها ذلك العمل على وجهه الصحيح , حتى يكون هذا العمل صحيحا , مؤديا لنتيجته التي ترجى من ورائه ; فكيف يقدم الإنسان على عبادة ربه التي تتوقف عليها نجاته من النار ودخوله الجنة : كيف يقدم على ذلك بدون علم ؟ ! ومن ثم افترق الناس بالنسبة للعلم والعمل ثلاث فرق :
الفريق الأول : الذين جمعوا بين العلم النافع والعمل الصالح , وهؤلاء قد هداهم الله صراط المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين , وحسن أولئك رفيقا .
الفريق الثاني : الذين تعلموا العلم النافع ولم يعملوا به , وهؤلاء هم المغضوب عليهم من اليهود ومن نحا نحوهم .
الفريق الثالث : الذين يعملون بلا علم , وهؤلاء هم أهل الضلال من النصارى ومن نحا نحوهم .
ويشمل هذه الفرق الثلاث قوله تعالى في سورة الفاتحة التي نقرؤها في كل ركعة من صلواتنا : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قال الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله : وأما قوله تعالى : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فالمغضوب عليهم هم العلماء الذين لم يعملوا بعلمهم , والضالون العاملون بلا علم :
فالأول: صفة اليهود
والثاني: صفة النصارى
وكثير من الناس إذا رأى في التفسير أن اليهود مغضوب عليهم وأن النصارى ضالون ; ظن الجاهل أن ذلك مخصوص بهم , وهو يقرأ أن ربه فارض عليه أن يدعو بهذا الدعاء , ويتعوذ من طريق أهل هذه الصفات ! ! فيا سبحان الله ! كيف يعلمه الله ويختار له ويفرض عليه أن يدعو ربه دائما ; مع أنه لا حذر عليه منه , ولا يتصور أن فعله هذا هو ظن السوء بالله ؟ ! انتهى كلام الشيخ رحمه الله .
وهو يبين لنا الحكمة في فريضة قراءة هذه السورة العظيمة - سورة الفاتحة - في كل ركعة من صلاتنا ; فرضها , ونفلها ; لما تشتمل عليه من الأسرار العظيمة , التي من جملتها هذا الدعاء العظيم : أن يوفقنا الله لسلوك طريق أصحاب العلم النافع والعمل الصالح , الذي هو طريق النجاة في الدنيا والآخرة , وأن يجنبنا طريق الهالكين , الذين فرطوا بالعمل الصالح أو بالعلم النافع .
ثم اعلم أيها القارئ الكريم أن العلم النافع إنما يستمد من الكتاب والسنة تفهما وتدبرا , مع الاستعانة على ذلك بالمدرسين الناصحين وكتب التفسير وشروح الحديث وكتب الفقه وكتب النحو واللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم , فإن هذه الكتب طريق لفهم الكتاب والسنة .
فواجب عليك يا أخي المسلم - ليكون عملك صحيحا - أن تتعلم ما يستقيم به دينك ; من صلاتك وصومك وحجك , وتتعلم أحكام زكاة مالك , وكذلك تتعلم من أحكام المعاملات ما تحتاج إليه ; لتأخذ منها ما أباح الله لك ; وتتجنب منها ما حرم الله عليك ; ليكون كسبك حلالا , وطعامك حلالا ; لتكون مجاب الدعوة , كل ذلك مما تمس حاجتك إلى تعلمه , وهو ميسور بإذن الله متى ما صحت عزيمتك وصلحت نيتك .
فاحرص على قراءة الكتب النافعة , واتصل بالعلماء ; لتسألهم عما أشكل عليك , وتتلقى عنهم أحكام دينك , وكذلك تعني بحضور الندوات والمحاضرات الدينية التي تقام في المساجد وغيرها , وتستمع إلى البرامج الدينية من الإذاعة , وتقرأ المجلات الدينية والنشرات التي تعني بمسائل الدين , فإذا حرصت وتتبعت هذه الروافد الخيرية ; نمت معلوماتك , واستنارت بصيرتك .
ولا تنس يا أخي أن العلم ينمو ويزكو مع العمل فإذا عملت بما علمت ; زادك الله علما ; كما تقول الحكمة المأثورة : " من عمل بما علم ; أورثه الله علم ما لم يعلم " , ويشهد لذلك قوله تعـالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ والعلم أحق ما تصرف فيه الأوقات , ويتنافس في نيله ذوو العقول , فبه تحيا القلوب وتزكو الأعمال .
ولقد أثنى الله جل ذكره وتقدست أسماؤه على العلماء العاملين , ورفع من شأنهم في كتابه المبين قال تعالى : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ وقال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فبين سبحانه وتعالى ميزة الذين أوتوا العلم المقرون بالإيمان , ثم أخبر أنه خبير بما نعمله , ومطلع عليه ; ليدلنا على أنه لا بد من العلم والعمل معا , وأن يكون كل ذلك صادرا عن الإيمان ومراقبة الله سبحانه .
ونحن عملا بواجب التعاون على البر والتقوى سنقدم لك بحول الله من خلال هذا الكتاب بعض المعلومات من الرصيد الفقهي الذي استنبطه لنا علماؤنا ودونوه في كتبهم , سنقدم لك ما تيسر من ذلك , لعله يكون دافعا لك على الاستفادة والاستزادة من العلم النافع .
ونسأل الله أن يمدنا وإياك بالعلم النافع , ويوفقنا للعمل الصالح , ونسأله سبحانه أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه , ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه , إنه سميع مجيب .
كتاب الطهارة
باب في أحكام الطهارة والمياه
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين , وهي الفـارقة بين المسلم والكافر , وهي عمود الإسلام , وأول ما يحاسب عنه العبد , فإن صحت وقبلت ; قبل سائر عمله . وإن ردت ; رد سائر عمله .
وقد ذكرت الصلاة في مواطن كثيرة من القرآن الكريم على صفات متنوعة ; فتارة يأمر الله بإقامتها , وتارة يبين مزيتها , وتارة يبين ثوابها , وتارة يقرنها مع الصبر ويأمر بالاستعانة بهما على الشدائد . ومن ثم كانت قرة عين الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه الدنيا ; فهي حليـة النبيين , وشعار الصالحين , وهي صلة بين العبد وبين رب العالمين , وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر .
ولما كـانت هذه الصلاة لا تصح إلا بطهارة المصلي من الحدث والنجس حسب القدرة على ذلك , وكانت مادة التطهر هي الماء أو ما يقوم مقامه من التيمم عند عدم الماء ; صار الفقهاء رحمهم الله يبدءون بكتاب الطهارة ; لأنها لما قدمت الصلاة بعد الشهادتين على غيرها من بقية أركان الإسلام ; ناسب تقديم مقدماتها , ومنها الطهارة , فهي مفتاح الصلاة ; كما في الحديث : مفتاح الصلاة الطهور وذلك لأن الحدث يمنع الصلاة ; فهو كالقفل يوضع على المحدث , فإذا توضأ ; انحل القفل . فالطهارة أوكد شروط الصلاة , والشرط لا بد أن يقدم على المشروط .
ومعنى الطهارة لغة : النظافة والنزاهة عن الأقذار الحسية والمعنوية , ومعناها شرعا : ارتفاع الحدث وزوال النجس . وارتفاع الحدث يحصل باستعمال الماء مع النية : في جميع البدن إن كان حدثا أكبر , أو في الأعضاء الأربعة إن كان حدثا أصغر , أو استعمال ما ينوب عن الماء عند عدمه أو العجز عن استعماله - وهو التراب - على صفة مخصوصة , وسيأتي إن شاء الله بيان لصفة التطهر من الحدثين .
وغرضنا الآن بيان صفة الماء الذي يحصل به التطهر والماء الذي لا يحصل به ذلك . قال الله تعالى : وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا وقال تعالى : وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ والطهور هو الطاهر في ذاته المطهر لغيره , وهو الباقي على خلقته - أي : صفته التي خلق عليها - , سواء كان نازلا من السماء كالمطر وذوب الثلوج والبرد , أو جاريا في الأرض كماء الأنهار والعيون والآبار والبحار , أو كان مقطرا . فهذا هو الذي يصح التطهر به من الحدث والنجاسة , فإن تغير بنجاسة ; لم يجز التطهر به ; من غير خلاف , وإن تغير بشيء طاهر لم يغلب عليه ; فالصحيح من قولي العلماء صحة التطهر به أيضا .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " أما مسألة تغير الماء اليسير أو الكثير بالطاهرات ; كالأشنان , والصابون , والسدر , والخطمي , والتراب , والعجين . .. وغير ذلك مما قد يغير الماء , مثل الإناء إذا كان فيه أثر سدر أو خطمي , ووضع فيه ماء , فتغير به , مع بقاء اسم الماء ; فهذا فيه قولان معروفان للعلماء " .
ثم ذكرها مع بيان وجه كل قول , ورجح القول بصحة التطهر به , وقال : " هو الصواب ; لأن الله سبحانه وتعالى قال : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ وقوله : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً نكرة في سياق النفي , فيعم كل ما هو ماء , لا فرق في ذلك بين نوع ونوع " انتهى .
فإذا عدم الماء , أو عجز عن استعماله مع وجوده ; فإن الله قد جعل بدله التراب , على صفة لاستعماله بينها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته , وسيأتي توضيح ذلك إن شاء الله في بابه . وهذا من لطف الله بعباده , ورفع الحرج عنهم , قال تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا
قـال ابن هبيرة : " وأجمعوا على أن الطهارة بالماء تجب على كل من لزمته الصلاة مع وجوده , فإن عدمه ; فبدله , لقوله تعالى : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ولقوله تعالى : وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ انتهى .
وهذا مما يدل على عظمة هذا الإسلام , الذي هو دين الطهارة والنزاهة الحسية والمعنوية , كما يدل ذلك على عظمة هذه الصلاة , حيث لم يصح الدخول فيها بدون الطهارتين : الطهارة المعنوية من الشرك , وذلك بالتوحيد وإخلاص العبادة لله , والطهارة الحسية من الحدث والنجاسة , وذلك يكون بالماء أو ما يقوم مقامه .
واعلم أن الماء إذا كان باقيا على خلقته , لم تخالطه مادة أخرى ; فهو طهور بالإجماع , وإن تغير أحد أوصافه الثلاثة - ريحه أو طعمه أو لونه - بنجاسة ; فهو نجس بالإجماع , لا يجوز استعماله , وإن تغير أحد أوصافه بمخالطة مادة طاهرة - كأوراق الأشجار أو الصابون أو الإشنان والسدر أو غير ذلك من المواد الطاهرة - , ولم يغلب ذلك المخالط عليه ; فلبعض العلماء في ذلك تفاصيل وخلاف , والصحيح أنه طهور , يجوز التطهر به من الحدث , والتطهر به من النجس .
فعلى هذا ; يصح لنا أن نقول : إن الماء ينقسم إلى قسمين
القسم الأول : طهور يصح التطهر به , سواء كان باقيا على خلقته , أو خالطته مادة طاهرة لم تغلب عليه ولم تسلبه اسمه .
القسم الثاني : نجسه لا يجوز استعماله ; فلا يرفع الحدث , ولا يزيل النجاسة , وهو مما تغير بالنجاسة . ...
والله تعالى أعلم .
باب
في أحكام الآنية وثياب الكفار
الآنية هي الأوعية التي يحفظ فيها الماء وغيره , سواء كانت من الحديد أو الخشب أو الجلود أو غير ذلك .
والأصل فيها الإباحة , فيباح استعمال واتخاذ كل إناء طاهر , ما عدا نوعين هما :
1: إناء الذهب والفضة , والإناء الذي فيه ذهب أو فضة , طلاء أو تمويها أو غير ذلك من أنواع جعل الذهب والفضة في الإناء , ما عدا الضبة اليسيرة من الفضة تجعل في الإناء للحاجة إلى إصلاحه . ودليل تحريم إناء الذهب والفضة قوله صلى الله عليه وسلم : لا تشربوا في آنية الذهب والفضة , ولا تأكلوا في صحافهما ; فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة رواه الجمـاعة , وقوله صلى الله عليه وسلم : الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم متفق عليه , والنهي عن الشيء يتناوله خالصا أو مجزءا , فيحرم الإناء المطلي أو المموه بالذهب أو الفضة أو الذي فيه شيء من الذهب والفضة , ما عدا الضبة اليسيرة من الفضة كما سبق ; بدليل حديث أنس رضي الله عنه : أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر , فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة رواه البخاري .
قال النووي رحمه الله : " انعقد الإجماع على تحريم الأكل والشرب فيها , وجميع أنواع الاستعمال في معنى الأكل والشرب بالإجماع " . انتهى .
وتحريم الاستعمال والاتخاذ يشمل الذكور والإناث ; لعموم الأخبار , وعدم المخصص , وإنما أبيح التحلي للنساء لحاجتهن إلى التزين للزوج .
وتباح آنية الكفار التي يستعملونها ما لم تعلم نجاستها , فإن علمت نجاستها ; فإنها تغسل وتستعمل بعد ذلك .
2: جلود الميتة يحرم استعمالها ; إلا إذا دبغت ; فقد اختلف العلماء في جواز استعمالها بعد الدبغ , والصحيح الجواز , وهو قول الجمهور ; لورود الأحاديث الصحيحة بجواز استعماله بعد الدبغ , ولأن نجاسته طارئة , فتزول بالدبغ ; كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : يطهره الماء والقرظ وقوله صلى الله عليه وسلم : دباغ الأديم طهوره
وتباح ثياب الكفار إذا لم تعلم نجاستها ; لأن الأصل الطهارة ; فلا تزول بالشك , ويباح ما نسجوه أو صبغوه ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يلبسون ما نسجه الكفار وصبغوه . والله تعالى أعلم .
باب
فيما يحرم على المحدث مزاولته من الأعمال
هناك بعض من الأعمال التي يحرم على المسلم إذا لم يكن على طهارة أن يزاولها لشرفها ومكانتها , وهذه الأعمال نبينها لك بأدلتها ; لتكون منك على بال ; فلا تقدم على واحد منها إلا بعد التهيؤ له بالطهارة المطلوبة .
اعلم يا أخي أن هناك أشياء تحرم على المحدث , سواء كان حدثه أكبر أو أصغر , وهناك أشياء يختص تحريمها بمن هو محدث حدثا أكبر . فالأشياء التي تحرم على المحدث أي الحدثين :
1 - مس المصحف الشريف ; فلا يمسه المحدث بدون حائل ; لقوله تعالى : لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ أي : المتطهرون من الحدث جنابة أو غيرها , على القول بأن المراد بهم المطهرون من البشر , وهناك من يرى أن المراد بهم الملائكة الكرام . وحتى لو فسرت الآية بأن المراد بهم الملائكة ; فإن ذلك يتناول البشر بدلالة الإشارة , وكما ورد في الكتاب الذي كتبه الرسول صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم ; قوله : لا يمس المصحف إلا طاهر رواه النسائي وغيره متصلا .
قال ابن عبد البر : " إنه أشبه المتواتر لتلقي الناس له بالقبول " . قال شيخ الإسلام عن منع مس المصحف لغير المتطهر : " هو مذهب الأئمة الأربعة " .
وقال ابن هبيرة في " الإفصاح " : " أجمعوا ( يعني : الأئمة الأربعة ) أنه لا يجوز للمحدث مس المصحف " انتهى .
ولا بأس أن يحمل غير المتطهر المصحف في غلاف أو كيس من غير أن يمسه , وكذلك لا بأس أن ينظر فيه ويتصفحه من غير مس .
2 - ويحرم على المحدث الصلاة فرضا أو نفلا وهذا بإجماع أهل العلم , إذا استطاع الطهارة ; لقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا الآية , وقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يقبل الله صلاة بغير طهورا رواه مسلم وغيره , وحديث : لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ فلا يجوز له أن يصلي من غير طهارة مع القدرة عليها , ولا تصح صلاته , سواء كان جاهلا أو عالما , ناسيا أو عامدا , لكن العالم العامد إذا صلى من غير طهارة ; يأثم ويعزر , وإن كان جاهلا أو ناسيا ; فإنه لا يأثم , لكن ; لا تصح صلاته .
3 - يحرم على المحدث الطواف بالبيت العتيق لقوله صلى الله عليه وسلم : الطواف بالبيت صلاة ; إلا أن الله أباح فيه الكلام وقد توضأ النبي صلى الله عليه وسلم للطواف , وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه منع الحائض من الطواف بالبيت حتى تطهر , كل ذلك مما يدل على تحريم الطواف على المحدث حتى يتطهر .
ومما يدل على تحريمه على المحدث حدثا أكبر قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا أي : لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب إلا ماري طريق ; فمنعه من دخول المسجد للبقاء فيه يقتضي منعه من الطواف من باب أولى . وهذه الأعمال تحرم على المحدث سواء كان حدثه أكبر أو أصغر .
وأما الأشياء التي تحرم على المحدث حدثا أكبر خاصة فهي :
1 - يحرم على المحدث حدثا أكبر قراءة القرآن , لحديث علي رضي الله عنه : لا يحجبه ( يعني : النبي صلى الله عليه وسلم ) عن القرآن شيء , ليس الجنابة رواه الترمذي وغيره , ولفظ الترمذي : " يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبا " ; فهذا يدل على تحريم قراءة القرآن على الجنب وبمعناه الحائض والنفساء , ولكن رخص بعض العلماء - كشيخ الإسلام - للحائض أن تقرأ القرآن إذا خشيت نسيانه .
ولا بأس أن يتكلم المحدث بما وافق القرآن إن لم يقصد القرآن بل على وجه الذكر ; مثل : بسم الله الرحمن الرحيم , والحمد لله رب العالمين , لحديث عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه
2 - ويحرم على المحدث حدثا أكبر من جنابة أو حيض أو نفاس اللبث في المسجد بغير وضوء , لقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا أي : لا تدخلوا المسجد للبقاء فيه , ولقوله صلى الله عليه وسلم : لا أحل المسجد لحائض ولا جنب رواه أبو داود من حديث عائشة , وصححه ابن خزيمة .
فإذا توضأ من عليه حدث أكبر ; جاز له اللبث في المسجد ; لقول عطاء : رأيت رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة والحكمة من هذا الوضوء تخفيف الجنابة .
وكذلك يجوز للمحدث حدثا أكبر أن يمر بالمسجد لمجرد العبور منه من غير جلوس فيه ; لقوله تعالى : إلا عابري سبيل أي : متجاوزين فيه للخروج منه , والاستثناء من النهي إباحة , فيكون ذلك مخصصا لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : لا أحل المسجد لحائض ولا جنب وكذلك مصلى العيد لا يلبث فيه من عليه حدث أكبر بغير وضوء , ويجوز له المرور منه ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : وليعتزل الحيض المصلى
باب
في آداب قضاء الحاجة
اعلم وفقني الله وإياك وجميع المسلمين أن ديننا كامل متكامل , ما ترك شيئا مما يحتاجه الناس في دينهم ودنياهم ; إلا بينه , ومن ذلك آداب قضاء الحاجة ; ليتميز الإنسان الذي كرمه الله عن الحيوان بما كرمه الله به ; فديننا دين النظافة ودين الطهر ; فهناك آداب شرعية تفعل عند دخول الخلاء وحال قضاء الحاجة .
فإذا أراد المسلم دخول الخلاء - وهو المحل المعد لقضاء الحاجة - ; فإنه يستحب له أن يقول : بسم الله , أعوذ بالله من الخبث والخبائث . ويقدم رجله اليسرى حال الدخول , وعند الخروج يقدم رجله اليمنى , ويقول : غفرانك , الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني . وذلك لأن اليمنى تستعمل فيما من شأنه التكريم والتجميل , واليسرى تستعمل فيما من شأنه إزالة الأذى ونحوه .
وإذا أراد أن يقضي حاجته في فضاء - أي : في غير محل معد لقضاء الحاجة - ; فإنه يستحب له أن يبعد عن الناس ; بحيث يكون في مكان خال , ويستتر عن الأنظار بحائط أو شجرة أو غير ذلك , ويحرم أن يستقبل القبلة أو يستدبرها حال قضاء الحاجة , بل ينحرف عنها ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة , وعليه أن يتحرز من رشاش البول أن يصيب بدنه أو ثوبه , فيرتاد لبوله مكانا رخوا , حتى لا يتطاير عليه شيء منه .
ولا يجوز له أن يمس فرجه بيمينه , وكذلك لا يجوز له أن يقضي حاجته في طريق الناس , أو في ظلهم , أو موارد مياههم ; لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ; لما فيه من الإضرار بالناس وأذيتهم .
ولا يدخل موضع الخلاء بشيء فيه ذكر الله عز وجل أو فيه قرآن , فإن خاف على ما معه مما فيه ذكر الله ; جاز له الدخول به , ويغطيه . ولا ينبغي له أن يتكلم حال قضاء الحاجة ; فقد ورد في الحديث أن الله يمقت على ذلك , ويحرم عليه قراءة القرآن .
فإذا فرغ من قضاء الحاجة ; فإنه ينظف المخرج بالاستنجاء بالماء أو الاستجمار بالأحجار أو ما يقوم مقامها , وإن جمع بينهما ; فهو أفضل , وإن اقتصر على أحدهما ; كفى .
والاستجمار يكون بالأحجار أو ما يقوم مقامها من الورق الخشن والخرق ونحوها مما ينقى المخرج وينشفه , ويشترط ثلاث مسحات منقية فأكثر إذا أراد الزيادة .
ولا يجوز الاستجمار بالعظام ورجيع الدواب - أي : روثها - ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك , وعليه أن يزيل أثر الخارج وينشفه ; لئلا يبقى شيء من النجاسة على جسده , ولئلا تنتقل النجاسة إلى مكان آخر من جسده أو ثيابه .
قال بعض الفقهاء : إن الاستنجاء أو الاستجمار شرط من شروط صحة الوضوء لا بد أن يسبقه , فلو توضأ قبله ; لم يصح وضوؤه , لحديث المقداد المتفق عليه : يغسل ذكره , ثم يتوضأ
قال النووي : والسنة أن يستنجي قبل الوضوء , ليخرج من الخلاف , ويأمن انتقاض طهره .
أيها المسلم ! احرص على التنزه من البول ; فإن عدم التنزه منه من موجبات عذاب القبر ; فعن أبي هريرة رضي الله عنه , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : استنزهوا من البول ; فإن عامة عذاب القبر منه رواه الدارقطني , قال الحافظ : " صحيح الإسناد , وله شواهد , وأصله في " الصحيحين " .
أيها المسلم ! إن كمال الطهارة يسهل القيام بالعبادة , ويعين على إتمامها وإكمالها والقيام بمشروعاتها .
روى الإمام أحمد رحمه الله عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الصبح , فقرأ الروم فيها , فأوهم , فلما انصرف ; قال : إنه يلبس علينا القرآن , إن أقواما منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء , فمن شهد الصلاة معنا ; فليحسن الوضوء وقد أثنى الله على أهل مسجد قباء بقوله : فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ولما سئلوا عن صفة هذا التطهر ; قالوا : إنا نتبع الحجارة الماء رواه البزار .
وهنا أمر يجب التنبيه عليه , وهو أن بعض العوام يظن أن الاستنجاء من الوضوء , فإذا أراد أن يتوضأ ; بدأ بالاستنجاء , ولو كان قد استنجى سابقا بعد قضاء الحاجة , وهذا خطأ ; لأن الاستنجاء ليس من الوضوء , وإنما هو من شروطه ; كما سبق , ومحله بعد الفراغ من قضاء الحاجة , ولا داعي لتكراره من غير وجود موجبه - وهو قضاء الحاجة وتلوث المخرج بالنجاسة .
أيها المسلم ! هذا ديننا دين الطهارة والنظافة والنزاهة , أتى بأحسن الآداب وأكرم الأخلاق , استوعب كل ما يحتاجه المسلم , وكل ما يصلحه , ولم يغفل شيئا فيه مصلحة لنا ; فلله الحمد والمنة , ونسأله الثبات على هذا الدين , والتبصر في أحكامه , والعمل بشرائعه , مع الإخلاص لله في ذلك , حتى يكون عملنا صحيحا مقبولا .
باب في السواك وخصال الفطرة
روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ; أن النبي صلى الله عليه وسلم ; قال : السواك مطهرة للفم مرضاة للرب رواه أحمد وغيره .
وثبت في " الصحيحين " عن أبي هريرة رضي الله عنه ; قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خمس من الفطرة : الاستحداد , والختان , وقص الشارب , ونتف الإبط , وتقليم الأظافر
وفي " الصحيحين " أيضا عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا : أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى من هذه الأحاديث وما جاء بمعناها أخذ الفقهاء الأحكام التالية :
مشروعية السواك , وهو استعمال عود أو نحوه في الأسنان واللثة , ليذهب ما علق بهما من صفرة ورائحة . وقد ورد أنه من سنن المرسلين ; فأول من استاك إبراهيم عليه الصلاة والسلام , وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أنه مطهرة للفم ; أي : منظف له مما يستكره , وأنه مرضاة للرب ; أي : يرضي الرب تبارك وتعالى , وقد ورد في بيانه والحث عليه أكثر من مائة حديث , مما يدل على أنه سنة مؤكدة , حث الشارع عليه , ورغب فيه , وله فوائد عظيمة , من أعظمها وأجمعها ما أشار إليه في هذا الحديث : أنه مطهرة للفم مرضاة للرب . ويكون التسوك بعود لين من أراك أو زيتون أو عرجون أو غيرها مما لا يتفتت ولا يجرح الفم .
ويسن السواك في جميع الأوقات , حتى للصائم في جميع اليوم , على الصحيح , ويتأكد في أوقات مخصوصة ; فيتأكد عند الوضوء ; لقوله صلى الله عليه وسلم : لولا أن أشق على أمتي ; لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء فالحديث يدل على تأكد استحباب السواك عند الوضوء ويكون ذلك حال المضمضة ; لأن ذلك أبلغ في الإنقاء وتنظيف الفم , ويتأكد السواك أيضا عند الصلاة فرضا أو نفلا ; لأننا مأمورون عند التقرب إلى الله أن نكون في حال كمال ونظافة ; إظهارا لشرف العبادة , ويتأكد السواك أيضا عند الانتباه من نوم الليل أو نوم النهار ; لأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل ; يشوص فاه بالسواك , والشوص : الدلك , وذلك لأن النوم تتغير معه رائحة الفم ; لتصاعد أبخرة المعدة , والسواك في هذه الحالة ينظف الفم من آثارها , ويتأكد السواك أيضا عند تغير رائحة الفم بأكل أو غيره , ويتأكد أيضا عند قراءة قرآن ; لتنظيف الفم وتطييبه لتلاوة كلام الله عز وجل .
وصفة التسوك أن يمر المسواك على لثته وأسنانه ; فيبتدئ من الجانب الأيمن إلى الجانب الأيسر , ويمسك المسواك بيده اليسرى .
ومن المزايا التي جاء بها ديننا الحنيف خصال الفطرة التي مر ذكرها في الحديث , وسميت خصال الفطرة ; لأن فاعلها يتصف بالفطرة التي فطر الله عليها العباد , وحثهم عليها , واستحبها لهم ; ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفها , وليكونوا على أجمل هيئة وأحسن خلقة , وهي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء واتفقت عليها الشرائع , وهذه الخصال هي :
1 - الاستحداد : وهو حلق العانة , وهي الشعر النابت حول الفرج , سمي استحدادا ; لاستعمال الحديدة فيه , وهي الموسى , وفي إزالته تجميل ونظافة ; فيزيله بما شاء من حلق أو غيره .
2- الختان : وهو إزالة الجلدة التي تغطي الحشفة حتى تبرز الحشفة , ويكون زمن الصغر ; لأنه أسرع برأ , ولينشأ الصغير على أكمل الأحوال . ومن الحكمة في الختان تطهير الذكر من النجاسة المتحقنة في القلفة وغير ذلك من الفوائد .
3- قص الشارب وإحفاؤه وهو المبالغـة في قصه ; لما في ذلك من التجميل والنظافة ومخالفة الكفار . وقد وردت الأحاديث في الحث على قصه وإحفائه وإعفاء اللحية وإرسالها وإكرامها ; لما في بقاء اللحية من الجمال ومظهر الرجولة , وقد عكس كثير من الناس الأمر ; فصاروا يوفرون شواربهم ويحلقون لحاهم أو يقصونها أو يحاصرونها في نطاق ضيق ; إمعانا في المخالفة للهدي النبوي , وتقليدا لأعداء الله ورسوله , ونزولا عن سمات الرجولة والشهامة إلى سمات النساء والسفلة , حتى صدق عليهم قول الشاعر :
يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
وقول الآخر :
ولا عجب أن النساء ترجلت ولكن تأنيث الرجال عجيب
4- ومن خصال الفطرة : تقليم الأظافر , وهو قطعها ; بحيث لا تترك تطول ; لما في ذلك من التجميل وإزالة الوسخ المتراكم تحتها , والبعد عن مشابهة السباع البهيمية , وقد خالف هذه الفطرة النبوية طوائف من الشباب المتخنفس والنساء الهمجيات ; فصاروا يطيلون أظافرهم ; مخالفة للهدي النبوي , وإمعانا في التقليد الأعلى .
5- ومن خصال الفطرة : نتف الإبط - أي : إزالة الشعر النابت في الإبط - , فيسن إزالة هذا الشعر بالنتف أو الحلق أو غير ذلك , لما في إزالة هذا الشعر من النظافة وقطع الرائحة الكريهة التي تتضاعف مع وجود هذا الشعر .
أيها المسلم ! هكذا جاء ديننا بتشريع هذه الخصال ; لما فيها من التجمل والتنظف والتطهر ; ليكون المسلم على أحسن حال وأجمل مظهر ; مخالفا بذلك هدي المشركين , ولما في بعضها من تمييز بين الرجال والنساء ; ليبقى لكل منهما شخصيته المناسبة لوظيفته في الحياة , لكن ; أبى كثير من المخدوعين , الذين يظلمون أنفسهم , فأبوا إلا مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم , واستيراد التقاليد التي لا تتناسب مع ديننا وشخصيتنا الإسلامية , واتخذوا من سفلة الغرب أو الشرق قدوة لهم في شخصيتهم ; فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير , بل استبدلوا الخبيث بالطيب , والكمال بالنقص ; فجنوا على أنفسهم وعلى مجتمعهم , وجاءوا بسنة سيئة , باءوا بإثمها وإثم من عمل بها تبعا لهم , ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
اللهم وفق المسلمين لإصلاح أعمالهم وأقوالهم , وارزقهم الإخلاص لوجهك الكريم , والتمسك بسنة نبيك صلى الله عليه وسلم .
باب
في أحكام الوضوء
يقول الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ الآية ; فهذه الآية الكريمة أوجبت الوضوء للصلاة , وبينت الأعضاء التي يجب غسلها أو مسحها في الوضوء , وحددت مواقع الوضوء منها , ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم صفة الوضوء بقوله وبفعله بيانا كافيا .
اعلم أيها المسلم ! أن للوضوء شروطا وفروضا وسننا , فالشروط والفروض لا بد منها حسب الإمكان ; ليكون الوضوء صحيحا , وأما السنن ; فهي مكملات الوضوء , وفيها زيادة أجر , وتركها لا يمنع صحة الوضوء :
فالشروط هي :
- الإسلام , والعقل , والتمييز , والنية ; فلا يصح الوضوء من كافر , ولا من مجنون , ولا من صغير لا يميزه , ولا ممن لم ينو الوضوء ; بأن نوى تبردا , أو غسل أعضاءه ليزيل عنها نجاسة أو وسخا .
- ويشترط للوضوء أيضا أن يكون الماء طهورا كما سبق , فإن كان نجسا ; لم يجزئه . ويشترط للوضوء أيضا أن يكون الماء مباحا , فإن كان مغصوبا أو تحصل عليه بغير طريق شرعي ; لم يصح الوضوء به .
- وكذلك يشترط للوضوء أن يسبقه استنجاء أو استجمار على ما سبق تفصيله .
- ويشترط للوضوء أيضا إزالة ما يمنع وصول الماء إلى الجلد ; فلا بد للمتوضئ أن يزيل ما على أعضاء الوضوء من طين أو عجين أو شمع أو وسخ متراكم أو أصباغ سميكة ; ليجري الماء على جلد العضو مباشرة من غير حائل .
باب
في أحكام الوضوء
يقول الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ الآية ; فهذه الآية الكريمة أوجبت الوضوء للصلاة , وبينت الأعضاء التي يجب غسلها أو مسحها في الوضوء , وحددت مواقع الوضوء منها , ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم صفة الوضوء بقوله وبفعله بيانا كافيا .
اعلم أيها المسلم ! أن للوضوء شروطا وفروضا وسننا , فالشروط والفروض لا بد منها حسب الإمكان ; ليكون الوضوء صحيحا , وأما السنن ; فهي مكملات الوضوء , وفيها زيادة أجر , وتركها لا يمنع صحة الوضوء :
فالشروط هي :
- الإسلام , والعقل , والتمييز , والنية ; فلا يصح الوضوء من كافر , ولا من مجنون , ولا من صغير لا يميزه , ولا ممن لم ينو الوضوء ; بأن نوى تبردا , أو غسل أعضاءه ليزيل عنها نجاسة أو وسخا .
- ويشترط للوضوء أيضا أن يكون الماء طهورا كما سبق , فإن كان نجسا ; لم يجزئه . ويشترط للوضوء أيضا أن يكون الماء مباحا , فإن كان مغصوبا أو تحصل عليه بغير طريق شرعي ; لم يصح الوضوء به .
- وكذلك يشترط للوضوء أن يسبقه استنجاء أو استجمار على ما سبق تفصيله .
- ويشترط للوضوء أيضا إزالة ما يمنع وصول الماء إلى الجلد ; فلا بد للمتوضئ أن يزيل ما على أعضاء الوضوء من طين أو عجين أو شمع أو وسخ متراكم أو أصباغ سميكة ; ليجري الماء على جلد العضو مباشرة من غير حائل .
وأما فروض الوضوء - وهي أعضاؤه - ; فهي ستة :
أحدها : غسل الوجه بكامله , ومنه المضمضة والاستنشاق , فمن غسل وجهه وترك المضمضة والاستنشاق أو أحدهما ; لم يصح وضوءه , لأن الفم والأنف من الوجه , والله تعالى يقول : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ فأمر بغسل الوجه كله , فمن ترك شيئا منه ; لم يكن ممتثلا أمر الله تعالى , والنبي صلى الله عليه وسلم تمضمض واستنشق .
الثاني : غسل اليدين مع المرفقين , لقوله تعالى : وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ أي : مع المرافق ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم أدار الماء على مرفقيه , وفي حديث آخر : غسل يديه حتى أشرع في العضد مما يدل على دخول المرفقين في المغسول .
والثالث : مسح الرأس كله , ومنه الأذنان ; لقوله تعالى : وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وقال صلى الله عليه وسلم : الأذنان من الرأس رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما ; فلا يجزئ مسح بعض الرأس.
والرابع : غسل الرجلين مع الكعبين , لقوله تعالى : وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ و ( إلى ) بمعنى ( مع ) , وذلك للأحاديث الواردة في صفة الوضوء ; فإنها تدل على دخول الكعبين في المغسول .
والخامس : الترتيب ; بأن يغسل الوجه أولا , ثم اليدين , ثم يمسح الرأس , ثم يغسل رجليه ; لقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ والنبي صلى الله عليه وسلم رتب الوضوء على هذه الكيفية , وقال : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به رواه أبو داود وغيره .
السادس : الموالاة , وهي أن يكون غسل الأعضاء المذكورة متواليا , بحيث لا يفصل بين غسل عضو وغسل العضو الذي قبله , بل يتابع غسل الأعضاء الواحد تلو الآخر حسب الإمكان .
هذه فروض الوضوء التي لا بد منها فيه على وفق ما ذكره الله في كتابه .
وقد اختلف العلماء في حكم التسمية في ابتداء الوضوء هل هي واجبة أو سنة ؟ فهي عند الجميع مشروعة , ولا ينبغي تركها , وصفتها أن يقول : بسم الله , وإن زاد : الرحمن الرحيم , فلا بأس .
والحكمة - والله أعلم - في اختصاص هذه الأعضاء الأربعة بالوضوء , لأنها أسرع ما يتحرك من البدن , لاكتساب الذنوب , فكان في تطهير ظاهرها تنبيه على تطهير باطنها , وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلم كلما غسل عضوا منها ; حط عنه كل خطيئة أصابها بذلك العضو , وأنها تخرج خطاياه مع الماء أو مع آخر قطر الماء .
ثم أرشد صلى الله عليه وسلم بعد غسل هذه الأعضاء إلى تجديد الإيمان بالشهادتين , إشارة إلى الجمع بين الطهارتين الحسية والمعنوية . فالحسية تكون بالماء على الصفة التي بينها الله في كتابه من غسل هذه الأعضاء , والمعنوية تكون بالشهادتين اللتين تطهران من الشرك .
وقد قال تعالى في آخر آية الوضوء : مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وهكذا - أيها المسلم - شرع الله لك الوضوء ; ليطهرك به من خطاياك , وليتم به نعمته عليك .
وتأمل افتتاح آية الوضوء بهذا النداء الكريم : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فقد وجه سبحانه الخطاب إلى من يتصف بالإيمان ; لأنه هو الذي يصغي لأوامر الله , وينتفع بها , ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن
وما زاد عما ذكر في صفة الوضوء ; فهو مستحب : من فعله ; فله زيادة أجر , ومن تركه ; فلا حرج عليه , ومن ثم سمى الفقهاء تلك الأفعال : سنن الوضوء أي : مستحباته ; فسنن الوضوء هي :
أولا : السواك , وتقدم بيان فضيلته وكيفيته , ومحله عند المضمضة , ليحصل به والمضمضة تنظيف الفم لاستقبال العبادة والتهيؤ لتلاوة القرآن ومناجاة الله عز وجل .
ثانياً : غسل الكفين ثلاثا في أول الوضوء قبل غسل الوجه ; لورود الأحاديث به , ولأن اليدين آلة نقل الماء إلى الأعضاء , ففي غسلهما احتياط لجميع الوضوء .
ثالثاً : البداءة بالمضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه ; لورود البداءة بهما في الأحاديث , ويبالغ فيها إن كان غير صائم , ومعنى المبالغة في المضمضة : إدارة الماء في جميع فمه , وفي الاستنشاق : جذب الماء إلى أقصى أنفه .
رابعاً : ومن سنن الوضوء تخليل اللحية الكثيفة بالماء حتى يبلغ داخلها , وتخليل أصابع اليدين والرجلين .
خامساً : التيامن , وهو البدء باليمنى من اليدين والرجلين قبل اليسرى .
سادساً : الزيادة على الغسلة الواحدة إلى ثلاث غسلات في غسل الوجه واليدين والرجلين.
هذه شروط الوضوء وفروضه وسننه , يجدر بك أن تتعلمها وتحرص على تطبيقها في كل وضوء , ليكون وضوءك مستكملا للصفة المشروعة , لتحوز على الثواب . ونسأل الله لنا ولك المزيد من العلم النافع والعمل الصالح .
باب
في بيان صفة الوضوء
بعد أن عرفت شرائط الوضوء وفرائضه وسننه على ما سبق بيانه , كأنك تطلعت إلى بيان صفة الوضوء التي تطبق فيها تلك الأحكام , وهي صفة الوضوء الكامل المشتمل على الفروض والسنن مستوحاة من نصوص الشرع ; لتعمل على تطبيقها إن شاء الله ; فصفة الوضوء :
- أن ينوي الوضوء لما يشرع له الوضوء من صلاة ونحوها .
- ثم يقول : بسم الله .
- ثم يغسل كفيه ثلاث مرات .
- ثم يتمضمض ثلاث مرات , ويستنشق ثلاث مرات , وينثر الماء من أنفه بيساره .
- ويغسل وجهه ثلاث مرات , وحد الوجه طولا من منابت شعر الرأس المعتاد إلى ما انحدر من اللحيين والذقن , واللحيان عظمان في أسفل الوجه : أحدهما من جهة اليمين , والثاني من جهة اليسار , والذقن مجمعهما , وشعر اللحية من الوجه ; فيجب عسله , ولو طال , فإن كانت اللحية خفيفة الشعر ; وجب غسل باطنها وظاهرها , وإن كانت كثيفة ( أي : ساترة للجلد ) ; وجب غسل ظاهرها , ويستحب تخليل باطنها كما تقدم , وحد الوجه عرضا من الأذن إلى الأذن , والأذنان من الرأس ; فيمسحان معه كما تقدم .
- ثم يغسل يديه مع المرفقين ثلاث مرات , وحد اليد هنا : من رءوس الأصابع مع الأظافر إلى أول العضد , ولا بد أن يزيل ما علق باليدين قبل الغسل من عجين وطين وصبغ كثيف على الأظافر حتى يتبلغ بماء الوضوء .
- ثم يمسح كل رأسه وأذنيه مرة واحدة بماء جديد غير البلل الباقي من غسل يديه , وصفة مسح الرأس أن يضع يديه مبلولتين بالماء على مقدم رأسه , ويمرهما إلى قفاه , ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه , ثم يدخل أصبعيه السبابتين في خرقي أذنيه , ويمسح ظاهرهما بإبهاميه .
- ثم يغسل رجليه ثلاث مرات مع الكعبين , والكعبان : هما العظمان الناتئان في أسفل الساق .
ومن كان مقطوع اليد أو الرجل ; فإنه يغسل ما بقي من الذراع أو الرجل , فإن قطع من مفصل المرفق ; غسل رأس العضد , وإن قطع من الكعب , غسل طرف الساق ; لقوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وقوله صلى الله عليه وسلم : إذا أمرتكم بأمر ; فأتوا منه ما استطعتم فإذا غسل بقية المفروض ; فقد أتى بما استطاع .
ثم بعد الفراغ من الوضوء على الصفة التي ذكرنا , يرفع بصره إلى السماء , ويقول ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأدعية في هذه الحالة , ومن ذلك : أشهد لا إله إلا الله وحده , لا شريك له , وأشهد أن محمدا عبده ورسوله , اللهم اجعلني من التوابين , واجعلني من المتطهرين , سبحانك اللهم وبحمدك , أشهد أن لا إله إلا أنت , أستغفرك وأتوب إليك
والمناسبة في الإتيان بهذا الذكر والدعاء بعد الوضوء : أنه لما كان الوضوء طهارة للظاهر ; ناسب ذكر طهارة الباطن ; بالتوحيد والتوبة , وهما أعظم المطهرات , فإذا اجتمع له الطهوران ; طهور الظاهر بالوضوء , وطهور الباطن بالتوحيد والتوبة ; صلح للدخول على الله , والوقوف بين يديه , ومناجاته .
ولا بأس أن ينشف المتوضئ أعضاءه من ماء الوضوء بمسحه بخرقة ونحوها .
ثم اعلم أيها المسلم : أنه يجب إسباغ الوضوء وهو إتمامه باستكمالالأعضاء وتعميم كل عضو بالماء , ولا يترك منه شيئا لم يصبه الماء : فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا ترك موضع ظفر على قدمه ; فقال له : ارجع , فأحسن وضوءك
وعن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ; أنه رأى رجلا يصلي وفي بعض قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء ; فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة , وقال صلى الله عليه وسلم : ويل للأعقاب من النار وذلك لأنه قد يحصل التساهل في تعاهدهما ; فلا يصل إليهما الماء , أو تبقى فيهما بقية لا يعمها الماء ; فيعذبان بالنار بسبب ذلك .
وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره : إنه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ; فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين , ثم يمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين
ثم اعلم أيها المسلم أنه ليس معنى إسباغ الوضوء كثرة صب الماء , بل معناه تعميم العضو بجريان الماء عليه كله , وأما كثرة صب الماء ; فهذا إسراف منهي عنه , بل قد يكثر صب الماء ولا يتطهر الطهارة الواجبة , وإذا حصل إسباغ الوضوء مع تقليل الماء , فهذا هو المشروع : فقد ثبت في " الصحيحين " ; أنه صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد .
ونهى صلى الله عليه وسلم عن الإسراف في الماء ; فقد مر صلى الله عليه وسلم بسعد وهو يتوضأ ; فقال : ما هذا السرف ؟ , فقال : أفي الوضوء إسراف ؟ ! فقال : نعم , ولو كنت على نهر جار رواه أحمد وابن ماجه , وله شواهد , والسرف ضد القصد .
وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه يكون في أمته من يتعدى في الطهور , وقال ; إن للوضوء شيطانا يقال له : الولهان ; فاتقوا وسواس الماء والسرف في صب الماء - مع أنه يضيع الماء من غير فائدة - يوقع في مفاسد أخرى :
منها : أنه قد يعتمد على كثرة الماء ; فلا يتعاهد وصول الماء إلى أعضائه ; فربما تبقى بقية لم يصلها الماء , ولا يدري عنها , فيبقى وضوؤه ناقصا , فيصلي بغير طهارة .
ومنها : الخوف عليه من الغلو في العبادة ; فإن الوضوء عبادة , والعبادة إذا دخلها الغلو ; فسدت .
ومنها : أنه قد يحدث له الوسواس في الطهارة بسبب الإسراف في صب الماء .
والخير كله في الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم , وشر الأمور محدثاتها , وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه .
فعليك أيها المسلم بالحرص على أن يكون وضوءك وجميع عباداتك على الوجه المشروع , من غير إفراط ولا تفريط ; فكلا طرفي الأمور ذميم , وخير الأمور أوسطها , والمتساهل في العبادة ينتقصها , والغالي فيها يزيد عليها ما ليس منها , والمستن فيها بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يوفيها حقها .
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه , وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه , ولا تجعله ملتبسا علينا ; فنضل .
باب
في أحكام المسح على الخفين
وغيرهما من الحوائل
إن ديننا دين يسر لا دين مشقة وحرج , يضع لكل حالة ما يناسبها من الأحكام مما به تتحقق المصلحة وتنتفي المشقة , ومن ذلك ما شرعه الله في حالة الوضوء , إذا كان على شيء من أعضاء المتوضئ حائل يشق نزعه ويحتاج إلى بقائه : إما لوقاية الرجلين كالخفين ونحوهما , أو لوقاية الرأس كالعمامة , وإما لوقاية جرح ونحوه كالجبيرة ونحوها ; فإن الشارع رخص للمتوضئ أن يمسح على هذه الحوائل , ويكتفي بذلك عن نزعها وغسل ما تحتها ; تخفيفا منه سبحانه وتعالى على عباده , ودفعا للحرج عنهم .
فأما مسح الخفين أو ما يقوم مقامهما من الجوربين والاكتفاء به عن غسل الرجلين ; فهو ثابت بالأحاديث الصحيحة المستفيضة المتواترة في مسحه صلى الله عليه وسلم في الحضر والسفر , وأمره بذلك , وترخيصه فيه .
قال الحسن : حدثني سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الخفين وقال النووي : روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة وقال الإمام أحمد : ليس في نفسي من المسح شيء , فيه أربعون حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن المبارك وغيره : ليس في المسح على الخفين بين الصحابة اختلاف , هو جائز ونقل ابن المنذر وغيره إجماع العلماء على جوازه , واتفق عليه أهل السنة والجماعة ; بخلاف المبتدعة الذين لا يرون جوازه . وحكم المسح على الخفين : أنه رخصة , فعله أفضل من نزع الخفين وغسل الرجلين ; أخذا برخصة الله عز وجل , واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم , ومخالفة للمبتدعة , والمسح يرفع الحدث عما تحت الممسوح , وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتكلف ضد حاله التي عليها قدره , بل إن كانتا في الخفين ; مسح على الخفين , وإن كانتا مكشوفتين ; غسل القدمين ; فلا يشرع لبس الخف ليمسح عليه .
ومدة المسح على الخفين بالنسبة للمقيم ومن سفره لا يبيح له القصر يوم وليلة , وبالنسبة لمسافر سفرا يبيح له القصر ثلاثة أيام بلياليها ; رواه مسلم ; أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن , وللمقيم يوم وليلة
وابتداء المدة في الحالتين يكون من الحدث بعد اللبس ; لأن الحدث هو الموجب للوضوء , ولأن جواز المسح يبتدئ من الحدث , فيكون ابتداء المدة من أول جواز المسح , ومن العلماء من يرى أن ابتداء المدة يكون من المسح بعد الحدث .
شروط المسح على الخفين ونحوهما :
1- يشترط للمسح على الخفين وما يقوم مقامهما من الجوارب ونحوها أن يكون الإنسان حال لبسهما على طهارة من الحدث ; لما في " الصحيحين " وغيرهما ; أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما أراد نزع خفيه وهو يتوضأ : دعهما ; فإني أدخلتهما طاهرتين وحديث : أمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر وهذا واضح الدلالة على اشتراط الطهارة عند اللبس للخفين , فلو كان حال لبسهما محدثا ; لم يجز المسح عليهما .
2- ويشترط أن يكون الخف ونحوه مباحا , فإن كان مغصوبا أو حريرا بالنسبة للرجل ; لم يجز المسح عليه ; لأن المحرم لا تستباح به الرخصة .
3- ويشترط أن يكون الخف ونحوه ساترا للرجل ; فلا يمسح عليه إذا لم يكن ضافيا مغطيا لما يجب غسله ; بأن كان نازلا عن الكعب أو كان ضافيا لكنه لا يستر الرجل ; لصفائه أو خفته ; كجورب غير صفيق ; فلا يمسح على ذلك كله ; لعدم ستره .
ويمسح على ما يقوم مقام الخفين ; فيجوز المسح على الجورب الصفيق الذي يستر الرجل من صوف أو غيره , لأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين والنعلين , رواه أحمد وغيره وصححه الترمذي , ويستمر المسح عليه إلى تمام المدة ; دون ما يلبس فوقه من خف أو نعل ونحوه , ولا تأثير لتكرار خلعه ولبسه إذا كان قد بدأ المسح على الجورب .
ويجوز المسح على العمامة بشرطين :
أحدهما : تكون ساترة لما لم تجر العادة بكشفه من الرأس .
الشرط الثاني : أن تكون العمامة محنكة , وهي التي يدار منها تحت الحنك دور فأكثر , أو تكون ذات ذؤابة , وهي التي يرخى طرفها من الخلف ; فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم المسح على العمامة بأحاديث أخرجها غير واحد من الأئمة , وقال عمر : من لم يطهره المسح على العمامة , فلا طهره الله
وإنما يجوز المسح على الخفين والعمامة في الطهارة من الحدث الأصغر , وأما الحدث الأكبر ; فلا يمسح على شيء من ذلك فيه , بل يجب غسل ما تحتهما . ويمسح على الجبيرة , وهي أعواد ونحوها تربط على الكسر , ويمسح على الضماد الذي يكون على الجرح , وكذلك يمسح على اللصوق الذي يجعل على القروح , كل هذه الأشياء يمسح عليها ; بشرط أن تكون على قدر الحاجة ; بحيث تكون على الكسر أو الجرح وما قرب هنه مما لا بد من وضعها عليه لتؤدي مهمتها , فإن تجاوزت قدر الحاجة ; لزمه نزع ما زاد عن الحاجة .
ويجوز المسح على الجبيرة ونحوها في الحدث الأصغر والأكبر , وليس للمسح عليها وقت محدد , بل يمسح عليها إلى نزعها أو برء ما تحتها ; لأن مسحها لأجل الضرورة إليها , فيتقدر بقدر الضرورة .
والدليل على مسح الجبيرة حديث جابر رضي الله عنه ; قال : خرجنا في سفر , فأصاب رجلا منا حجر , فشجه في رأسه , ثم احتلم , فسأل أصحابه : هل تجدون لي رخصة في التيمم ؟ قالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء . فاغتسل , فمات , فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ; أخبر بذلك , فقال : قتلوه قتلهم الله , ألا سألوا إذا لم يعلموا ; فإنما شفاء العي السؤال , إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها رواه أبو داود وابن ماجه , وصححها ابن السكن .
محل المسح من هذه الحوائل :
يمسح ظاهر الخف والجورب , ويمسح أكثر العمامة , ويختص ذلك بدوائرها , ويمسح على جميعا لجبيرة . وصفة المسح على الخفين أن يضع أصابع يديه مبلولتين بالماء على أصابع رجليه ثم يمرهما إلى ساقه , يمسح الرجل اليمنى باليد اليمنى , والرجل اليسرى باليد اليسرى , ويفرج أصابعه إذا مسح , ولا يكرر المسح .وفقنا الله جميعا للعلم النافع والعمل الصالح .
باب
في بيان نواقض الوضوء
عرفت مما سبق كيف يتم الوضوء بشروطه وفروضه وسننه كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم ; فكنت بحاجة إلى معرفة ما يفسد هذا الوضوء وينقضه ; لئلا تستمر على وضوء قد بطل مفعوله , فتؤدي به عبادة لا تصح منك .
فاعلم أيها المسلم : أن للوضوء مفسدات لا يبقى مع واحد منها له تأثير , فيحتاج إلى استئنافه من جديد عند إرادته مزاولة عمل من الأعمال التي يشرع لها الوضوء , وهذه المفسدات تسمى نواقض وتسمى مبطلات , والمعنى واحد , وهذه المفسدات أو النواقض أو المبطلات أمور عينها الشارع , وفي علل تؤثر في إخراج الوضوء عما هو المطلوب منه , وهي إما أحداث تنقض الوضوء بنفسها - كالبول والغائط وسائر الخارج من السبيلين - , وأما أسباب للأحداث ; بحيث إذا وقعت ; تكون مظنة لحصول الأحداث ; كزوال العقل , أو تغطيته بالنوم والإغماء والجنون ; فإن زائل العقل لا يحس بما يحصل منه , فأقيمت المظنة مقام الحدث . .. وإليك بيان ذلك بالتفصيل :
1- الخارج من سبيل , أي : من مخرج البول والغائط , والخارج من السبيل إما أن يكون بولا أو منيا أو مذيا أو دم استحاضة أو غائطا أو ريحا .
فإن كان الخارج بولا أو غائطا , فهو ناقض للوضوء بالنص والإجماع , قال تعالى في موجبات الوضوء : أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ وإن كان منيا أو مذيا , فهو ينقض الوضوء بدلالة الأحاديث الصحيحة , وهى الإجماع على ذلك ابن المنذر وغيره . وكذا ينقض خروج دم الاستحاضة , وهو دم فساد , لا دم حيض ; لحديث فاطمة بنت أبي حبيش ; أنها كانت تستحاض , فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : فتوضئي وصلي , فإنما هو دم عرق رواه أبو داود والدارقطني , وقال : إسناده كلهم ثقات .
وكذا ينقض الوضوء خروج الريح بدلالة الأحاديث الصحيحة وبالإجماع , قال صلى الله عليه وسلم : ولا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ وقال صلى الله عليه وسلم فيمن شك هل خرج منه ريح أولا : فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا
وأما الخارج من البدن من غير السبيلين كالدم والقيء والرعاف ; فموضع خلاف بين أهل العلم , هل ينقض الوضوء أو لا ينقضه ؟ على قولين , والراجح أنه لا ينقض , لكن لو توضأ خروجا من الخلاف ; لكان أحسن .
2- من النواقض زوال العقل أو تغطيته , وزوال العقل يكون بالجنون ونحوه ; وتغطيته تكون بالنوم أو الإغماء ونحوهما , فمن زال عقله أو غطي بنوم ونحوه ; انتقضت وضوؤه ; لأن ذلك مظنة خروج الحدث , وهو لا يحس به , إلا يسير النوم , فإنه لا ينقض الوضوء , لأن الصحابة رضي الله عنهم كان يصيبهم النعاس وهم ينتظرون الصلاة , وإنما ينقضه النوم المستغرق ; جمعا بين الأدلة .
3- من نواقض الوضوء أكل لحم الإبل سواء كان قليلا أو كثيرا , لصحة الحديث فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصراحته . قال الإمام أحمد رحمه الله : فيه حديثان صحيحان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأما أكل اللحم من غير الإبل فلا ينقض الوضوء .
وهناك أشياء قد اختلف العلماء فيها ; هل تنقض الوضوء أو لا ؟ وهي : مس الذكر , ومس المرأة بشهوة , وتغسيل الميت , والردة عن الإسلام , فإن العلماء من قال : إن كل واحد من هذه الأشياء ينقض الوضوء ومنهم من قال : لا ينقض , والمسألة محل نظر واجتهاد , لكن لو توضأ من هذه الأشياء خروجا من الخلاف ; لكان أحسن .
هذا , وقد بقيت مسألة مهمة تتعلق بهذا الموضوع , وهي : من تيقن الطهارة , ثم شك في حصول ناقض من نواقضها ماذا يفعل ؟
لقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا , فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا ; فلا يخرج من المسجد , حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا فدل هذا الحديث الشريف وما جاء بمعناه على أن المسلم إذا تيقن الطهارة وشك في انتقاضها ; أنه يبقى على الطهارة ; لأنها الأصل , ولأنها متيقنة , وحصول الناقض مشكوك فيه , واليقين لا يزول بالشك .
وهذه قاعدة عظيمة عامة في جميع الأشياء ; أنها تبقى على أصولها حتى يتيقن خلافها , وكذلك العكس , فإذا تيقن الحدث وشك في الطهارة ; فإنه يتوضأ ; لأن الأصل بقاء الحدث ; فلا يرتفع بالشك .
أخي المسلم ! عليك بالمحافظة على الطهارة للصلاة والاهتمام بها ; لأنها لا تصح صلاة بدون طهور , كما يجب عليك أن تحذر من الوسواس وتسلط الشيطان عليك ; بحيث يخيل إليك انتقاض طهارتك ويلبس عليك ; فاستعذ بالله من شره , ولا تلتفت إلى وساوسه , واسأل أهل العلم عما أشكل عليك من أمور الطهارة , لتكون على بصيرة من أمرك , واهتم أيضا بطهارة ثيابك من النجاسة ; لتكون صلاتك صحيحة وعبادتك مستقيمة ; فإن الله سبحانه وتعالى : يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ وفقنا الله جميعا للعلم النافع والعمل الصالح .
باب
في أحكام الغسل
عرفت مما سبق أحكام الطهارة من الحدث الأصغر ونواقضها ; فكنت بحاجة إلى أن تعرف أحكام الطهارة من الحدث الأكبر ; جنابة كان أو حيضا أو نفاسا , وهذه الطهارة تسمى - بالغسل - بضم الغين - , وهو استعمال الماء في جميع البدن على صفة مخصوصة يأتي بيانها .
والدليل على وجوبه : قول الله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا
وقد ذكروا أن الغسل من الجنابة كان معمولا به في الجاهلية , وهو من بقايا دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام فيهم .
وموجبات الغسل ستة أشياء , إذا حصل واحد منها ; وجب على المسلم الاغتسال :
أحدها : خروج المني من مخرجه من الذكر أو الأنثى , ولا يخلو : إما أن يخرج في حال اليقظة , أو حال النوم , فإن خرج في حال اليقظة ; اشترط وجود اللذة بخروجه , فإن خرج بدون لذة ; لم يوجب الغسل ; كالذي يخرج بسبب مرض أو عدم إمساك , وإن خرج في حال النوم , وهو ما يسمى بالاحتلام , وجب الغسل مطلقا ; لفقد إدراكه , فقد لا يشعر باللذة ; فالنائم إذا استيقظ ووجد أثر المني ; وجب عليه الغسل , وإن احتلم , ولم يخرج منه مني , ولم يجد له أثرا ; لم يجب عليه الغسل .
الثاني : من موجبات الغسل إيلاج الذكر في الفرج , ولو لم يحصل إنزال ; للحديث الذي رواه مسلم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم : إذا قعد بين شعبها الأربع , ثم مس الختان الختان ; فقد وجب الغسل فيجب الغسل على الواطئ والموطوءة بالإيلاج , ولو لم يحصل إنزال ; لهذا الحديث , ولإجماع أهل العلم على ذلك .
الثالث : من موجبات الغسل عند طائفة من العلماء : إسلام الكافر , فإذا أسلم الكافر ; وجب عليه الغسل ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بعض الذين أسلموا أن يغتسلوا , ويرى كثير من أهل العلم أن اغتسال الكافر إذا أسلم مستحب , وليس بواجب ; لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر به كل من أسلم , فيحمل الأمر به على الاستحباب ; جمعا بين الأدلة , والله أعلم .
الرابع : من موجبات الغسل : الموت , فيجب تغسيل الميت ; غير الشهيد في المعركة ; فإنه لا يغسل , وتفاصيل ذلك تأتي في أحكام الجنائز إن شاء الله .
الخامس والسادس : من موجبات الغسل الحيض والنفاس ; لقوله صلى الله عليه وسلم : وإذا ذهبت حيضتك ; فاغتسلي وصلي وقوله تعالى : فَإِذَا تَطَهَّرْنَ يعني : الحيض يتطهرن بالاغتسال بعد انتهاء الحيض .
وصفة الغسل الكامل
- أن ينوي بقلبه .
- ثم يسمي ويغسل يديه ثلاثا ويغسل فرجه .
- ثم يتوضأ وضوءا كاملا .
- ثم يحثي الماء على رأسه ثلاث مرات , يروي أصول شعره .
- ثم يعم بدنه بالغسل , ويدلك بدنه بيديه , ليصل الماء إليه .
والمرأة الحائض أو النفساء تنقض رأسها للغسل من الحيض والنفاس , وأما الجنابة ; فلا تنقضه حين تغتسل لها , لمشقة التكرار , ولكن ; يجب عليها أن تروي أصول شعرها بالماء .
ويجب على المغتسل رجلا كان أو امرأة أن يتفقد أصول شعره ومغابن بدنه وما تحت حلقه وإبطيه وسرته وطي ركبتيه , وإن كان لابسا ساعة أو خاتما ; فإنه يحركهما ليصل الماء إلى ما تحتهما .
وهكذا يجب أن يهتم بإسباغ الغسل ; بحيث لا يبقى من بدنه شيء لا يصل إليه الماء , وقال صلى الله عليه وسلم : تحت كل شعرة جنابة ; فاغسلوا الشعر , وأنقوا البشر رواه أبو داود والترمذي .
ولا ينبغي له أن يسرف في صب الماء , فالمشروع تقليل الماء مع الإسباغ ; فقد كان صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع ; فينبغي الاقتداء به في تقليل الماء وعدم الإسراف .
كما يجب على المغتسل أن يستتر ; فلا يجوز أن يغتسل عريانا بين الناس ; لحديث : إن الله حيي يحب الحياء والستر , فإذا اغتسل أحدكم ; فليستتر رواه أبو داود والنسائي .
والغسل من الحدث الأكبر أمانة من جملة الأمانات التي بين العبد وبين ربه , يجب عليه أن يحافظ عليه , وأن يهتم بأحكامه ; ليؤديه على الوجه المشروع , وما أشكل عليه من أحكامه وموجباته ; سأل عنه , ولا يمنعه الحياء من ذلك ; فإن الله لا يستحي من الحق , فالحياء الذي يمنع صاحبه من السؤال عن أمور دينه حياء مذموم , وهو جبن من الشيطان ; ليثبط به الإنسان عن استكمال دينه ومعرفة ما يلزمه من أحكامه .
وأمر الطهارة عظيم , والتفريط في شأنها خطير ; لأنها تترتب عليها صحة الصلاة التي هي عمود الإسلام . سأل الله لنا ولجميع المسلمين البصيرة في دينه والإخلاص له في القول والعمل .
باب في أحكام التيمم
إن الله سبحانه وتعالى قد شرع التطهر للصلاة من الحدثين الأصغر والأكبر بالماء الذي أنزله الله لنا طهورا , وهذا واجب لا بد منه مع الإمكان , لكن قد تعرض حالات يكون الماء فيها معدوما , أو في حكم المعدوم , أو موجودا , لكن يتعذر استعماله لعذر من الأعذار الشرعية , وهنا قد جعل الله ما ينوب عنه , وهو التيمم بالتراب ; تيسيرا على الخلق , ورفعا للحرج .
يقول الله تعالى في محكم تنزيله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
والتيمم في اللغة : القصد , والتيمم في الشرع : هو مسح الوجه واليدين بصعيد على وجه مخصوص . وكما هو ثابت في القرآن الكريم ; فهو ثابت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة , وهو فضيلة لهذه الأمة المحمدية , اختصها الله به , ولم يجعله طهورا لغيرها ; توسعة عليها , وإحسانا منه إليها .
ففي " الصحيحين " وغيرهما : قال صلى الله عليه وسلم : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر , وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا , فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة ; فليصل وفي لفظ : فعنده مسجده وطهوره . فالتيمم بدل طهارة الماء عند العجز عنه شرعا , يفعل بالتطهر به كل ما يفعل بالتطهر بالماء من الصلاة والطواف وقراءة القرآن وغير ذلك , فإن الله جعل التيمم مطهرا كما جعل الماء مطهرا , قال عليه الصلاة والسلام : وجعلت تربتها ( يعني : الأرض ) لنا طهورا . ..
وينوب التيمم عن الماء في أحوال هي :
أولا : إذا عدم الماء : لقوله تعالى : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا سواء عدمه في الحضر أو السفر , وطلبه , ولم يجده .
ثانيا : إذا كان معه ماء يحتاجه لشرب وطبخ , فلو تطهر منه ; لأضر حاجته ; بحيث يخاف العطش على نفسه , أو عطش غيره من آدمي أو بهيمة محترمين .
ثالثا : إذا خاف باستعمال الماء الضرر في بدنه بمرض أو تأخر برء ; لقوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى إلى قوله : فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا الآية .
رابعا : إذا عجز عن استعمال الماء لمرض لا يستطيع معه الحركة , وليس عنده من يوضئه , وخاف خروج الوقت .
خامسا : إذا خاف بردا باستعمال الماء , ولم يجد ما يسخنه به ; تيمم وصلى ; لقوله تعالى : وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ففي تلك الأحوال يتيمم ويصلي .
وإن وجد ماء يكفي بعض طهره ; استعمله فيما يمكنه من أعضائه أو بدنه , وتيمم عن الباقي الذي قصر عنه الماء ; لقوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
وإن كان به جرح يتضرر بغسله أو مسحه بالماء , تيمم له , وغسل الباقي ; لقوله تعالى : وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ وإن كان جرحه ولا يتضرر بالمسح ; مسح الضماد الذي فوقه بالماء , وكفاه المسح عن التيمم .
ويجوز التيمم بما على وجه الأرض من تراب وسبخة ورمل وغيره , هذا هو الصحيح من قولي العلماء ; لقوله تعالى : فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا وكان صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا أدركتهم الصلاة , تيمموا بالأرض التي يصلون عليها , ترابا أو غيره , ولم يكونوا يحملون معهم التراب .
وصفة التيمم أن يضرب التراب بيديه مفرجتي الأصابع , ثم يمسح وجهه بباطن أصابعه , ويمسح كفيه براحتيه , ويعمم الوجه والكفين بالمسح , وإن مسح بضربتين إحداهما يمسح بها وجهه والثانية يمسح بها بدنه ; جاز , لكن الصفة الأولى هي الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
ويبطل التيمم عن حدث أصغر بمبطلات الوضوء وعن حدث أكبر بموجبات الغسل من جنابة وحيض ونفاس ; لأن البدل له حكم المبدل , ويبطل التيمم أيضا بوجود الماء إن كان التيمم لعدمه , وبزوال العذر الذي من أجله شرع التيمم من مرض ونحوه .
ومن عدم الماء والتراب أو وصل إلى حال لا يستطيع معه لمس البشرة بماء ولا تراب ; فإنه يصلي على حسب حاله ; بلا وضوء ولا تيمم , لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها , ولا يعيد هذه الصلاة ; لأنه أتى بما أمر به ; لقوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وقوله صلى الله عليه وسلم : إذا أمرتكم بأمر ; فأتوا منه ما استطعتم هذه جملة من أحكام التيمم سقناها لك , فإن أشكل عليك شيء منها أو من غيرها ; فعليك أن تسأل أول العلم , ولا تتساهل في أمر دينك , لا سيما أمر الصلاة التي هي عمود الإسلام ; فإن الأمر مهم جدا . وفقنا الله جميعا للصواب والسداد في القول والعمل , وأن يكون عملنا خالصا لوجهه الكريم , إنه سميع مجيب الدعاء .
باب في أحكام إزالة النجاسة
فكما أنه مطلوب من المسلم أن يكون طاهرا من الحدث إذا أراد الصلاة ; فكذلك مطلوب منه طهارة البدن والثوب والبقعة من النجاسة , قال تعالى : وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وأمر النبي صلى الله عليه وسلم المرأة بغسل دم الحيض من ثوبها .
لما كان الأمر كذلك , تطلب منا أن نلقي الضوء على هذا الموضوع , وهو موضوع إزالة النجاسة , عارضين لأهم أحكامه , رجاء أن ينتفع بذلك من يقرؤه من إخواننا المسلمين , ولقد كان الفقهاء رحمهم الله يعقدون لهذا الموضوع بابا خاصا , يسمونه : باب إزالة النجاسة ; أي : تطهير موارد النجاسة , التي تطرأ على محل طاهر من الثياب والأواني والفرش والبقاع ونحوها .
والأصل الذي تزال به النجاسة هو الماء ; فهو الأصل في التطهير ; لأن الله وصفه بذلك ; كما في قوله تعالى : وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ
والنجاسة التي تجب إزالتها - إما أن تكون على وجه الأرض وما اتصل بها من الحيطان والأحواض والصخور : فهذه يكفي في تطهيرها غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة ; بمعنى أنها تغمر بالماء بصبه عليها مرة واحدة ; لأمره صلى الله عليه وسلم بصب الماء على بول الأعرابي الذي بال في المسجد , وكذا إذا غمرت بماء المطر والسيول , فإذا زالت بصب الماء عليها أو بماء المطر النازل أو الجاري عليها ; كفى ذلك في تطهيرها .
- وإن كانت النجاسة على غير الأرض وما اتصل بها : فإن كانت من كلب أو خنزير وما تولد منهما ; فتطهيرها بسبع غسلات , إحداهن بالتراب ; بأن يجعل التراب مع إحدى الغسلات ; لقوله صلى الله عليه وسلم إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم ; فليغسله سبعا أولاهن بالتراب رواه مسلم وغيره , وهذا الحكم عام في الإناء وغيره ; كالثياب والفرش .
وإن كانت نجاسة غير كلب أو خنزير ; كالبول والغائط والدم ونحوها ; فإنها تغسل بالماء مع الفرك والعصر , حتى تزول ; فلا يبقى لها عين ولا لون .
فالمغسولات على ثلاثة أنواع :
النوع الأول : ما يمكن عصره , مثل الثوب ; فلا بد من عصره .
النوع الثاني : ما لا يمكن عصره , ويمكن تقليبه ; كالجلود ونحوها ; فلا بد من تقليبه .
النوع الثالث : ما لا يمكن عصره ولا تقليبه ; فلا بد من دقه وتثقيله ; بأن يضع عليه شيئا ثقيلا , حتى يذهب أكثر ما فيه من الماء .
- وإن خفي موضع نجاسة في بدن أو ثوب أو بقعة صغيرة كمصلى صغير ; وجب غسل ما احتمل وجود النجاسة فيه , حتى يجزم بزوالها , وإن لم يدر في أي جهة منه ; غسله جميعه .
- ويكفي في تطهير بول الغلام الذي لم يأكل الطعام رشه بالماء ; لحديث أم قيس ; أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأجلسه في حجره , فبال على ثوبه , فدعا بماء , فنضحه ولم يغسله . متفق عليه .
وإن كان يأكل الطعام لشهوة واختيار ; فبوله مثل بول الكبير , وكذا بول الأنثى الصغيرة مثل بول الكبيرة , وفي جميع هذه الأحوال يغسل كغسل سائر النجاسات .
فالنجاسات على ثلاثة أنواع : نجاسة مغلظة , وهي نجاسة الكلب ونحوه . ونجاسة مخففة , وهي نجاسة الغلام الذي لا يأكل الطعام . ونجاسة بين ذلك , وهي بقية النجاسات .
ويجب أن نعرف ما هو طاهر وما هو نجس من أرواث وأبوال الحيوانات فما كان يحل أكل لحمه منها ; فبوله وروثه طاهر ; كالإبل والبقر والغنم ونحوها ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر العرنين أن يلحقوا بإبل الصدقة , فيشربوا من أبوالها وألبانها . متفق عليه . فدل على طهارة بولها ; لأن النجس لا يباح التداوي به وشربه , فإن قيل : إنما أبيح للضرورة ; قلنا : لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة .
وفي " الصحيح " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مرابض الغنم وأمر بالصلاة فيها وهي لا شك تبول فيها .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " الأصل في الأرواث الطهارة , إلا ما استثنى . .. " انتهى .
وسؤر ما يؤكل لحمه طاهر وهو بقية طعامه وشرابه . وسؤر الهرة طاهر ; لحديث أبي قتادة في الهرة ; قال : إنها ليست بنجس , إنها من الطوافين عليكم والطوافات رواه الترمذي وغيره وصححه , شبهها بالمماليك من خدم البيت الذين يطوفون على أهله للخدمة ولعدم التحرز منها ; ففي ذلك رفع للحرج والمشقة .
وألحق بعض العلماء بالهرة ما كان دونها في الخلقة من طير وغيره ; فسؤره طاهر كسؤر الهرة ; بجامع الطواف . وما عدا الهرة وما ألحق بها مما لا يؤكل لحمه ; فروثه وبوله وسؤره نجس.
أيها المسلم ! عليك أن تهتم بالطهارة ظاهرا وباطنا : باطنا بالتوحيد والإخلاص لله في القول والعمل , وظاهرا بالطهارة من الحدث والأنجاس ; فإن ديننا دين الطهارة والنظافة والنزاهة من الأقذار الحسية والمعنوية ; فالمسلم طاهر نزيه ملازم للطهارة , وقال صلى الله عليه وسلم : الطهور شطر الإيمان . ..
فعليك يا عبد الله بالاهتمام بالطهارة , والابتعاد عن الأنجاس ; فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عامة عذاب القبر من البول حينما لا يتحرز منه الإنسان , فإذا أصابك نجاسة ; فبادر إلى تطهيرها ما أمكنك ; لتبقى طاهرا , لا سيما عندما تريد الصلاة ; فتفقد حالك من جهة الطهارة , وعندها تريد الدخول في المسجد ; فانظر في نعليك , فإن وجدت فيهما أذى ; فامسحهما ونقهما ولا تدخل بهما أو تدخلهما في المسجد وفيهما نجاسة . .. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه من القول والعمل .
باب
في أحكام الحيض والنفاس
أولا : الحيض وأحكامه قال الله تعالى : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ والحيض هو دم طبيعة وجبلة , يخرج من قعر الرحم في أوقات معلومة , خلقه الله لحكمة غذاء الولد في بطن أمه ; لافتقاره إلى الغذاء , إذ لو شاركها في غذائها ; لضعفت قواها , فجعل الله له هذا الغذاء ; لذلك قل أن تحيض الحامل , فإذا ولدت ; قلبه الله لبنا يدر من ثدييها ; ليتغذى به ولدها , ولذلك قل أن تحيض المرضع , فإذا خلت المرأة من حمل ورضاع , بقي لا مصرف له ; ليستقر في مكان من رحمها , ثم يخرج في الغالب في كل شهر ستة أيام أو سبعة أيام , وقد يزيد عن ذلك أو يقل , ويطول شهر المرأة ويقصر حسبما ركبه الله من الطباع .
وللحائض خلال حيضها وعند نهايته أحكام مفصلة في الكتاب والسنة :
- من هذه الأحكام أن الحائض لا تصلي ولا تصوم حال حيضها , قال عليه الصلاة والسلام لفاطمة بنت أبي حبيش : إذا أقبلت الحيضة , فدعي الصلاة فلو صامت الحائض أو صلت حال حيضها ; لم يصح لها صوم ولا صلاة , لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهاها عن ذلك , والنهي يقتضي عدم الصحة , بل تكون بذلك عاصية لله ولرسوله . - فإذا طهرت من حيضها ; فإنها تقضي الصوم دون الصلاة بإجماع أهل العلم , قالت عائشة رضي الله عنها : كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ; فكنا نؤمر بقضاء الصوم , ولا نؤمر بقضاء الصلاة متفق عليه .
- ومن أحكام الحائض أنها لا يجوز لها أن تطوف بالبيت , ولا تقرأ القرآن , ولا تجلس في المسجد , ويحرم على زوجها وطؤها في الفرج حتى ينقطع حيضها وتغتسل : قال تعالى : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ومعنى الاعتزال : ترك الوطء . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : اصنعوا كل شيء إلا النكاح رواه الجماعة إلا البخاري , وفي لفظ : إلا الجماع .
- ويجوز لزوج الحائض أن يستمتع منها بغير الجماع في الفرج , كالقبلة واللمس ونحو ذلك . - ولا يجوز لزوجها أن يطلقها وهي حائض , قال تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ أي : طاهرات من غير جماع , وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من طلق امرأته وهي حائض أن يراجعها ثم يطلقها حال طهرها إن أراد .
والطهر هو انقطاع الدم , فإذا انقطع دمها , فقد طهرت , وانتهت فترة حيضها ; فيجب عليها الاغتسال , ثم تزاول ما منعت منه بسبب الحيض , وإن رأت بعد الطهر كدرة أو صفرة ; لم تلتفت إليها ; لقول أم عطية رضي الله عنها : كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا , رواه أبو داود وغيره , وله حكم الرفع ; لأنه تقرير منه صلى الله عليه وسلم.
تنبيه هام : إذا طهرت الحائض أو النفساء قبل غروب الشمس لزمها أن تصلي الظهر والعصر من هذا اليوم , ومن طهرت منهما قبل طلوع الفجر ; لزمها أن تصلي المغرب والعشاء من هذه الليلة ; لأن وقت الصلاة الثانية وقت للصلاة الأولى في حال العذر .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في " الفتاوى " ( 22 \ 434 ) : ولهذا كان جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد إذا طهرت الحائض في آخر النهار ; صلت الظهر والعصر جميعا , وإذا طهرت في آخر الليل ; صلت المغرب والعشاء جميعا ; كما نقل ذلك عن عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وابن عباس ; لأن الوقت مشترك بين الصلاتين في حال العذر , فإذا طهرت في آخر النهار ; فوقت الظهر باق , فتصليها قبل العصر , ماذا طارت في آخر الليل , فوقت المغرب باق في حال العذر , فتصليها قبل العشاء انتهى .
وأما إذا دخل عليها وقت صلاة , ثم حاضت أو نفست قبل أن تصلي , فالقول الراجح أنه لا يلزمها قضاء تلك الصلاة التي أدركت أول وقتها ثم حاضت أو نفست قبل أن تصليها .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في " مجموع الفتاوى " ( 23 \ 335 ) في هذه المسألة : والأظهر في الدليل مذهب أبي حنيفة ومالك ; أنها لا يلزمها شيء ; لأن القضاء إنما يجب بأمر جديد , ولا أمر هنا يلزمها بالقضاء , ولأنها أخرت تأخيرا جائزا ; فهي غير مفرطة , وأما النائم أو الناسي , وإن كان غير مفرط أيضا ; فإن ما يفعله ليس قضاء , بل ذلك وقت الصلاة في حقه حين يستيقظ ويذكر انتهى .
ثانيا : الاستحاضة وأحكامها
الاستحاضة : سيلان الدم في غير وقته على سبيل النزيف من عرق يسمى العاذل . والمستحاضة أمرها مشكل ; لاشتباه دم الحيض بدم الاستحاضة , فإذا كان الدم ينزل منها باستمرار أو غالب الوقت ; فما الذي تعتبره منه حيضا وما الذي تعتبره استحاضة لا تترك من أجله الصوم والصلاة ; فإن المستحاضة يعتبر لها أحكام الطاهرات .
وبناء على ذلك ; فإن المستحاضة لها ثلاث حالات :
الحالة الأولى : أن تكون لها عادة معروفة لديها قبل إصابتها بالاستحاضة , بأن كانت قبل الاستحاضة تحيض خمسة أيام أو ثمانية أيام مثلا في أول الشهر أو وسطه , فتعرف عددها ووقتها ; فهذه تجلس قدر عادتها , وتدع الصلاة والصيام , وتعتبر لها أحكام الحيض , فإذا انتهت عادتها ; اغتسلت وصلت , واعتبرت الدم الباقي دم استحاضة ; لقوله صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة :
امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك , ثم اغتسلي وصلي رواه مسلم , ولقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش : إنما ذلك عرق , وليس بحيض , فإذا أقبلت حيضتك ; فدعي الصلاة متفق عليه .
الحالة الثانية : إذا لم يكن لها عادة معروفة , لكن دمها متميز , بعضه يحمل صفة الحيض ; بأن يكون أسود أو ثخينا أو له رائحة , وبقيته لا تحمل صفة الحيض ; بأن يكون أحمر ليس له رائحة ولا ثخينا ; ففي هذه الحالة تعتبر الدم الذي يحمل صفة الحيض حيضا , فتجلس وتدع الصلاة والصيام , وتعتبر ما عداه استحاضة , تغتسل عند نهاية الذي يحمل صفة الحيض , وتصلي وتصوم , وتعتبر طاهرا ; لقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش : إذا كان دم الحيض , فإنه أسود يعرف ; فأمسكي عن الصلاة , فإذا كان الآخر ; فتوضئي وصلي رواه أبو داود والنسائي , وصححه ابن حبان والحاكم ; ففيه أن المستحاضة تعتبر صفة الدم , فتميز بها بين الحيض وغيره .
الحالة الثالثة : إذا لم يكن لها عادة تعرفها ولا صفة تميز بها الحيض من غيره ; فإنها تجلس غالب الحيض ستة أيام أو سبعة أيام من كل شهر ; لأن هذه عادة غالب النساء ; لقوله صلى الله عليه وسلم لحمنة بنت جحش : إنما هي ركضة من الشيطان ; فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام , ثم اغتسلي , فإذا استنقأت , فصلي أربعة وعشرين أو ثلاثة وعشرين , وصومي وصلي , فإن ذلك يجزئك , وكذلك فافعلي كما تحيض النساء رواه الخمسة , وصححه الترمذي .
والحاصل مما سبق أن المعتادة ترد إلى عادتها , والمميزة ترد إلى العمل بالتمييز , والفاقدة لهذا تحيض ستا أو سبعا , وفي هذا جمع بين السنن الثلاث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في المستحاضة .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : والعلامات التي قيل بها ست : إما العادة ; فإن العادة أقوى العلامات , لأن الأصل مقام الحيض دون غيره , وإما التمييز ; لأن الدم الأسود والثخين المنتن أولى أن يكون حيضا من الأحمر , وإما اعتبار غالب عادة النساء ; لأن الأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب ; فهذه العلامات الثلاث تدل عليها السنة والاعتبار , , ثم ذكر بقية العلامات التي قيل بها .
وقال في " النهاية " : " وأصوب الأقوال اعتبار العلامات التي جاءت بها السنة , وإلغاء ما سوى ذلك " انتهى .
ما يلزم المستحاضة في حال الحكم بطهارتها
1- يجب عليها أن تغتسل عند نهاية حيضتها المعتبرة حسبما سيأتي بيانه .
تغسل فرجها لإزالة ما عليه من الخارج عند كل صلاة , وتجعل في المخرج قطنا ونحوه يمنع الخارج , وتشد عليه ما يمسكه عن السقوط , ثم تتوضأ عند دخول وقت كل صلاة . لقوله صلى الله عليه وسلم في المستحاضة :
2- تدع الصلاة أيام أقرائها , ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال : " حديث حسن " , وقال صلى الله عليه وسلم : أنعت لك الكرسف , تحشين به المكان والكرسف القطن , ويمكن استعمال الحفائظ الطبية الموجودة الآن .
ثالثا : النفاس وأحكامه
والنفاس كالحيض فيما يحل ; كالاستمتاع منها بما دون الفرج , وفيما يحرم ; كالوطء في الفرج ومنع الصوم والصلاة والطلاق والطواف وقراءة القرآن واللبث في المسجد , وفي وجوب الغسل على النفساء عند انقطاع دمها كالحائض , ويجب عليها أن تقضي الصيام دون الصلاة ; فلا تقضيها كالحائض .
والنفاس دم ترخيه الرحم للولادة وبعدها , وهو بقية الدم الذي احتبس في مدة الحمل , وأكثر مدته عند الجمهور أربعون يوما .
قال الترمذي : أجمع أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما ; إلا أن ترى الطهر قبل ذلك ; فتغتسل وتصلي ا ه .
فإذا انقطع دم النفساء قبل الأربعين , فقد انتهى نفاسها , فتغتسل وتصلي وتزاول ما منعت منه بسبب النفاس .
وإذا ألقت الحامل ما تبين فيه خلق إنسان , بأن كان فيه تخطيط , وصار معها دم بعده ; فلها أحكام النفساء , والمدة التي يتبين فيها خلق الإنسان في الحمل ثلاثة أشهر غالبا , وأقلها واحد وثمانون يوما , وإن ألقت علقة أو مضغة ; لم يتبين فيها تخطيط إنسان ; لم تعتبر ما ينزل بعدها من الدم نفاسا ; فلا تترك الصلاة ولا الصيام , وليست لها أحكام النفساء .
تنبيه هام :
وهنا مسألة يجب التنبيه عليها , وهي أن البعض من النساء قد تتناول دواء لمنع نزول دم الحيض حتى تتمكن من صيام رمضان أو أداء الحج فإن كانت هذه الحبوب لمنع نزول الدم فترة ولا تقطعه ; فلا بأس بتناولها , وإن كانت تقطع الحيض قطعا مؤبدا ; فهذا لا يجوز ; إلا بإذن الزوج ; لأن هذا يترتب عليه قطع النسل .
هذه جمل من أحكام الحيض , مررنا عليها مرا سريعا , وتفاصيلها تحتاج إلى وقت طويل , لكن يجب على من أشكل عليه شيء منها أو من غيرها أن يسأل العلماء , فسيجد عندهم إن شاء الله ما يزيل إشكاله , وبالله التوفيق
كتاب الصلاة
باب في وجوب الصلوات الخمس
بسم الله الرحمن الرحيم
الصلاة هي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين , وقد وضعت على أكمل وجوه العبادة وأحسنها , وقد تضمنت هذه الصلاة كثيرا من أنواع العبادة , أن ذكر الله , وتلاوة لكتابه , وقيام بين يدي الله , وركوع , وسجود , ودعاء , وتسبيح , وتكبير , وهي رأس العبادات البدنية , ولم تخل منها شريعة رسول من رسل الله .
وقد فرضها الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل ليلة المعراج في السماء ; بخلاف سائر الشرائع ; فدل ذلك على عظمتها وتأكد وجوبها ومكانتها عند الله .
وقد جاء في فضلها ووجوبها على الأعيان أحاديث كثيرة , وفرضيتها معلومة من دين الإسلام بالضرورة , فمن جحدها ; فقد ارتد عن دين الإسلام , يستتاب , فإن تاب , وإلا ; قتل بإجماع المسلمين .
والصلاة في اللغة : الدعاء , قال الله تعالى : وَصَلِّ عَلَيْهِمْ أي : ادع لهم . .. ومعناها في الشرع : أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم , سميت بذلك لاشتمالها على الدعاء ; فالمصلي لا ينفك عن دعاء عبادة أو ثناء أو طلب ; فلذلك سميت صلاة , وقد فرضت ليلة الإسراء قبل الهجرة خمس صلوات في اليوم والليلة بدخول أوقاتها على كل مسلم مكلف . قال تعالى : إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا أي : مفروضا في الأوقات التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وبفعله . وقال تعالى : وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وقال تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ في مواضع كثيرة من كتابه الكريم . وقال تعالى : قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وقال سبحانه : فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ فمن أتى عليه وقتها وهو بالغ عاقل ; وجبت عليه ; إلا حائضا ونفساء ; فلا تجب عليهما , ولا يقضيانها إذا طهرتا إجماعا , ومن كان زائل العقل بنوم أو إغماء ونحوه , وجب عليه القضاء حين يصحو . قال تعالى : وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي وقال صلى الله عليه وسلم : ومن نام عن صلاة أو نسيها , فليصلها إذا ذكرها رواه مسلم .
ويلزم ولي الصغير أن يأمره بالصلاة إذا بلغ كسبع سنين وإن كانت لا تجب عليه , ولكن ; ليهتم بها , ويتمرن عليها , وليكتب له ولوليه الأجر إذا صلى ; لعموم قوله تعالى : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وقوله صلى الله عليه وسلم لما رفعت إليه امرأة صبيا , فقالت : ألهذا حج ; قال : نعم , ولك أجر فيعلمه وليه الصلاة والطهارة لها .
ويجب على الولي أن يضرب الصغير إذا تهاون بالصلاة وقد بلغ عشر سنين , لقوله صلى الله عليه وسلم : مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين , واضربوهم عليها لعشر , وفرقوا بينهم في المضاجع رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم .
ولا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها قال الله تعالى : إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا أي : مفروضة في أوقات معينة , لا يجوز تأخيرها عنها ; إلا لمن يريد جمعها مع ما بعدها جمع تأخير , إذا كانت مما يجمع , وكان ممن يباح لهم الجمع , وأما تأخير صلاة الليل إلى النهار أو صلاة النهار إلى الليل أو الفجر إلى ما بعد طلوع الشمس , فلا يجوز بحال من الأحوال ; لا لجنابة , ولا نجاسة , ولا غير ذلك , بل يصليها في وقتها على حسب حاله .
وبعض الجهال قد يكون في حالة علاج في المستشفى على سرير لا يستطيع النزول منه , أو لا يستطيع تغيير ثيابه التي عليها نجاسة , أو ليس عنده تراب يتيمم به , أو لا يجد من يناوله إياه , فيؤخر الصلاة عن وقتها , ويقول : أصليها فيما بعد إذا زال العذر , وهذا خطأ عظيم , وتضييع للصلاة , أوقعه فيه الجهل وعدم السؤال ; فالواجب على مثل هذا أن يصلي على حسب حاله في الوقت , وتجزئه صلاته في هذه الحالة , ولو صلى بدون تيمم أو بثياب نجسة , قال الله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ حتى ولو صلى إلى غير القبلة إذا كان لا يستطيع استقبال القبلة ; فصلاته صحيحة .
ومن ترك الصلاة تهاونا أو كسلا من غير جحد لوجوبها كفر على الصحيح من قولي العلماء , بل هو الصواب الذي تدل عليه الأدلة كحديث : بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة رواه مسلم , وغيره من الأدلة .
وينبغي الإشاعة عن تاركها بتركها ليفتضح حتى يصلي , ولا ينبغي السلام عليه , ولا إجابة دعوته , حتى يتوب ويقيم الصلاة ; لأن الصلاة عمود الدين , وهي الفارقة بين المسلم والكافر ; فمهما عمل العبد من الأعمال ; فإنه لا ينفعه ما دام مضيعا للصلاة . نسأل الله العافية .
باب في أحكام الآذان والإقامة
لما كانت الصلوات الخمس مؤقتة بأوقات معينة لا يجوز فعلها قبل دخول تلك الأوقات , وكان الكثير من الناس لا يعرف دخول الوقت , أو قد يكون مشغولا لا ينتبه لدخوله ; شرع الله الأذان للصلاة , إعلاما بدخول وقتها .
وقد شرع الأذان في السنة الأولى للهجرة النبوية , وسبب مشروعيته أنه لما عسر معرفة الأوقات عليهم ; تشاوروا في نصب علامة لها ; فأري عبد الله بن زيد هذا الأذان في المنام , وأقره الوحي , وقال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ وقال تعالى : وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ
وكل من الأذان والإقامة لهما ألفاظ مخصوصة من الذكر , وهو كلام جامع لعقيدة الإيمان ; فأولهما التكبير , وهو إجلال الله عز وجل , ثم إثبات الوحدانية لله عز وجل , وإثبات الرسالة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالشهادتين , ثم الدعاء إلى الصلاة التي هي عمود الإسلام , والدعاء إلى الفلاح , وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم , ثم يختمه بتكبير الله وإجلاله وكلمة الإخلاص التي هي من أفضل الذكر وأجله , والتي لو وزنت بالسماوات وعامرهن غير الله والأرضين السبع وعامرهن ; لرجحت بهن لعظمها وفضلها .
وقد جاءت أحاديث في فضل الأذان وأن المؤذنين أطول الناس أعناقا يوم القيامة .
والأذان والإقامة فرض كفاية , وفرض الكفاية ما يلزم جميع المسلمين إقامته , فإذا قام به من يكفي ; سقط الإثم عن الباقين , وهما من شعائر الإسلام الظاهرة , وهما مشروعان في حق الرجال حضرا وسفرا للصلوات الخمس , يقاتل أهل بلد تركوهما ; لأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة , فلا يجوز تعطيلهما .
والصفات المعتبرة في المؤذن : أن يكون صيتا ; لأنه أبلغ في الإعلام , أمينا ; لأنه مؤتمن يعتبر أذانه في دخول وقت الصلاة والصيام والإفطار , ويكون عالما بالوقت , ليؤذن في أوله .
والأذان خمس عشرة جملة , كما كان بلال يؤذن به بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم دائما , ويستحب أن يتمهل بألفاظ الأذان من غير تمطيط ولا مد مفرط , ويقف على كل جملة منه , ويستحب أن يستقبل القبلة حال الأذان , ويجعل أصبعيه في أذنيه ; لأنه أرفع للصوت , ويلتفت يمينا عند قوله : " حي على الصلاة " , وشمالا عند قوله : " حي على الفلاح " , ويقول بعد " حي على الفلاح الثانية " من أذان الفجر خاصة : " الصلاة خير من النوم " ; مرتين ; لأمره صلى الله عليه وسلم بذلك ; لأنه وقت ينام الناس فيه غالبا , ولا يجوز الزيادة على ألفاظ الأذان بأذكار أخرى قبله ولا بعده , يرفع بها صوته , لأن ذلك من البدع المحدثة ; فكل ما يفعل غير الأذان الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , فهو بدعة محرمة ; كالتسبيح , والنشيد , والدعاء , والصلاة والسلام على الرسول جهرا قبل الأذان أو بعده , كل ذلك محدث مبتدع , يحرم فعله , ويجب إنكاره على من فعله.
والإقامة إحدى عشرة جملة , يحدرها - أي : يسرع فيها - لإنهاء إعلام الحاضرين ; فلا داعي للترسل فيها , ويستحب أن يتولى الإقامة من تولى الأذان , ولا يقيم إلا بإذن الإمام ; لأن الإقامة منوط وقتها بنظر الإمام ; فلا تقام إلا بإشارته , ولا يجزئ الأذان قبل الوقت ; لأنه شرع للإعلام بدخوله ; فلا يحصل به المقصود , ولأن فيه تغريرا لمن يسمعه ; إلا أذان الفجر , فيجوز تقديمه قبل الصبح ; ليتأهب الناس لصلاة الفجر , لكن ينبغي أن يؤذن آذانا آخر عند طلوع الفجر , ليعرف الناس دخول الوقت وحلول الصلاة والصيام .
ويسن لمن سمع المؤذن إجابته بأن يقول مثل ما يقول , ويقول عند حي على الصلاة وحي على الفلاح : " لا حول ولا قوة إلا بالله " , ثم يقول بعدما يفرغ المؤذن : " اللهم رب هذه الدعوة التامة , والصلاة القائمة , آت محمدا الوسيلة والفضيلة , وابعثه المقام المحمود الذي وعدته " , ويحرم الخروج من المسجد بعد الأذان بلا عذر أو نية رجوع , وإذا شرع المؤذن في الأذان والإنسان جالس ; فلا ينبغي له أن يقوم , بل يصبر حتى يفرغ ; لئلا يتشبه بالشيطان .
وينبغي للمسلم إذا سمع الأذان أن يتوجه إلى المسجد ويترك سائر الأعمال الدنيوية . قال الله تعالى : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات .
باب
في شروط الصلاة
الشرط لغة : العلامة , وشرعا : ما يلزم من عدمه العدم , ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته , وشروط الصلاة ما تتوقف صحتها عليها مع الإمكان .
وللصلاة شرائط لا تصح إلا بها , إذا عدمت أو بعضها ; لم تصح الصلاة , ومنها :
أولا : دخول وقتها : قال تعالى : إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا أي : مفروضا في أوقات محددة , فالتوقيت هو التحديد , وقد وقت الله الصلاة ; بمعنى أنه سبحانه حدد لها وقتا من الزمان , وقد أجمع المسلمون على أن للصلوات الخمس أوقاتا مخصوصة محدودة لا تجزئ قبلها .
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " الصلاة لها وقت شرطه الله لها لا تصح إلا به " . فالصلاة تجب بدخول وقتها ; لقوله تعالى : أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ وقد أجمع العلماء على فضيلة الإتيان بالصلاة في أول وقتها في الجملة ; لهذه الآية , ولقوله تعالى : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ وقوله تعالى : وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وقال تعالى : وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ وفي " الصحيحين " أنه صلى الله عليه وسلم سئل : أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : الصلاة على وقتها وقال تعالى : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ ومن المحافظة عليها الإتيان بها أول وقتها .
والصلوات المفروضات خمس في اليوم والليلة , لكل صلاة منها وقت مناسب اختاره الله لها , يتناسب مع أحوال العباد , بحيث يؤدون هذه الصلوات في هذه الأوقات , ولا تحبسهم عن أعمالهم الأخرى , بل تعينهم عليها , وتكفر عنهم خطاياهم التي يصيبونها ; فقد شبهها النبي صلى الله عليه وسلم بالنهر الجاري , الذي يغتسل منه الإنسان خمس مرات , فلا يبقى من درنه شيء . وهذه المواقيت كما يلي :
1 - صلاة الظهر : ويبدأ وقتها بزوال الشمس ; أي : ميلها إلى المغرب عن خط المسامتة , وهو الدلوك المذكور في قوله تعالى : أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ويعرف الزوال بحدوث الظل في جانب المشرق بعد انعدامه من جانب المغرب , ويمتد وقت الظهر إلى أن يصير ظل الشيء مثله في الطول , ثم ينتهي بذلك ; لقوله صلى الله عليه وسلم : وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله رواه مسلم . ويستحب تعجيلها في أول الوقت ; إلا في شدة الحر ; فيستحب تأخيرها إلى أن ينكسر الحر ; لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا اشتد الحر , فأبردوا بالصلاة , فإن شدة الحر من فيح جهنم
2- صلاة العصر : يبدأ وقتها من نهاية وقت الظهر , أي : من مصير ظل كل شيء مثله , ويمتد إلى اصفرار الشمس على الصحيح من قولي العلماء . ويسن تعجيلها في أول الوقت , وهي الصلاة الوسطى التي نص الله عليها لفضلها , قال تعالى : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وقد ثبت في الأحاديث أنها صلاة العصر .
3- وصلاة المغرب : يبدأ وقتها بغروب الشمس ; أي : غروب قرصها جميعه ; بحيث لا يرى منه شيء ; لا من سهل ولا من جبل , ويعرف غروب الشمس أيضا بإقبال ظلمة الليل من المشرق ; لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا أقبل الليل من ها هنا , وأدبر النهار من ها هنا ; فقد أفطر الصائم ثم يمتد وقت المغرب إلى مغيب الشفق الأحمر , والشفق : بياض تخالطه حمرة , ثم تذهب الحمرة ويبقى بياض خالص ثم يغيب , فيستدل بغيبوبة البياض على مغيب الحمرة .
ويسن تعجيل صلاة المغرب في أول وقتها ; لما روى الترمذي وصححه عن سلمة ; أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب قال : وهو قول أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم .
4- وصلاة العشاء : يبدأ وقتها بانتهاء وقت المغرب ; أي : بمغيب الشفق الأحمر , ويمتد إلى طلوع الفجر الثاني , وينقسم إلى قسمين : وقت اختيار يمتد إلى ثلث الليل , ووقت اضطرار من ثلث الليل إلى طلوع الفجر الثاني .
وتأخير الصلاة إلى آخر الوقت المختار ( إلى ثلث الليل ) أفضل إن سهل , فإن شق على المأمومين ; فالمستحب تعجيلها في أول وقتها ; دفعا للمشقة . ويكره النوم قبل صلاة العشاء ; لئلا يستغرق النائم فتفوته , ويكره الحديث بعدها , وهو التحادث مع الناس ; لأن ذلك يمنعه من المبادرة بالنوم حتى يستيقظ مبكرا ; فينبغي النوم بعد صلاة العشاء مباشرة , ليقوم في آخر الليل , فيتهجد , ويصلي الفجر بنشاط ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها . وهذا إذا كان سهره بعد العشاء من غير فائدة , أما إذا كان لغرض صحيح وحاجة مفيدة ; فلا بأس .
5- وصلاة الفجر يبدأ وقتها بطلوع الفجر الثاني , ويمتد إلى طلوع الشمس , ويستحب تعجيلها إذا تحقق طلوع الفجر .
هذه مواقيت الصلوات الخمسة التي فرضها الله فيها ; فعليك بالتقيد بها ; بحيث لا تصليها قبل وقتها , ولا تؤخرها عنه ; فقد قال الله تعالى : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ أي : الذين يؤخرون الصلاة عن أوقاتها , وقال تعالى : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلَّا مَنْ تَابَ ومعنى أضاعوها : أخروها عن وقتها ; فالذي يؤخر الصلاة عن وقتها سماه الله ساهيا عنها ومضيعا لها , وتوعده بالويل والغي , وهو واد في جهنم , ومن نسيها أو نام عنها ; تجب عليه المبادرة إلى فضائها ; قال صلى الله عليه وسلم : من نسي صلاة أو نام عنها , فليصلها إذا ذكرها , لا كفارة لها إلا ذلك فتجب المبادرة لقضاء الصلاة الفائتة على الفور , ولا ينتظر إلى دخول وقت الصلاة التي تشابهها كما يظن بعض العوام , ولا يؤخرها إلى خروج وقت النهي , بل يصليها في الحال . ..
ثانيا: ستر العورة
ومن شروط الصلاة ستر العورة وهي ما يجب تغطيته , ويقبح ظهوره , ويستحيى منه , قال الله تعالى : يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ أي : عند كل صلاة , وقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يقبل الله صلاة حائض ( أي : بالغ ) ; إلا بخمار رواه أبو داود والترمذي وحسنه .
قال ابن عبد البر : " أجمعوا على فساد صلاة من ترك ثوبه وهو قادر على الاستتار به وصلى عريانا ; فلا خلاف في وجوب ستر العورة في الصلاة وبحضرة الناس " وفي الخلوة على الصحيح , قال النبي صلى الله عليه وسلم : احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قلت : فإذا كان القوم بعضهم في بعض ؟ قال : فإن استطعت أن لا يراها أحد ; فلا يرينها قال : فإذا كان أحدنا خاليا ؟ قال : الله أحق أن يستحى منه رواه أبو داود وغيره .
وقد سمى الله كشف العورة فاحشة في قوله عن الكفار : وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وكانوا يطوفون بالبيت عراة , ويزعمون أن ذلك من الدين ; فكشف العورة والنظر إليها يجر إلى شر خطير , ووسيلة إلى الوقوع في الفاحشة وهدم الأخلاق ; كما هو مشاهد في المجتمعات المتحللة التي ضاعت كرامتها وهدمت أخلاقياتها ; فانتشرت فيها الرذيلة , وعدمت فيها الفضيلة .
فستر العورة إبقاء على الفضيلة والأخلاق , ولهذا يحرص الشيطان على إغراء بني آدم بكشف عوراتهم , وقد حذرنا الله منه في قوله : يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا فكشف العورات مكيدة شيطانية قد وقع فيها كثير من المجتمعات البشرية اليوم , وربما يسمون ذلك رقيا وتفننا ; فتكونت نوادي العراة , وتفشى السفور في النساء , فعرضت أجسادها أمام الرجال ; بلا حياء ولا خجل .
أيها المسلم ! إنه يجب ستر العورة بما لا يصف بشرتها , قال تعالى : يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ فمواراة العورة باللباس الساتر أمر مطلوب وواجب , وحد عورة الرجل الذكر من السرة إلى الركبة ; لحديث علي رضي الله عنه : لا تبرز فخذك , ولا تنظر إلى فخذ حي أو ميت رواه أبو داود وابن ماجه , وفي الحديث الآخر : غط فخذك ; فإن الفخذ عورة رواه مالك وأحمد والترمذي وحسنه , ومع هذا كله ; نرى مع الأسف الشديد كثيرا من الرجال عندما يزاولون الألعاب يكشفون أفخاذهم ولا يغطون إلا العورة المغلظة , وهذه مخالفة صريحة لهذه النصوص ; فالواجب عليهم التنبه لذلك , والتقيد بأحكام دينهم , وعدم الالتفات لما يخالفها .
والمرأة كلها عورة ; لقوله صلى الله عليه وسلم : والمرأة عورة صححه الترمذي , ولحديث أم سلمة : أتصلي المرأة في درع وخمار وليست عليها إزار ؟ قال : إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها رواه أبو داود , ولأبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث عائشة : لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار قال الترمذي : والعمل عليه عند أهل العلم ; أن المرأة إذا أدركت فصلت وشيء من عورتها مكشوف ; لا تجوز صلاتها . هذه الأحاديث , مع قوله تعالى : وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ الآية , وقوله : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ وقوله تعالى : وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وقول عائشة : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم محرمات , فإذا مر بنا الرجال ; سدلت إحدانا خمارها على وجهها , فإذا جاوزونا : كشفناه هذه النصوص وما جاء بمعناها من الكتاب والسنة , وهي كثيرة شهيرة , تدل على أن المرأة كلها عورة أمام الرجال الأجانب , لا يجوز أن يظهر من بدنها شيء بحضرتهم في الصلاة وغيرها , أما إذا صلت في مكان خال من الرجال الأجانب ; فإنها تكشف وجهها في الصلاة ; فهو ليس بعورة في الصلاة , لكنه عورة عند الرجال غير المحارم ; فلا يجوز نظرهم إليه .
وإنه لمن المؤسف المحزن ما وصل إليه كثير من نساء العصر المسلمات من تهتك وتساهل في الستر , وتسابق إلى إبراز مفاتنهن , واتخاذ اللباس الذي لا يستر ; تقليدا لنساء الكفرة والمرتدين ; فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
إن الله تعالى قد أمر بقدر زائد على ستر العورة في الصلاة , وهو أخذ الزينة ; فقال تعالى : يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ فأمر بأخذ الزينة لا بستر العورة فقط , مما يدل على أن المسلم ينبغي له أن يلبس أحسن ثيابه وأجملها في الصلاة للوقوف بين يدي الله تبارك وتعالى , فيكون المصلي في هذا الموقف على أكمل هيئة ظاهرا وباطنا . ..
ثالثا: اجتناب النجاسة
ومما يشترط للصلاة اجتناب النجاسة ; بأن يبتعد عنها المصلي , ويخلو منها تماما في بدنه وثوبه وبقعته التي يقف عليها للصلاة .
والنجاسة قذر مخصوص يمنع جنسه الصلاة ; كالميتة , والدم , والخمر , والبول , والغائط : لقوله تعالى : وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ قال ابن سيرين : " اغسلها بالماء " , وقال صلى الله عليه وسلم : تنزهوا من البول ; فإن عامة عذاب القبر منه وأمر صلى الله عليه وسلم المرأة أن تغسل ثوبها إذا أصابه دم الحيض وتصلي فيه , وأمر بدلك النعلين ثم الصلاة فيهما , وأمر بصب الماء على البول الذي حصل في المسجد . .. وغير ذلك من الأدلة الدالة على اجتناب النجاسة ; فلا تصح صلاة مع وجود النجاسة في بدن المصلي أو ثوبه أو البقعة التي يصلي عليها , وكذلك إذا كان حاملا لشيء فيه نجاسة .
ومن رأى عليه نجاسة بعد الصلاة ولا يدري متى حدثت ; فصلاته صحيحة , وكذا لو كان عالما بها قبل الصلاة , لكن نسي أن يزيلها ; فصلاته صحيحة على القول الراجح .
وإن علم بالنجاسة في أثناء الصلاة وأمكنه إزالتها من غير عمل كثير ; كخلع النعل والعمامة ونحوهما ; أزالهما وبنى , وإن لم يتمكن من إزالتها ; بطلت الصلاة .
ولا تصح الصلاة في المقبرة غير صلاة الجنازة ; لقوله صلى الله عليه وسلم : الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام رواه الخمسة إلا النسـائي , وصححه الترمذي , وقال صلى الله عليه وسلم : لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها رواه الجماعة إلا البخاري , وقال عليه الصلاة والسلام : فلا تتخذوا القبور مساجد وليس العلة في النهي عن الصلاة في المقابر أو عندها خشية النجاسة , وإنما هي خشية تعظيمها واتخاذها أوثانا ; فالعلة سد الذريعة عن عبادة المقبورين , وتستثنى صلاة الجنازة ; فيجوز فعلها في المقبرة ; لفعل النبي صلى الله عليه وسلم , وذلك يخصص النهي , وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه ; لأن النهي يشمل المقبرة وفنائها الذي حولها .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في المسجد المبني على القبر : لا يصلى فيه فرض ولا نفل , فإن كان المسجد قبل القبر ; غير : إما بتسوية القبر , أو نبشه إن كان جديدا , وإن كان القبر قبل المسجد ; فإما أن يزال المسجد , وإما أن تزال صورة القبر .
ولا تصح الصلاة في المسجد الذي قبلته إلى قبر ; لقوله صلى الله عليه وسلم : لا تصلوا إلى القبور ولا تصح الصلاة في الحشوش , وهي المراحيض المعدة لقضاء الحاجة ; فيمنع من الصلاة في داخل الحش ; لكونه معدا للنجاسة , ولأن الشارع منع من ذكر الله فيه ; فالصلاة أولى بالمنع , ولأن الحشوش تحضرها الشياطين .
ولا تصح الصلاة في الحمام , وهو المحل المعد للاغتسال ; لأنه محل كشف العورات , ومأوى الشياطين , والمنع يشمل كل ما يغلق عليه باب الحمام ; فلا تجوز الصلاة فيه .
ولا تصح الصلاة في أعطان الإبل , وهي المواطن التي تقيم فيها وتأوي إليها . قال الشيخ تقي الدين : " نهي عن الصلاة في أعطانها ; لأنها مأوى الشياطين , وكما نهي عن الصلاة في الحمام ; لأنه مأوى الشياطين ; فإن مأوى الأرواح الخبيثة أحق بأن تجتنب الصلاة فيه " .
وتكره الصلاة في مكان فيه تصاوير قال الإمام ابن القيم : " وهو أحق بالكراهة من الصلاة في الحمام ; لأن كراهة الصلاة في الحمام : إما لكونه مظنة النجاسة , وإما لكونه بيت الشيطان , وهو الصحيح , وأما محل الصور ; فمظنـة الشرك , وغالب شرك الأمم كان من جهـة الصور والقبور " ا هـ .
أيها المسلم ! عليك بالعناية بصلاتك ; فتطهر من النجاسة قبل دخولك فيها , وتجنب المواضع المنهي عن الصلاة فيها ; لتكون صلاتك صحيحة على وفق ما شرعه الله , ولا تتهاون بشيء من أحكامها أو تتساهل فيه ; فإن صلاتك عمود دينك , متى استقامت ; استقام الدين , ومتى اختلت ; اختل الدين . .. وفقنا الله جميعا لما فيه الخير والاستقامة .
رابعا: استقبال القبلة
ومن شروط الصلاة استقبال القبلة وهي الكعبة المشرفة , سميت قبلة لإقبال الناس عليها , ولأن المصلي يقابلها , قال تعالى : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ فإن قرب من الكعبة , وكان يراها ; وجب عليه استقبال نفس الكعبة بجميع بدنه ; لأنه قادر على التوجه إلى عينها قطعا , فلم يجز له العدول عنها , ومن كان قريبا منها , لكن لا يراها ; لوجود حائل بينه وبينها ; اجتهد في إصابتها , والتوجه إليها ما أمكنه , ومن كان بعيدا عن الكعبة في أي وجهة من جهات الأرض ; فإنه يستقبل في صلاته الجهة التي فيها الكعبة , ولا يضر التيامن ولا التياسر اليسيران , لحديث : ما بين المشرق والمغرب قبلة صححه الترمذي , وروي عن غير واحد من الصحابة , وهذا بالنسبة لأهل المدينة وما وافق قبلتها مما سامتها , ولسائر البلدان مثل ذلك ; فالذي في المشرق مثلا تكون قبلته بين الجنوب والشمال والذي في المغرب كذلك .
فلا تصح الصلاة بدون استقبال القبلة , لقوله تعالى : وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ أي : في بر أو جو أو بحر أو مشرق أو مغرب ; إلا العاجز عن استقبال الكعبة : كالمربوط أو المصلوب لغير القبلة إذا كان موثقا لا يقدر عليه ; فإنه يصلي حسب استطاعته , ولو لم يستقبل القبلة ; لأن هذا الشرط يسقط عنه للعجز بإجماع أهل العلم , وكذا في حال اشتداد الحرب , والهارب من سيل أو نار أو سبع أو عدو , والمريض الذي لا يستطيع استقبال القبلة ; فكل هؤلاء يصلون على حسب حالهم , ولو إلى غير القبلة , وتصح صلاتهم ; لأنه شرط عجز عنه ; فسقط , قال تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وقال النبي صلى الله عليه وسلم : وإذا أمرتكم بأمر ; فأتوا منه ما استطعتم وورد في الحديث المتفق عليه ; أنهم عند اشتداد الخوف يصلون مستقبلي القبلة وغير مستقبليها .
ويستدل على القبلة بأشياء كثيرة ; منها : الإخبار , فإذا أخبره بالقبلة مكلف ثقة عدل ; عمل بخبره , إذا كان المخبر متيقنا القبلة , وكذا إذا وجد محاريب إسلامية ; عمل بها , واستدل بها على القبلة ; لأن دوام التوجه إلى جهة تلك المحاريب يدل على صحة اتجاهها , وكذلك يستدل على القبلة بالنجوم , قال الله تعالى : وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
خامسا: النية
ومن شروط الصلاة النية وهي لغة : القصد , وشرعا : العزم على فعل العبادة تقربا إلى الله تعالى . ومحلها القلب ; فلا يحتاج إلى التلفظ بها , بل هو بدعة , لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ; فينوي بقلبه الصلاة التي يريدها , كالظهر والعصر ; لحديث : إنما الأعمال بالنيات وينوي مع تكبيرة الإحرام , لتكون النية مقارنة للعبادة , وإن تقدمت بزمن يسير في الوقت ; فلا بأس .
ويشترط أن تستمر النية في جميع الصلاة , فإن قطعها في أثناء الصلاة ; بطلت الصلاة . ويجوز لمن أحرم في صلاة فريضة وهو مأموم أو منفرد أن يقلب صلاته نافلة إذا كان ذلك لغرض صحيح ; مثل أن يحرم منفردا , فيريد الصلاة مع الجماعة .
واعلم أن بعض الناس قد أحدثوا في النية بدعة وتشددا ما أنزل الله بهما من سلطان , وذلك بأن يقول أحدهم : نويت أن أصلي فرض كذا عدد كذا من الركعات أداء لله خلف هذا الإمام . .. ونحو ذلك من الألفاظ , وهذا شيء لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلم ينقل عنه أنه تلفظ بالنية لا سرا ولا جهرا , ولا أمر بذلك .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " اتفق الأئمة أنه لا يشرع الجهر بها ولا تكريرها , بل من اعتاده ينبغي تأديبه , والجاهر بها مستحق للتعزير بعد تعريفه , لا سيما إذا آذى به أو كرره . .. " إلى أن قال : " وبعض المتأخرين خرج وجها من مذهب الشافعي في ذلك , وغلطه جماهير أصحاب الشافعي , قال الشافعي : إن الصلاة لا بد من النطق في أولها , فظن الغالط أنه أراد النطق بالنية , وإنما أراد التكبير " ا هـ كلام الشيخ .
والتلفظ بالنية كما أنه بدعة , فقد يدخل في الرياء أيضا ; لأن المطلوب إخلاص العمل لله وإخفاؤه ; إلا ما ورد دليل بإظهاره ; فالذي ينبغي للمسلم أن يكون وقافا عند حدود الشريعة , عاملا بالسنن , تاركا للبدع , مهما كان نوعها , وممن كان مصدرها . .. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه , والله تعالى يقول : قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فالله أعلم بنيات القلوب ومقاصدها ; فلا حاجة إلى التلفظ بها في الصلاة وفي جميع العبادات , والله تعالى أعلم .
باب في آداب المشي إلى الصلاة
أيها المسلم ! إنك بحاجة ماسة إلى معرفة الآداب المشروعة التي تسبق الصلاة ; استعدادا لها ; لأن الصلاة عبادة عظيمة ينبغي أن يسبقها استعداد وتهيؤ مناسب ; ليدخل المسلم في هذه العبادة على أحسن الهيئات : فإذا مشيت إلى المسجد لتؤدي الصلاة مع جماعة المسلمين ; فليكن ذلك بسكينة ووقار , والسكينة : هي الطمأنينة والتأني في المشي , والوقار : الرزانة والحلم وغض البصر وخفض الصوت وقلة الالتفات .
وقد ورد في " الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه وسلم ; قال : إذا أتيتم الصلاة ( وفي لفظ : إذا سمعتم الإقامة ) ; فامشوا وعليكم السكينة , فما أدركتم ; فصلوا , وما فاتكم ; فأتموا وروى الإمام مسلم ; قال : إن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة ; فهو في صلاة وليكن خروجك أيها المسلم إلى المسجد مبكرا ; لتدرك تكبيرة الإحرام , وتحضر الصلاة مع الجماعة من أولها , وقارب بين خطاك في مشيك إلى الصلاة ; لتكثر حسناتك ; ففي " الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه وسلم , أنه قال : إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء , ثم خرج إلى المسجد , لم يخط خطوة ; إلا رفعت له بها درجة , وحطت عنه بها خطيئة فإذا وصلت باب المسجد ; فقدم رجلك اليمنى عند الدخول , وقل : بسم الله , أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم , اللهم صل على محمد , اللهم اغفر لي ذنوبي , وافتح لي أبواب رحمتك . وإذا أردت الخروج ; قدم رجلك اليسرى , وقل الدعاء الذي قلته عند الدخول , وتقول بدل : " وافتح لي أبواب رحمتك " : " وافتح لي أبواب فضلك " , وذلك لأن المسجد محل الرحلة , وخارج المسجد محل الرزق , وهو فضل من الله . فإذا دخلت المسجد ; فلا تجلس حتى تصلي ركعتين تحية المسجد ; لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا دخل المسجد , فلا يجلس حتى يصلي ركعتين
ثم تجلس تنتظر الصلاة , ولتكن حال جلوسك في المسجد لانتظار الصلاة مشتغلا بذكر الله وتلاوة القرآن , وتجنب العبث ; كتشبيك الأصابع وغيره ; فقد ورد النهي عنه في حق منتظر الصلاة , قال صلى الله عليه وسلم : إذا كان أحدكم في المسجد ; فلا يشبكن ; فإن التشبيك من الشيطان أما من كان في المسجد لغير انتظار الصلاة ; فلا يمنع من تشبيك الأصابع , فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم شبك أصابعه في المسجد بعد ما سلم من الصلاة .
وفي حال انتظارك الصلاة في المسجد ; لا تخض في أحاديث الدنيا ; لأنه ورد في الحديث أن ذلك يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب , وقد ورد في الحديث الأخر أن العبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة , والملائكة تستغفر له ; فلا تفرط أيها المسلم في هذا الثواب وتضيعه بالعبث والاشتغال بالقيل والقال .
وإذا أقيمت الصلاة ; فقم إليها عند قول المؤذن . : " قد قامت الصلاة " , لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك , وإن قمت عند بدء الإقامة ; فلا بأس بذلك , هذا إذا كان المأموم يرى الإمام , فإن كان لا يراه حال الإقامة ; فالأفضل أن لا يقوم حتى يراه .
أيها المسلم ! احرص أن تكون في الصف الأول ; فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول , ثم لا يجدون إلا أن يستهموا عليه ; لاستهموا متفق عليه , وقال صلى الله عليه وسلم : خير صفوف الرجال أولها واحرص على -88- القرب من الإمام ; فقد قال صلى الله عليه وسلم : ليلني منكم أولو الأحلام والنهى هذا بالنسبة للرجل , وأما بالنسبة للمرأة , فالصف الأخير من صفوف النساء أفضل لها ; لقوله صلى الله عليه وسلم : وخير صفوف النساء آخرها لأن ذلك أبعد لها عن رؤية الرجال .
ويتأكد في حق الإمام والمصلين الاهتمام بتسوية الصفوف , قال صلى الله عليه وسلم : سووا صفوفكم ; فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة متفق عليه , وفي الحديث الآخر : لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم وتسوية الصفوف هي تعديلها بمحاذاة المناكب والأكعب .
ويتأكد في حق المصلين سد الفرج والتراص في الصفوف ; لقوله صلى الله عليه وسلم : سووا صفوفكم وتراصوا رواه البخاري , ومعناه : لاصقوا الصفوف حتى لا يكون بينكم فرج , فالمراصة : التصاق بعض المأمومين ببعض ; ليتصل ما بينهم , وينسد الخلل ; فلا تبقى فرجات للشيطان .
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يهتم بتسوية الصفوف بتراص المأمومين فيها اهتماما بالغا , مما يدل على أهمية ذلك وفائدته , وليس معنى رص الصفوف ما يفعله بعض الجهال اليوم من فحج رجليه حتى يضايق من بجانبه ; لأن هذا العمل يوجد فرجا في الصفوف , ويؤذي المصلين , ولا أصل له في الشرع ; فينبغي للمسلمين الاهتمام بذلك , والحرص عليه , اقتداء بنبيهم , وإتماما لصلاتهم , وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه .
باب
في أركان الصلاة وواجباتها وسننها
أيها المسلم ! إن الصلاة عبادة عظيمة , تشتمل على أقوال وأفعال مشروعة تتكون منها صفتها الكاملة ; فهي كما يعرفها العلماء : أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم .
وهذه الأقوال والأفعال ثلاثة أقسام : أركان , وواجبات , وسنن .
فالأركان : إذا ترك منها شيء , بطلت الصلاة , سواء كان تركه عمدا أو سهوا , أو بطلت الركعة التي تركه منها , وقامت التي تليها مقامها , كما يأتي بيانه .
والواجبات : إذا ترك منها شيء عمدا ; بطلت الصلاة , وإن كان تركه سهوا ; لم تبطل , ويجبره سجود السهو .
والسنن لا تبطل الصلاة بترك شيء منها لا عمدا ولا سهوا , لكن تنقص هيئة الصلاة بذلك . والنبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة كاملة بجميع أركانها وواجباتها وسننها , وقال : صلوا كما رأيتموني أصلي . ..
فأركان الصلاة أربعة عشر : وهي كما يلي :
الركن الأول : القيـام في صلاة الفريضة : قال تعالى : وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ وفي حديث عمران مرفوعا : صل قائما , فإن لم تستطع , فقاعدا , فإن لم تستطع ; فعلى جنب فدلت الآية والحديث على وجوب القيام في الصلاة المفروضة مع القدرة عليه . فإن لم يقدر على القيام لمرض ; صلى على حسب حاله قاعدا أو على جنب , ومثل المريض الخائف والعريان , ومن يحتاج للجلوس أو الاضطجاع لمداواة تتطلب عدم القيام , وكذلك من كان لا يستطيع القيام لقصر سقف فوقه , ولا يستطيع الخروج , ويعذر أيضا بترك القيام من يصلي خلف الإمام الراتب الذي يعجز عن القيام , فإذا صلى قاعدا ; فإن من خلفه يصلون قعودا ; تبعا لإمامهم ; لأنه صلى الله عليه وسلم لما مرض ; صلى قاعدا , وأمر من خلفه بالقعود .
وصلاة النافلة يجوز أن تصلى قياما وقعودا ; فلا يجب القيام فيها ; لثبوت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليها أحيانا جالسا من غير عذر .
الركن الثاني : تكبيرة الإحرام في أولها : لقوله صلى الله عليه وسلم : ثم استقبل القبلة وكبر وقوله صلى الله عليه وسلم : تحريمها التكبير ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه افتتح الصلاة بغير التكبير , وصيغتها أن يقول : الله أكبر , لا يجزيه غيرها ; لأن هذا هو الوارد عن الرسول صلى الله عليه وسلم .
الركن الثالث : قراءة الفاتحة : لحديث : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب
وقراءتها ركن في كل ركعة , وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرؤها في كل ركعة , وحينما علم صلى الله عليه وسلم المسيء في صلاته كيف يصلي ; أمره بقراءة الفاتحة .
وهل هي واجبة في حق كل مصل , أو يختص وجوبها بالإمام والمنفرد ؟ فيه خلاف بين العلماء , والأحوط أن المأموم يحرص على قراءتها في الصلوات التي لا يجهر فيها الإمام , وفي سكتات الإمام في الصلاة الجهرية .
الركن الرابع : الركوع في كل ركعة : لقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وقد ثبت الركوع في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ; فهو واجب بالكتاب والسنة والإجماع . وهو في اللغة الانحناء , والركوع المجزئ من القائم هو أن ينحني حتى تبلغ كفاه ركبتيه إذا كان وسط الخلقة ; أي : غير طويل اليدين أو قصيرهما , وقدر ذلك من غير وسط الخلقة , والمجزئ من الركوع في حق الجالس مقابلة وجهه ما وراء ركبتيه من الأرض .
الركن الخامس والسادس : الرفع من الركوع والاعتدال واقفا كحاله قبله : لأنه صلى الله عليه وسلم داوم على فعله , وقال : صلوا كما رأيتموني أصلي
الركن السابع : السجود : وهو وضع الجبهة على الأرض , ويكون على الأعضاء السبعة , في كل ركعة مرتين ; لقوله تعالى : وَاسْجُدُوا وللأحاديث الواردة من أمر النبي صلى الله عليه وسلم به , وفعله له , وقوله : صلوا كما رأيتموني أصلي فالأعضاء السبعة هي : الجبهة , والأنف , واليدان , والركبتان , وأطراف القدمين ; فلا بد أن يباشر كل واحد من هذه الأعضاء موضع السجود وحسب الإمكان , والسجود أعظم أركان الصلاة , وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ; فأفضل الأحوال حال يكون العبد فيها أقرب إلى الله , وهو السجود .
الركن الثامن : الرفع من السجود والجلوس بين السجدتين : لقول عائشة رضي الله عنها : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من السجود ; لم يسجد حتى يستوي قاعدا رواه مسلم .
الركن التاسع : الطمأنينة في كل الأفعال المذكورة : وهي السكون , وإن قل , وقد دل الكتاب والسنة على أن من لا يطمئن في صلاته ; لا يكون مصليا , ويؤمر بإعادتها .
الركن العاشر والحادي عشر : التشهد الأخير وجلسته : وهو أن يقول : ( التحيات . .. " إلخ " اللهم صل على محمد " ; فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم لازمه , وقال : صلوا كما رأيتموني أصلي وقال ابن مسعود رضي الله عنه : كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد ; فقوله : قبل أن يفرض : دليل على فرضه .
الركن الثاني عشر : الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير : بأن يقول : " اللهم صل على محمد ... " وما زاد على ذلك ; فهو سنة .
الركن الثالث عشر : الترتيب بين الأركان : لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليها مرتبة , وقال : صلوا كما رأيتموني أصلي وقد علمها للمسيء مرتبة ب ( ثم ) .
الركن الرابع عشر : التسليم : لقوله صلى الله عليه وسلم : وختامها التسليم وقوله صلى الله عليه وسلم : وتحليلها التسليم فالتسليم وشرع للتحلل من الصلاة ; فهو ختامها وعلامة انتهائها .
أيها القارئ الكريم ! من ترك ركنا من هذه الأركان : فإن كان التحريمة ; لم تنعقد صلاته , وإن كان غير التحريمة , وقد تركه عمدا ; بطلت صلاته أيضا , وإن كان تركه سهوا - كركوع أو سجود - , فإن ذكره قبل شروعه في قراءة ركعة أخرى ; فإنه يعود ليأتي به وبما بعده من الركعة التي تركه فيها , وإن ذكره بعد شروعه في قراءة الركعة الأخرى ; ألغيت الركعة التي تركه منها وقامت الركعة التي شرع في قراءتها مقامها , ويسجد للسهو , وإن علم الركن المتروك بعد السلام , فإن كان تشهدا أخيرا أو سلاما ; أتى به , وسجد للسهو وسلم , وإن كان غيرهما - كركوع أو سجود - ; فإنه يأتي بركعة كاملة بدل الركعة التي تركه منها , ويسجد للسهو , ما لم يطل الفصل , فمان طال الفصل , أو انتقض وضوؤه ; أعاد الصلاة كاملة . فما أعظم هذه الصلاة وما تشمل من الأقوال والأفعال الجليلة ! وفق الله الجميع لإقامتها والمحافظة عليها .
واجبات الصلاة ثمانية
الأول : جميع التكبيرات التي في الصلاة غير تكبيرة الإحرام واجبة ; فجميع تكبيرات الانتقال من قبيل الواجب لا من قبيل الركن .
الثاني : التسميع ; أي قول : " سمع الله لمن حمده " , وإنما يكون واجبا في حق الإمام والمنفرد , فأما المأموم ; فلا يقوله .
الثالث : التحميد ; أي قول : " ربنا ولك الحمد " , للإمام والمأموم والمنفرد ; لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا قال الإمام : سمع الله لمن حمده ; فقولوا : ربنا ولك الحمد
الرابع : قول : " سبحان ربي العظيم " , في الركوع , مرة واحدة , ويسن الزيادة إلى ثلاث هي أوفى الكمال , وإلى عشر وهي أعلاه .
الخامس : قوله : " سبحان ربي الأعلى " , في السجود , مرة واحدة , وتسن الزيادة إلى ثلاث .
السادس : قول : " رب اغفر لي " , بين السجدتين , مرة واحدة , وتسن الزيادة إلى ثلاث .
السابع : التشهد الأول , وهو أن يقول : " التحيات لله والصلوات والطيبات , السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته , السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين , أشهد أن لا إله إلا الله , وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " , أو نحو ذلك مما ورد .
الثامن : الجلوس للتشهد الأول ; لفعله صلى الله عليه وسلم ذلك , ومداومته عليه , مع قوله صلى الله عليه وسلم : صلوا كما رأيتموني أصلي
ومن ترك واجبا من هذه الواجبات القولية والفعلية الثمانية متعمدا ; بطلت صلاته ; لأنه متلاعب فيها , ومن تركه سهوا أو جهلا ; فإنه يسجد للسهو ; لأنه ترك واجبا يحرم تركه , فيجبره بسجود السهو .
سنن الصلاة
والقسم الثالث من أفعال وأقوال الصلاة غير ما ذكر في القسمين الأولين : سنة , لا تبطل الصلاة بتركه .
وسنن الصلاة نوعان :
النوع الأول : سنن الأقوال , وهي كثيرة ; منها : الاستفتاح , والتعوذ , والبسملة , والتأمين , والقراءة بعد الفاتحة بما تيسر من القرآن في صلاة الفجر وصلاة الجمعة والعيد وصلاة الكسوف والركعتين الأوليين من المغرب والعشاء والظهر والعصر .
ومن سنن الأقوال قول : " ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد " ; بعد قوله : " ربنا ولك الحمد " , وما زاد على المرة الواحدة في تسبيح ركوع وسجود , والزيادة على المرة في قول : " رب اغفر لي " ; بين السجدتين , وقوله : " اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم , ومن عذاب القبر , ومن فتنة المحيا والممات , ومن فتنة المسيح الدجال " , وما زاد على ذلك من الدعاء في التشهد الأخير .
والنوع الثاني : سنن الأفعال ; كرفع اليدين عند تكبيرة الإحرام , وعند الهوي إلى الركوع , وعند الرفع منه , ووضع اليد اليمنى على اليسرى , ووضعهما على صدره أو تحت سرته في حال القيام , والنظر إلى موضع سجوده , ووضع اليدين على الركبتين في الركوع , ومجافاة بطنه عن فخذيه وفخذيه عن ساقيه في السجود , ومد ظهره في الركوع معتدلا , وجعل رأسه حياله ; فلا يخفضه ولا يرفعه , وتمكين جبهته وأنفه وبقية الأعضاء من موضع السجود , وغير ذلك من سنن الأقوال والأفعال مما هو مفصل في كتب الفقه .
وهذه السنن لا يلزم الإتيان بها في الصلاة , بل من فعلها أو شيئا منها ; فله زيادة أجر , ومن تركها أو بعضها ; فلا حرج عليه ; شأن سائر السنن .
ومن هنا لا نرى مبررا لما يفعله بعض الشباب اليوم من التشدد في أمر السنن في الصلاة , حتى ربما أدى بهم هذا إلى التزيد في تطبيقها بصورة غريبة ; كأن يحني أحدهم رأسه في القيام إلى قريب من الركوع , ويجمع يديه على ثغرة نحره بدلا من وضعهما على صدره أو تحت سرته ; كما وردت به السنة , وتشددهم في شأن السترة , حتى إن بعضهم يترك القيام في الصف لأداء النافلة , ويذهب إلى مكان آخر , يبحث فيه عن سترة , وكذا مد أحدهم رأسه إلى أمام ورجليه إلى خلف في السجود , حتى يصبح كالقوس أو قريبا من المنبطح , وكذا فحج أحدهم رجليه في حال القيام حتى يضيق على من بجانبه , وهذه صفات غريبة , ربما تؤدي بهم إلى الغلو الممقوت . ونسأل الله لنا ولهم التوفيق للحق والعمل به .
باب
في صفة الصلاة
بعد أن بينا أركان الصلاة وواجباتها وسننها القولية والفعلية نريد أن نذكر صفة الصلاة المشتملة على تلك الأركان والواجبات والسنن حسبما وردت به النصوص من صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم , لتكون قدوة للمسلم ; عملا بقوله صلى الله عليه وسلم : صلوا كما رأيتموني أصلي وإليك سياق ذلك :
- كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة ; استقبل القبلة , ورفع يديه , واستقبل ببطون أصابعها القبلة , وقال : " الله أكبر " .
- ثم يمسك شماله بيمينه , ويضعهما على صدره .
- ثم يستفتح , ولم يكن صلى الله عليه وسلم يداوم على استفتاح واحد ; فكل الاستفتاحات الثابتة عنه يجوز الاستفتاح بها , ومنها ; " سبحانك اللهم وبحمدك , وتبارك اسمك , وتعالى جدك , ولا إله غيرك " .
- ثم يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم , بسم الله الرحمن الرحيم .
- ثم يقرأ فاتحة الكتاب , فإذا ختمها ; قال : " آمين " .
- ثم يقرأ بعد ذلك سورة طويلة تارة وقصيرة تارة ومتوسطة تارة , وكان يطيل قراءة الفجر أكثر من سائر الصلوات , وكان يجهر بالقراءة في الفجر والأوليين من المغرب والعشاء ويسر القراءة فيما سوى ذلك , وكان صلى الله عليه وسلم يطيل الركعة الأولى من كل صلاة على الثانية .
- ثم يرفع يديه كما رفعهما في الاستفتاح , ثم يقول : " الله أكبر " , ويخر راكعا , ويضع يديه على ركبتيه مفرجتي الأصابع , ويمكنهما , ويمد ظهره , ويجعل رأسه حياله , لا يرفعه ولا يخفضه , ويقول : " سبحان ربي العظيم " .
- ثم يرفع رأسه قائلا : " سمع الله لمن حمده " , ويرفع يديه كما يرفعهما عند الركوع .
- فإذا اعتدل قائما ; قال : " ربنا لك الحمد " , وكان يطيل هذا الاعتدال .
- ثم يكبر , ويخر ساجدا , ولا يرفع يديه , فيسجد على جبهته وأنفه ويديه وركبتيه وأطراف قدميه , ويستقبل بأصابع يديه ورجليه القبلة , ويعتدل في سجوده , ويمكن جبهته وأنفه من الأرض , ويعتمد على كفيه , ويرفع مرفقيه , ويجافي عضديه عن جنبيه , ويرفع بطنه عن فخذيه , وفخذيه عن ساقيه , وكان يقول في سجوده : " سبحان ربي الأعلى " .
- ثم يرفع رأسه قائلا : " الله أكبر " , ثم يفرش رجله اليسرى , ويجلسه عليها , وينصب اليمنى , ويضع يديه على فخذيه , ثم يقول : " اللهم اغفر لي , وارحمني , واجبرني , واهدني , وارزقني " .
- ثم يكبر ويسجد , ويصنع في الثانية مثل ما صنع في الأولى .
- ثم يرفع رأسه مكبرا , وينهض على صدور قدميه , معتمدا على ركبتيه وفخذيه .
- فإذا استتم قائما ; أخذ في القراءة , ويصلي الركعة الثانية كالأولى .
- ثم يجلس للتشهد الأول مفترشا كما يجلس بين السجدتين , ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى , ويده اليسرى على فخذه اليسرى , ويضع إبهام يده اليمنى على أصبعه الوسطى كهيئة الحلقة , ويشير بأصبعه السبابة , وينظر إليها , ويقول : " التحيات لله , والصلوات , والطيبات , السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته , السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين , أشهد أن لا إنه إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " , وكان صلى الله عليه وسلم يحفف هذه الجلسة .
- ثم ينهض مكبرا , فيصلي الثالثة والرابعة , ويخففهما عن الأوليين , ويقرأ فيهما بفاتحة الكتاب .
- ثم يجلس في تشهده الأخير متوركا ; يفرش رجله اليسرى , بأن يجعل ظهرها على الأرض , وينصب رجله اليمنى , ويخرجهما عن يمينه , ويجعل أليتيه على الأرض .
- ثم يتشهد التشهد الأخير , وهو التشهد الأول , ويزيد عليه : " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد , كما صليت على آل إبراهيم ; إنك حميد مجيد , وباك على محمد وعلى آل محمد , كما باركت على آل إبراهيم ; إنك حميد مجيد " .
- ويستعيذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال , ويدعو بما ورد من الأدعية في الكتاب والسنة .
- ثم يسلم عن يمينه , فيقول : " السلام عليكم ورحمة الله " , وعن يساره كذلك , يبتدئ السلام متوجها إلى القبلة , وينهيه مع تمام الالتفات .
- فماذا سلم , قال : " استغفر الله ( ثلاثا ) , اللهم إنك أنت السلام , ومنك السلام , تباركت يا ذا الجلال والإكرام " , ثم يذكر الله بما ورد .
أيها المسلم ! هذه جملة مختصرة في صفة الصلاة حسبما ورد في النصوص ; فعليك أن تهتم بصلاتك غاية الاهتمام , وأن تكون صلاتك متفقة حسب الإمكان مع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ! , فقد قال الله تعالى : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ونسأل الله للجميع التوفيق والقبول .
باب
في بيان ما يكره في الصلاة
يكره في الصلاة الالتفات بوجهه وصدره ; لقول النبي صلى الله عليه وسلم : وهو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد رواه البخاري ; إلا أن يكون ذلك لحاجة ; فلا بأس به ; كما في حالة الخوف , أو كان لغرض صحيح . فإن استدار بجميع بدنه , أو استدبر الكعبة في غير حالة الخوف ; بطلت صلاته ; لتركه الاستقبال بلا عذر .
فتبين بهذا أن الالتفات في الصلاة في حالة الخوف لا بأس به ; لأن ذلك من ضروريات القتال , وإن كان في غير حالة الخوف , فإن كان بالوجه والصدر فقط دون بقية البدن , فإن كان لحاجة ; فلا بأس , وإن كان لغير حاجة ; فهو مكروه , وإن كان بجميع البدن ; بطلت صلاته .
ويكره في الصلاة رفع بصره إلى السماء , فقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من يفعل ذلك ; فقال : ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم ؟ ! واشتد قوله في ذلك , حتى قال : لينتهن أو لتخطفن أبصارهم رواه البخاري .
وقد سبق أنه ينبغي أن يكون نظر المصلي إلى موضع سجوده ; فلا ينبغي له أن يسرح بصره فيما أمامه من الجدران والنقوش والكتابات ونحو ذلك ; لأن ذلك يشغله عن صلاته .
ويكره في الصلاة تغميض عينيه لغير حاجة ; لأن ذلك من فعل اليهود , لأن كان التغميض لحاجة , كأن يكون أمامه ما يشوش عليه صلاته ; كالزخارف والتزويق ; فلا يكره إغماض عينيه عنه , هذا معنى ما ذكره ابن القيم رحمه الله .
ويكره في الصلاة إقعاؤه في الجلوس , وهو أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه ; لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا رفعت رأسك من السجود ; فلا تقع كما يقعي الكلب رواه ابن ماجه , وما جاء بمعناه من الأحاديث .
ويكره في الصلاة أن يستند إلى جدار ونحوه حال القيام ; إلا من حاجة ; لأنه يزيل مشقة القيام , فإن فعله لحاجة - كمرض ونحوه - ; فلا بأس .
ويكره في الصلاة افتراش ذراعيه حال السجود ; بأن يمدهما على الأرض مع إلصاقهما بها , قال صلى الله عليه وسلم : اعتدلوا في السجود , ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب متفق عليه , وفي حديث آخر : ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب
ويكره في الصلاة العبث - وهو اللعب - وعمل ما لا فائدة فيه بيد أو رجل أو لحية أو ثوب أو غير ذلك , ومنه مسح الأرض من غير حاجة .
ويكره في الصلاة التخصر , وهو وضع اليد على الخاصرة , وهي الشاكلة ما فوق رأس الورك من المستدق , وذلك لأن التخصر فعل الكفار والمتكبرين , وقد نهينا عن التشبه بهم , وقد ثبت في الحديث المتفق عليه النهي عن أن يصلي الرجل متخصرا .
ويكره في الصلاة فرقعة أصابعه وتشبيكها .
ويكره أن يصلي وبين يديه ما يشغله ويلهيه ; لأن ذلك يشغله عن إكمال صلاته .
وتكره الصلاة في مكان فيه تصاوير ; لما فيه من التشبه بعبادة الأصنام , سواء كانت الصورة منصوبة أو غير منصوبة على الصحيح .
ويكره أن يدخل في الصلاة وهو مشوش الفكر بسبب وجود شيء يضايقه ; كاحتباس بول , أو غائط , أو ريح , أو حالة برد أو حر شديدين , أو جوع أو عطش مفرطين ; لأن ذلك يمنع الخشوع.
وكذا يكره دخوله في الصلاة بعد حضور طعام يشتهيه ; لقوله عليه الصلاة والسلام : لا صلاة بحضرة طعام , ولا هو يدافعه الأخبثان رواه مسلم . وذلك كله رعاية لحق الله تعالى ليدخل العبد في العبادة بقلب حاضر مقبل على ربه .
ويكره للمصلي أن يخص جبهته بما يسجد عليه ; لأن ذلك من شعار الرافضة ; ففي ذلك الفعل تشبه بهم .
ويكره في الصلاة مسح جبهته وأنفه مما علق بهما من أثر السجود , ولا بأس بمسح ذلك بعد الفراغ من الصلاة .
ويكره في الصلاة العبث بمس لحيته وكف ثوب وتنظيف أنفه ونحو ذلك ; لأن ذلك يشغله عن صلاته .
والمطلوب من المسلم أن يتجه إلى صلاته بكليته , ولا يتشاغل عنها بها ليس منها , يقول الله سبحانه : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فالمطلوب إقامة الصلاة بحضور القلب والخشوع , والإتيان بما يشرع لهما , وترك ما ينافيهما أو ينقصهما من الأقوال والأفعال ; لتكون صلاة صحيحة مبرئة لذمة فاعلها , ولتكون صلاة في صورتها وحقيقتها , لا في صورتها فقط وفق الله الجميع لها فيه الخير والسعادة في الدنيا والآخرة .
باب في بيان ما يستحب أو يباح فعله في الصلاة
يسن للمصلي رد المار من أمامه قريبا منه ; لقول النبي صلى الله عليه وسلم : إذا كان أحدكم يصلي , فلا يدعن أحدا يمر بين يديه , فإن أبى , فليقاتله ; فإن معه القرين رواه مسلم .
لكن إذا كان أمام المصلي سترة ( أي : شيء مرتفع من جدار أو نحوه ) ; فلا بأس أن يمر من ورائها , وكذا إذا احتاج إلى المرور لضيق المكان ; فيمر , ولا يرده المصلي , وكذا إذا كان يصلي في الحرم ; فلا يمنع المرور بين يديه ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة والناس يمرون بين يديه وليس دونهم سترة , رواه الخمسة .
واتخاذ السترة سنة في حق المنفرد والإمام ; لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا صلى أحدكم , فليصل إلى سترة , وليدن منها رواه أبو داود وابن ماجه من حديث أبي سعيد , وأما المأموم ; فسترته سترة إمامه . وليس اتخاذ السترة بواجب , لحديث ابن عباس ; أنه صلى الله عليه وسلم صلى في فضاء ليس بين يديه شيء رواه أحمد وأبو داود . وينبغي أن تكون السترة قائمة كمؤخرة الرحل ; أي : قدر ذراع , سواء كانت دقيقـة أو عريضة . والحكمة في اتخاذها ; لتمنع المار بين يديه , ولتمنع المصلي من الانشغال بما وراءها . وإن كان في صحراء ; صلى إلى شيء شاخص من شجر أو حجر أو عصا , فإن لم يمكن غرز العصا في الأرض ; وضعه بين يديه عرضا .
وإذا التبست القراءة على الإمام ; فللمأموم أن يسمعه القراءة الصحيحة .
ويباح للمصلي لبس الثوب ونحوه , وحمل شيء ووضعه , وفتح الباب , وله قتل حية وعقرب ; لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأسودين في الصلاة , الحية والعقرب رواه أبو داود والترمذي وصححه , لكن , لا ينبغي له أن يكثر من الأفعال المباحة في الصلاة إلا لضرورة , فإن أكثر منها من غير ضرورة , وكانت متوالية ; أبطلت الصلاة , لأن ذلك مما ينافي الصلاة ويشغل عنها .
وإذا عرض للمصلي أمر ; كاستئذان عليه , أو سهو إمامه , أو خاف على إنسان الوقوع في هلكة , فله التنبيه على ذلك ; بأن يسبح الرجل وتصفق المرأة , لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا نابكم شيء في صلاتكم ; فلتسبح الرجال , ولتصفق النساء متفق عليه . ولا يكره السلام على المصلي إذا كان يعرف كيف يرد , وللمصلي حينئذ رد السلام في حال الصلاة بالإشارة لا باللفظ ; فلا يقول : وعليكم السلام , فإن رده باللفظ ; بطلت به صلاته ; لأنه خطاب آدمي , وله تأخير الرد إلى ما بعد السلام . ويجوز للمصلي أن يقرأ عدة سور في ركعة واحدة ; لما في " الصحيح " : أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعة من قيامه بالبقرة وآل عمران والنساء ويجوز له أن يكرر قراءة السورة في ركعتين , وأن يقسم السورة الواحدة بين ركعتين , ويجوز له قراءة أواخر السور وأوسطها ; لما روى أحمد ومسلم عن ابن عباس ; أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الأولى من ركعتي الفجر قوله تعالى : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا الآية , وفي الثانية الآية في آل عمران : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الآية , ولعموم قوله تعالى : فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ لكن لا ينبغي الإكثار من ذلك , بل يفعل أحيانا . وللمصلي أن يستعيذ عند قراءة آية فيها ذكر عذاب , وأن يسأل الله عند قراءة آية فيها ذكر رحمة , وله أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم عند قراءة ذكره ; لتأكد الصلاة عليه عند ذكره .
هذه جملة من الأمور التي يستحب لك أو يباح لك فعلها حال الصلاة عرضناها عليك رجاء أن تستفيد منها وتعمل بها , حتى تكون على بصيرة من دينك , ونسأل الله لنا ولك المزيد من العلم النافع والعمل الصالح . وليعلم أن الصلاة عبادة عظيمة , لا يجوز أن نفعل أو نقال فيها إلا في حدود الشرع الوارد عن الرسول صلى الله عليه وسلم ; فعليك بالاهتمام بها ومعرفة ما يكملها وما ينقصها , حتى تؤديها على الوجه الأكمل .
باب السجود للسهو
لما كان الإنسان عرضة للنسيان والذهول , وكان الشيطان يحرص على أن يشوش عليه صلاته ببعث الأفكار وإشغال باله بها عن صلاته , وربما ترتب على ذلك نقص في الصلاة أو زيادة فيها بدافع النسيان والذهول ; فشرع الله للمصلي أن يسجد في آخر صلاته ; تفاديا لذلك , وإرغاما للشيطان , وجبرا للنقصان , وإرضاء للرحمن , وهذا السجود هو ما يسميه العلماء سجود السهو .
والسهو هو النسيان , وقد سها النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة , وكان سهوه من تمام نعمة الله على أمته وإكمال دينهم ; ليقتدوا به فيما يشرعه لهم عند السهو ; فقد حفظ عنه صلى الله عليه وسلم وقائع السهو في الصلاة , سلم من اثنتين فسجد , وسلم من ثلاث فسجد , وقام من اثنتين ولم يتشهد فسجد , وغير ذلك , وقال صلى الله عليه وسلم : إذا سها أحدكم ; فليسجد
و يشرع سجود السهو لأحد ثلاثة أمور
أولاً : إذا زاد في الصلاة سهوا .
ثانيا : إذا نقص منها سهوا .
ثالثا : إذا حصل عنده شك في زيادة أو نقص .
فيسجد لأحد هذه الثلاثة حسبما ورد به الدليل , لا لكل زيادة أو نقص أو شك .
ويشرع سجود السهو إذا وجد سببه , سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة ; لعموم الأدلة .
فالحالة الأولى من الأحوال التي يشرع لها سجود السهو : هي حالة الزيادة في الصلاة , وهي إما زيادة أفعال أو زيادة أقوال :
- فزيادة الأفعـال إذا كانت زيادة من جنس الصلاة ; كالقيام في محل القعود , والقعود في محل القيام , أو زاد ركوعا أو سجودا , فإذا فعل ذلك سهوا ; فإنه يسجد للسهو ; لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود : فإذا زاد الرجل أو نقص قي صلاته ; فليسجد سجدتين رواه مسلم , ولأن الزيادة في الصلاة نقص من هيئتها في المعنى , فشرع السجود لها ; لينجبر النقص وكذا لو زاد ركعة سهوا , ولم يعلم إلا بعد فراغه منها ; فإنه يسجد للسهو , أما إن علم في أثناء الركعة الزائدة ; فإنه يجلس في الحال , ويتشهد إن لم يكن تشهد , ثم يسجد للسهو ويسلم .
وإن كان إماما ; لزم من علم من المأمومين بالزيادة تنبيهه بأن يسبح الرجال وتصفق النساء , ويلزم الإمام حينئذ الرجوع إلى تنبيههم إذا لم يجزم بصواب نفسه ; لأنه رجوع إلى الصواب , وكذا يلزمهم تنبيهه على النقص .
- وأما زيادة الأقوال ; كالقراءة في الركوع والسجود , وقراءة سورة في الركعتين الأخيرتين من الرباعية والثالثة من المغرب , فإذا فعل ذلك سهوا , استحب له السجود للسهو .
وأما الحالة الثانية , وهي ما إذا نقص من الصلاة سهوا , بأن ترك منها شيئا : فإن كان المتروك ركنا , وكان هذا الركن تكبيرة الإحرام ; لم تنعقد صلاته , ولا يغني عنه سجود السهو . وإن كان ركنا غير تكبيرة الإحرام , كركوع أو سجود , وذكر هذا المتروك قبل شروعه في قراءة ركعة أخرى ; فإنه يعود وجوبا , فيأتي به وبما بعده , وإن ذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى , بطلت الركعة التي تركه منها , وقامت الركعة التي تليها مقامها ; لأنه ترك ركنا لم يمكنه استدراكه ; لتلبسه بالركعة التي بعدها .
وإن لم يعلم بالركن المتروك إلا بعد السلام , فإنه يعتبره كترك ركعة كاملة , فإن لم يطل الفصل , وهو باق على طهارته ; أتى بركعة كاملة , وسجد للسهو , وسلم , وإن طال الفصل , أو انتقض وضوؤه ; استأنف الصلاة من جديد ; إلا أن يكون المتروك تشهدا أخيرا أو سلاما , فإنه لا يعتبر كترك ركعة كاملة , بل يأتي به ويسجد ويسلم .
وإن نسي التشهد الأول , وقام إلى الركعة الثالثة ; لزمه الرجوع للإتيان بالتشهد ; ما لم يستتم قائما , فإن استتم قائما ; كره رجوعه , فإن رجع ; لم تبطل صلاته , وإن شرع في القراءة ; حرم عليه الرجوع , لأنه تلبس بركن آخر ; فلا يقطعه . وإن ترك التسبيح في الركوع أو السجود ; لزمه الرجوع للإتيان به ; ما لم يعتدل قائما في الركعة الأخرى , ويسجد للسهو في كل هذه الحالات .
وأما الحالة الثالثة - وهي حالة الشك في الصلاة - : فإن شك في عدد الركعات ; بأن شك أصلى ثنتين أم ثلاثا مثلا ; فإنه يبني على الأقل , لأنه المتيقن , ثم يسجد للسهو قبل السلام ; لأن الأصل عدم ما شك فيه , ولحديث عبد الرحمن بن عوف : إذا شك أحدكم في صلاته , فلم يدر واحدة صلى أو اثنتين , فليجعلها واحدة , أو لم يدر ثنتين أو ثلاثا , فليجعلها اثنتين رواه أحمد ومسلم والترمذي . وإن شك المأموم أدخل مع الإمام في الأولى أو في الثانية , جعله في الثانية , أو شك هل أدرك الركعة أو لا ; لم يعتد بتلك الركعة , ويسجد للسهو . وإن شك في ترك ركن ; فكما لو تركه , فيأتي به وبما بعده على التفصيل السابق . وإن شك في ترك واجب ; لم يعتبر هذا الشك , ولا يسجد للسهو , وكذا لو شك في زيادة ; لم يلتفت إلى هذا الشك , لأن الأصل عدم الزيادة . هذه جمل من أحكام سجود السهو , ومن أراد الزيادة ; فليراجع كتب الأحكام , والله الموفق .
باب في الذكر بعد الصلاة
قال الله سبحانه وتعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
وخصص سبحانه الأمر بذكره بعد أداء العبادات :
- فأمر بذكره بعد الفراغ من الصلوات ; فقال سبحانه : فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ وقال سبحانه : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
- وأمر بذكره بعد إكمال صيام رمضان , فقال سبحانه : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
- وأمر بذكره بعد قضاء مناسك الحج ; فقال سبحانه : فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا وذلك - والله أعلم - جبر لما يحصل في العبادة من النقص والوساوس , ولإشعار الإنسان أنه مطلوب منه مواصلة الذكر والعبادة ; لئلا يظن أنه إذا فرغ من العبادة ; فقد أدى ما عليه .
والذكر المشروع بعد صلاة الفريضة يجب أن يكون على الصفة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم , لا على الصفة المحدثة المبتدعة التي يفعلها الصوفية المبتدعة .
ففي " صحيح مسلم " عن ثوبان رضي الله عنه , قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته ; أستغفر الله ثلاثا , وقال : اللهم أنت السلام ومنك . السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام وفي " الصحيحين " عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه ; أن رسول الله -110- صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصلاة ; قال : لا إله إلا الله وحده , لا شريك له , له الملك , وله الحمد , وهو على كل شيء قدير , اللهم لا مانع لما أعطيت , ولا معطي لما منعت , ولا ينفع ذا الجد منك الجد
وفي " صحيح مسلم " عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يهلل دبر كل صلاة حين يسلم بهؤلاء الكلمات : لا إله إلا الله وحده , لا شريك له , له الملك , وله الحمد , وهو على كل شيء قدير , لا حول ولا قوة إلا بالله , لا إله إلا الله , ولا نعبد إلا إياه , له النعمة , وله الفضل , وله الثناء الحسن , لا إله إلا الله , مخلصين له الدين , ولو كره الكافرون
وفي " السنن " من حديث أبي ذر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم : لا إله إلا الله وحده , لا شريك له , له الملك , وله الحمد , يحي ويميت , وهو على كل شيء قدير , عشر مرات ; كتب له عشر حسنات , ومحي عنه عشر سيئات , ورفع له عشر درجات , وكان يومه ذلك كله في حرز من كل مكروه , وحرس من الشيطان , ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم ; إلا الشرك بالله " قال الترمذي : " هذا حديث حسن صحيح " , وورد أن هذه التهليلات العشر تقال بعد صلاة المغرب أيضا في حديث أم سلمة عند أحمد , وحديث أبي أيوب الأنصاري في " صحيح ابن حبان " . ويقول بعد المغرب والفجر أيضا : " رب أجرني من النار " ; سبع مرات ; لما رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم . ثم يسبح الله بعد كل صلاة ثلاثا وثلاثين , ويحمده ثلاثا وثلاثين , ويكبره ثلاثا وثلاثين , ويقول تمام المئة : " لا إله إلا الله , وحده لا شريك له , له الملك , وله الحمد , وهو على كل شيء قدير " ; لما روى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين , وحمد الله ثلاثا وثلاثين , وكبر الله ثلاثا وثلاثين , فتلك تسعة وتسعون , ثم قال تمام المئة : لا إله إلا الله وحده , لا شريك له , له الملك , وله الحمد , وهو على كل شيء قدير ; غفرت له خطاياه , وإن كانت مثل زبد البحر ثم يقرأ آية الكرسي , و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ لما رواه النسائي والطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه ; قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة ; لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت يعني : لم يكن بينه وبين دخول الجنة إلا الموت , وفي حديث آخر : كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى وفي " السنن " عن عقبة بن عامر رضي الله عنه ; قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ المعوذتين دبر كل صلاة
لقد دلت هذه الأحاديث الشريفة على مشروعية هذه الأذكار بعد الصلوات المكتوبة , وعلى ما يحصل عليه من قالها من الأجر والثواب ; فينبغي لنا المحافظة عليها , والإتيان بها ; على الصفة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم , وأن نأتي بها بعد السلام من الصلاة مباشرة , قبل أن نقوم من المكان الذي صلينا فيه , ونرتبها على هذا الترتيب :
- فإذا سلمنا من الصلاة ; نستغفر الله ثلاثا .
- ثم نقول : " اللهم أنت السلام , ومنك السلام , تباركت يا ذا الجلال والإكرام "
- ثم نقول : " لا إله إلا الله وحده , لا شريك له , له الملك , وله الحمد , وهو على كل شيء قدير , اللهم لا مانع لما أعطيت , ولا معطي لما منعت , ولا ينفع ذا الجد منك الجد " أي : لا ينفع الغني منك غناه , وإنما ينفعه العمل الصالح .
- ثم نقول : " لا حول ولا قوة إلا بالله , لا إله إلا الله , ولا نعبد إلا إياه , له النعمة , وله الفضل , وله الثناء الحسن , لا إله إلا الله , مخلصين له الدين ولو كره الكافرون " .
- ثم نسبح الله ثلاثا وثلاثين , ونحمده ثلاثا وثلاثين , ونكبره ثلاثا وثلاثين , ونقول تمام المئة : " لا إله إلا الله وحده , لا شريك له , له الملك , وله الحمد , وهو على كل شيء قدير " .
- وبعد صلاة المغرب وصلاة الفجر نأتي بالتهليلات العشر , ونقول . " رب أجرني من النار " ; سبع مرات .
- ثم بعد أن نفرغ من هذه الأذكار على هذا الترتيب ; نقرأ آية الكرسي , وسور قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ والمعوذتين . ويستحب تكرار قراءة هذه السور بعد صلاة المغرب وصلاة الفجر ثلاث مرات .
ويستحب الجهر بالتهليل والتسبيح والتحميد والتكبير عقب الصلاة , لكن لا يكون بصوت جماعي , وإنما يرفع به كل واحد صوته منفردا .
ويستعين على ضبط عدد التهليلات وعدد التسبيح والتحميد والتكبير بعقد الأصابع , لأن الأصابع مسئولات مستنطقات يوم القيامة . ويباح استعمال السبحة ليعد بها الأذكار والتسبيحات , من غير اعتقاد أن فيها فضيلة خاصة , وكرهها بعض العلماء , وإن اعتقد أن لها فضيلة ; فاتخاذها بدعة , وذلك مثل السبح التي يتخذها الصوفية , ويعلقونها في أعناقهم , أو يجعلونها كالأسورة في أيديهم , وهذا مع كونه بدعة ; فإن فيه رياء وتكلفا .
ثم بعد الفراغ من هذه الأذكار يدعو سرا بما شاء ; فإن الدعاء عقب هذه العبادة وهذه الأذكار العظيمة أحرى بالإجابة , ولا يرفع يديه بالدعاء بعد الفريضة كما يفعل بعض الناس ; فإن ذلك بدعة , وإنما يفعل هذا بعد النافلة أحيانا , ولا يجهر بالدعاء , بل يخفيه ; لأن ذلك أقرب إلى الإخلاص والخشوع , وأبعد عن الرياء . وما يفعله بعض الناس في بعض البلاد من الدعاء الجماعي بعد الصلوات بأصوات مرتفعة مع رفع الأيدي , أو يدعو الإمام والحاضرون يؤمنون رافعي أيديهم ; فهذا العمل بدعة منكرة ; لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا صلى بالناس يدعو بعد الفراغ من الصلاة على هذه الصفة , لا في الفجر , ولا في العصر , ولا غيرهما من الصلوات , ولا استحب ذلك أحد من الآئمة . قال شيخ الإسلام ابن تيمية : من نقل ذلك عن الإمام الشافعي ; فقد غلط عليه , فيجب التقيد بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وفي غيره ; لأن الله تعالى يقول : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ويقول سبحانه : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا
باب صلاة التطوع
اعلموا أن ربكم سبحانه وتعالى شرع لكم بجانب فرائض الصلوات التقرب إليه بنوافل الصلوات ; فالتطوع بالصلاة من أفضل القربات بعد الجهاد في سبيل الله وطلب العلم ; لمداومة النبي صلى الله عليه وسلم على التقرب إلى ربه بنوافل الصلوات , وقال عليه الصلاة والسلام : استقيموا ولن تحصوا , واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة والصلاة تجمع أنواعا من العبادة ; كالقراءة , والركوع , والسجود , والدعاء , والذل , والخضوع , ومناجاة الرب سبحانه وتعالى , والتكبير , والتسبيح , والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .
وصلوات التطوع على نوعين :
النوع الأول : صلوات مؤقتة بأوقات معينة , وتسمى بالنوافل المقيدة .
والنوع الثاني : صلوات غير مؤقتة بأوقات معينة , وتسمى بالنوافل المطلقة .
والنوع الأول أنواع متعددة , بعضها آكد من بعض , وآكد أنواعه صلاة الكسوف , ثم صلاة الاستسقاء , ثم صلاة التراويح , ثم صلاة الوتر , وكل من هذه الصلوات سيأتي عنه حديث خاص إن شاء الله تعالى .
باب في صلاة الوتر وأحكامها
ولنبدأ الآن بالحديث عن صلاة الوتر لأهميته , فقد قيل :
إنه آكد التطوع , وذهب بعض العلماء إلى وجوبه , وما اختلف وجوبه ; فهو آكد من غيره مما لم يختلف في عدم وجوبه .
اتفق المسلمون على مشروعية الوتر , فلا ينبغي تركه , ومن أصر على تركه ; فإنه ترد شهادته : قال الإمام أحمد : " من ترك الوتر عمدا ; فهو رجل سوء , لا ينبغي أن تقبل شهادته " , وروى أحمد وأبو داود مرفوعا : من لم يوتر , فليس منا
والوتر : اسم للركعة المنفصلة عما قبلها , ولثلاث الركعات وللخمس والسبع والتسع والإحدى عشرة ( إذا كانت هذه الركعات متصلة بسلام واحد ) , فإذا كانت هذه الركعات بسلامين فأكثر , فالوتر اسم للركعة المنفصلة وحدها .
ووقت الوتر يبدأ من بعد صلاة العشاء الآخرة ويستمر إلى طلوع الفجر , ففي " الصحيحين " عن عائشة رضي الله عنها ; قالت : من كل الليل أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ; من أوله , وأوسطه , وآخره , وانتهى وتره إلى السحر
وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على أن جميع الليل وقت للوتر , إلا ما قبل صلاة العشاء , فمن كان يثق من قيامه في آخر الليل , فتأخير الوتر إلى آخر الليل أفضل , ومن كان لا يثق من قيامه في آخر الليل ; فإنه يوتر قبل أن ينام , بهذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم ; فقد روى مسلم من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم : أيكم خاف ألا يقوم من آخر الليل ; فليوتر ثم ليرقد , ومن وثق بقيامه من آخر الليل ; فليوتر من آخره ; فإن قراءة آخر الليل مشهودة , وذلك أفضل
وأقل الوتر ركعة واحدة ; لورود الأحاديث بذلك , وثبوته عن عشرة من الصحابة رضي الله عنهم , لكن الأفضل والأحسن أن تكون مسبوقة بالشفع .
وأكثر الوتر إحدى عشرة ركعة , أو ثلاث عشرة ركعة , يصليها ركعتين ركعتين , ثم يصلي ركعة واحدة يوتر بها , لقول عائشة رضي الله عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة , يوتر منها بواحدة رواه مسلم , وفي لفظ : يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة وله أن يسردها , ثم يجلس بعد العاشرة , ويتشهد ولا يسلم , ثم يقوم ويأتي بالحادية عشرة , ويتشهد ويسلم . وله أن يسردها , ولا يجلس إلا بعد الحادية عشرة , ويتشهد ويسلم . والصفة الأولى أفضل .
وله أن يوتر بتسع ركعات , يسرد ثمانيا , ثم يجلس عقب الركعة الثامنة , ويتشهد التشهد الأول ولا يسلم , ثم يقوم , فيأتي بالركعة التاسعة , ويتشهد التشهد الأخير ويسلم .
وله أن يوتر بسبع ركعات أو بخمس ركعات , لا يجلس إلا في آخرها , ويتشهد ويسلم , لقول أم سدرة رضي الله عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام
وله أن يوتر بثلاث ركعات , يصلي ركعتين ويسلم , ثم يصلي الركعة الثالثة وحدها , ويستحب أن يقرأ في الأولى ب ( سبح ) , وفي الثانية : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ والثالثة : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
وقد تبين مما مر أن لك أن توتر : بإحدى عشرة ركعة , أو ثلاث عشرة , وبتسع ركعات , وبسبع ركعات , وبخمس ركعات , وبثلاث ركعات , وبركعة واحدة ; فأعلى الكمال إحدى عشرة , وأدنى الكمال ثلاث ركعات , والمجزئ ركعة واحدة .
ويستحب لك أن تقنت بعد الركوع في الوتر ; بأن تدعو الله سبحانه , فترفع يديك , وتقول : " اللهم اهدني فيمن هديت . .. " إلخ الدعاء الوارد .
باب صلاة التراويح وأحكامها
مما شرعه نبي الهدى محمد صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان المبارك صلاة التراويح , وهى سنة مؤكدة , سميت تراويح لأن الناس كانوا يستريحرن فيها بين كل أربع ركعات , لأنهم كانوا يطيلون الصلاة .
وفعلها جماعة في المسجد أفضل ; فقد صلاها النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في المسجد ليالي , ثم تأخر عن الصلاة بهم , خوفا من أن تفرض عليهم ; كما ثبت في " الصحيحين " عن عائشة رضي الله عنها ; أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة , وصلى بصلاته ناس , ثم صلى من القابلة , وكثر الناس , ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة , فلم يخرج إليهم , فلما أصبح ; قال : قد رأيت الذي صنعتم , فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم وذلك في رمضان , وفعلها صحابته من بعده , وتلقتها أمته بالقبول , وقال صلى الله عليه وسلم : من قام مع الإمام حتى ينصرف ; كتب له قيام ليلة وقال عليه الصلاة والسلام : من قام رمضان إيمانا واحتسابا , غفر له ما تقدم من ذنبه متفق عليه .
فهي سنة ثابتة , لا ينبغي للمسلم تركها . أما عدد ركعاتها , فلم يثبت فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم , والأمر في ذلك واسع . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله . " له أن يصلي عشرين ركعة , كما هو مشهور من مذهب أحمد والشافعي , وله أن يصلي ستا وثلاثين , كما هو مذهب مالك , وله أن يصلي إحدى عشرة ركعة وثلاث عشرة ركعة , وكل حسن , فيكون تكثير الركعات أو تقليلها بحسب طول القيام وقصره " . وعمر رضي الله عنه لما جمع الناس على أبي ; صلى بهم عشرين ركعة , والصحابة رضي الله عنهم منهم من يقل ومنهم من يكثر , والحد المحدود لا نص عليه من الشارع . وكثير من الأئمة ( أي : أئمة المساجد ) في التراويح يصلون صلاة لا يعقلونها , ولا يطمئنون في الركوع ولا في السجود , والطمأنينة ركن , والمطلوب في الصلاة حضور القلب بين يدي الله تعالى , واتعاظه بكلام الله إذ يتلى , وهذا لا يحصل في العجلة المكروهة , وصلاة عشر ركعات مع طول القراءة والطمأنينة أولى من عشرين ركعة مع العجلة المكروهة ; لأن لب الصلاة وروحها هو إقبال القلب على الله عز وجل , ورب قليل خير من كثير , وكذلك ترتيل القراءة أفضل من السرعة , والسرعة المباحة هي التي لا يحصل معها إسقاط شيء من الحروف , فإن أسقط بعض الحروف لأجل السرعة , لم يجز ذلك , وينهى عنه , وأما إذا قرأ قراءة بينة ينتفع بها المصلون خلفه ; فحسن . وقد ذم الله الذين يقرءون القرآن بلا فهم معناه , فقال تعالى : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ أي : تلاوة بلا فهم , والمراد من إنزال القرآن فهم معانيه والعمل به لا مجرد التلاوة انتهى كلامه رحمه الله . وبعض أئمة المساجد لا يصلون التراويح على الوجه المشروع ; لأنهم يسرعون في القراءة سرعة تخل بأداء القرآن على الوجه الصحيح , ولا يطمئنون في القيام والركوع والسجود , والطمأنينة ركن من أركان الصلاة , ويأخذون بالعدد الأقل من الركعات , فيجمعون بين تقليل الركعات وتخفيف الصلاة وإساءة القراءة , وهذا تلاعب بالعبادة , فيجب عليهم أن يتقوا الله ويحسنوا صلاتهم , ولا يحرموا أنفسهم ومن خلفهم من أداء التراويح على الوجه المشروع .
وفق الله الجميع لما فيه الصلاح والفلاح .
باب في السنن الراتبة مع الفرائض
اعلموا أيها الأخوان أن السنن الراتبة يتأكد فعلها ويكره تركها , ومن داوم على تركها ; سقطت عدالته عند بعض الأئمة , وأثم بسبب ذلك ; لأن المداومة على تركها تدل على قلة دينه , وعدم مبالاته .وجملة السنن الرواتب عشر ركعات , وبيانها كالتالي :
- ركعتان قبل الظهر , وعند جمع من العلماء أربع ركعات قبل الظهر ; فعليه تكون جملة السنن الرواتب اثنتي عشرة ركعة .
- وركعتان بعد الظهر .
- وركعتان بعد المعرب .
- وركعتان بعد العشاء .
- وركعتان قبل صلاة الفجر بعد طلوع الفجر .
والدليل على هذه الرواتب بهذا التفصيل المذكور هو حديث ابن عمر رضي الله عنهما ; قال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات : ركعتين قبل الظهر , وركعتين بعدها , وركعتين بعد المغرب في بيته , وركعتين بعد العشاء في بيته , وركعتين قبل الصبح , كانت ساعة لا يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها أحد , حدثتني حفصة أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر , صلى ركعتين متفق عليه . وفي " صحيح مسلم " عن عائشة رضي الله عنها : " كان يصلي قبل الظهر أربعا في بيتي , ثم يخرج فيصلي بالناس , ثم يرجع إلى بيتي فيصلي ركعتين فيؤخذ من هذا أن فعل الراتبة في البيت أفضل من فعلها في المسجد , وذلك لمصالح تترتب على ذلك ; منها : البعد عن الرياء والإعجاب ولإخفاء العمل عن الناس , ومنها : أن ذلك سبب لتمام الخشوع والإخلاص , ومنها : عمارة البيت بذكر الله والصلاة التي بسببها تنزل الرحمة على أهل البيت ويبتعد عنه الشيطان , وقد قال عليه الصلاة والسلام : اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم , ولا تجعلوها قبورا
وآكد هذه الرواتب ركعتا الفجر ; لقول عائشة رضي الله عنها : لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر متفق عليه , وقال صلى الله عليه وسلم : ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحافظ عليهما وعلى الوتر في الحضر والسفر . وأما ما عدا ركعتي الفجر والوتر من الرواتب ; فلم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى راتبة في السفر غير سنة الفجر والوتر .
وقال ابن عمر رضي الله عنهما لما سئل عن سنة الظهر في السفر ; قال : لو كنت مسبحا ; لأتممت وقال ابن القيم رحمه الله : " وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في سفره الاقتصار على الفرض , ولم يحفظ عنه أنه صلى سنة الصلاة قبلها ولا بعدها , إلا ما كان من الوتر وسنة الفجر " .
والسنه تخفيف ركعتي الفجر ; لما في " الصحيحين " وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها ; أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح ويقرأ في الركعة الأولى من سنة الفجر بعد الفاتحة : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وفي الثانية : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أو يقرأ في الأولى منهما : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا الآية التي في سورة البقرة , ويقرأ في الركعة الثانية : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا الآية التي في سورة آل عمران .
- وكذلك يقرأ في الركعتين بعد المغرب بالكافرون والإخلاص ; لما روى البيهقي والترمذي وغيرهما عن ابن مسعود , قال : " ما أحصي ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين بعد المغرب وفي الركعتين قبل الفجر : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
وإذا فاتك شيء من هذه السنن الرواتب , فإنه يسن لك قضاؤه , وكذا إذا فاتك الوتر من الليل , فإنه يسن لك قضاؤه في النهار ; لأنه صلى الله عليه وسلم قضى ركعتي الفجر مع الفجر حين نام عنهما , وقضى الركعتين اللتين قبل الظهر بعد العصر , ويقاس الباقي من الرواتب في مشروعية قضائه إذا فات على ما فيه النص , وقال صلى الله عليه وسلم : من نام عن الوتر أو نسيه , فليصله إذا أصبح أو ذكر رواه الترمذي وأبو داود . ويقضى الوتر مع شفعه ; لما في " الصحيح " عن عائشة رضي الله عنها : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا منعه من قيام الليل نوم أو وجع ; صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة
أيها المسلم ! حافظ على هذه السنن الرواتب ; لأن في ذلك اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم , وقد قال الله تعالى : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا وفي المحافظة على هذه السنن الرواتب أيضا جبر لما يحصل في صلاة الفريضة من النقص والخلل , والإنسان معرض للنقص والخلل , وهو بحاجة إلى ما يجبر به نقصه ; فلا تفرط بهذه الرواتب أيها المسلم , فإنها من زيادة الخير الذي تجده عند ربك , وهكذا كل فريضة ليشرع إلى جانبها نافلة من جنسها , كفريضة الصلاة , وفريضة الصيام , وفريضة الزكاة , وفريضة الحج , كل من هذه الفرائض يشرع إلى جانبها نافلة من جنسها ; تجبر نقصها وتصلح خللها , وهذا من فضل الله على عباده , حيث نوع لهم الطاعات ليرفع لهم الدرجات , ويحط عنهم الخطايا .
فنسأل الله لنا جميعا التوفيق لما يحبه ويرضاه , إنه سميع مجيب . ..
باب في صلاة الضحى
اعلم أيها المسلم أنه قد وردت في صلاة الضحى أحاديث كثيرة :
منها ما في " الصحيحين " : عن أبي هريرة رضي الله عنه , قال : " أوصاني خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث : صيام ثلاثة أيام من كل شهر , وركعتي الضحى , وأن أوتر قبل أن أنام
وفي حديث أبي سعيد ; أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى حتى نقول : لا يدعها , ويدعها حتى نقول : لا يصليها وأقل صلاة الضحى ركعتان ; لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة الذي ذكرنا قريبا : " وركعتي الضحى " , ولحديث أنس : من قعد في مصلاه حين ينصرف من الصبح , حتى يسبح ركعتي الضحى , لا يقول إلا خيرا , غفرت له خطاياه , وإن كانت أكثر من زبد البحر رواه أبو داود . وأكثرها ثمان ركعات ; لما روت أم هانئ , أن النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح صلى ثمان ركعات سبحة الضحى رواه الجماعة , ولمسلم عن عائشة رضي الله عنها : كان يصلي الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء الله ووقت صلاة الضحى يبتدئ من ارتفاع الشمس بعد طلوعها قدر رمح , ويمتد إلى قبيل الزوال , أي : وقت قيام الشمس في كبد السماء , والأفضل أن يصلي إذا اشتد الحر ; لحديث : صلاة الأوابين حين ترمض الفصال رواه مسلم ; أي : حين تحمى الرمضاء ; فتبرك الفصال من شدة الحر .
باب في سجود التلاوة
ومن السنن سجود التلاوة , سمي بذلك من إضافة المسبب للسبب ; لأن التلاوة سببه , فهو سجود شرعه الله ورسوله عبودية عند تلاوة الآيات واستماعها ; تقربا إليه سبحانه , وخضوعا لعظمته , وتذللا بين يديه .
ويسن سجود التلاوة للقارئ والمستمع , وقد أجمع العلماء على مشروعيته . قال ابن عمر رضي الله عنهما : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السورة فيها السجدة , فيسجد , ونسجد معه , حتى ما يجد أحدنا موضعا لجبهته متفق عليه . قال الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله : " ومواضع السجدات أخبار وأوامر : خبر من الله عن سجود مخلوقاته له عموما أو خصوصا ; فسن للتالي والسامع أن يتشبه بهم عند تلاوته آية السجدة أو سماعها , وآيات الأوامر ( أي : التي تأمر بالسجود ) بطريق الأولى " . وعن أبي هريرة مرفوعا : إذا قرأ ابن آدم السجدة , فسجد ; اعتزل الشيطان يبكي , يقول : يا ويله ! أمر ابن آدم بالسجود , فسجد ; فله الجنة ; وأمرت بالسجود , فأبيت , فلي النار رواه مسلم وابن ماجه . ويشرع سجود التلاوة في حق القارئ والمستمع , وهو الذي يقصد الاستماع للقراءة , وفي حديث ابن عمر : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السورة فيها السجدة ; فيسجد ونسجد معه ففيه دلالة على مشروعية سجود المستمع , وأما السامع , وهو الذي لم يقصد الاستماع ; فلا يشرع في حقه سجود التلاوة ; لما روى البخاري ; أن عثمان رضي الله عنه مر بقارئ يقرأ سجدة ليسجد معه عثمان ; فلم يسجد , وقال : " إنما السجدة على من استمع وروي ذلك عن غيره من الصحابة . وسجدات التلاوة والقرآن ; في : الأعراف , والرعد , والنحل , والإسراء , ومريم , والحج , والفرقان , والنمل , و ( ألم تنزيل ) , و ( حم ) السجدة , والنجم , والانشقاق , و اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وفي سجدة ( ص ) خلاف بين العلماء , هل هي سجدة شكر أو سجدة تلاوة ; والله أعلم .
ويكبر إذا سجد للتلاوة لحديث ابن عمر : كان عليه الصلاة والسلام يقرأ علينا القرآن , فإذا مر بالسجدة ; كبر , وسجد , وسجدنا معه رواه أبو داود . ويقول في سجوده : " سبحان ربي الأعلى " ; كما يقول في سجود الصلاة , وإن قال : " سجد وجهي لله الذي خلقه وصوره , وشق سمعه وبصره , بحوله وقوته , اللهم اكتب لي بها أجرا , وضع عني بها وزرا , واجعلها لي عندك ذخرا , وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود " ; فلا بأس . والإتيان بسجود التلاوة عن قيام أفضل من الإتيان به عن قعود .
أيها المسلم ! إن طرق الخير كثيرة , فعليك بالجد والاجتهاد فيها , والإخلاص في القول والعمل , لعل الله أن يكتبك من جملة السعداء .
باب في التطوع المطلق
روى أهل السنن ; أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة ; قال : الصلاة في جوف الليل
وقال صلى الله عليه وسلم : إن في الليل ساعة , لا يوافقها عبد مسلم , يسأل الله خيرا من أمر الدنيا والآخرة ; إلا أعطاه إياه
وقال صلى الله عليه وسلم : وعليكم بقيام الليل , فإنه دأب الصالحين قبلكم , وهو قربة إلى ربكم , ومكفرة للسيئات , ومنهاة عن الإثم " رواه الحاكم .
وقد مدح الله القائمين من الليل : قال تعالى : إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
وقال تعالى : تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
والنصوص في ذلك كثيرة تدل على فضل قيام الليل , فالتطوع المطلق أفضله قيام الليل ; لأنه أبلغ في الإسرار , وأقرب إلى الإخلاص , ولأنه وقت غفلة الناس , ولما فيه من إيثار الطاعة على النوم والراحة .
ويستحب التنفل بالصلاة في جميع الأوقات ; غير أوقات النهي , وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار , لما سبق , وأفضل صلاة الليل الصلاة في ثلث الليل بعد نصفه ; لما في " الصحيح " مرفوعا : أفضل الصلاة صلاة داود , كان ينام نصف الليل , ويقوم ثلثه , وينام سدسه فكان يريح نفسه بنوم أول الليل , ثم يقوم في الوقت الذي ينادي الله فيه , فيقول : هل من سائل فأعطيه سؤله ؟ ثم ينام بقية الليل في السدس الأخير , ليأخذ راحته , حتى يستقبل صلاة الفجر بنشاط , هذا هو الأفضل , وإلا ; فالليل كله محل القيام .
قال الإمام أحمد رحمه الله : " قيام الليل من المغرب إلى طلوع الفجر " .
وعليه ; فالنافلة بين العشاءين من قيام الليل , لكن تأخير القيام إلى آخر الليل أفضل كما سبق , قال تعالى : إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا والناشئة هي القيام بعد النوم , والتهجد إنما يكون بعد النوم
فينبغي للمسلم أن يجعل له حظا من قيام الليل , يداوم عليه , وإن قل .
- وينبغي أن ينوي قيام الليل .
- فإذا استيقظ ; استاك , وذكر الله , وقال : " لا إله إلا الله وحده , لا شريك له , له الملك , وله الحمد , وهو على كل شيء قدير , الحمد لله , وسبحان الله , ولا إله إلا الله , والله أكبر , ولا حول ولا قوة إلا بالله " , ويقول : " الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور , الحمد لله الذي رد علي روحي , وعافاني في جسدي , وأذن لي بذكره " .
- ويستحب أن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين ; لحديث أبي هريرة : إذا قام أحدكم من الليل ; فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين رواه مسلم وغيره .
- ويسلم في صلاة الليل من كل ركعتين ; لقوله صلى الله عليه وسلم : صلاة الليل مثنى مثنى رواه الجماعة , ومعنى : " مثنى مثنى " ; أي : ركعتان ركعتان , بتشهد وتسليمتين , فهي ثنائية لا رباعية .
- وينبغي إطالة القيام والركوع والسجود .
- وينبغي أن يكون تهجده في بيته ; فقد اتفق أهل العلم على أن صلاة التطوع في البيت أفضل , وكان صلى الله عليه وسلم يصلي في بيته , وقال عليه الصلاة والسلام : صلوا في بيوتكم , فإن أفضل صلاة المرء في بيته ; إلا المكتوبة رواه مسلم , ولأنه أقرب إلى الإخلاص .
- وصلاة النافلة قائما أفضل من الصلاة قاعدا بلا عذر , لقوله صلى الله عليه وسلم : من صلى قائما ; فهو أفضل , ومن صلى قاعدا ; فله نصف أجر صلاة القائم متفق عليه .
- وأما من صلى النافلة قاعدا لعذر ; فأجره كأجر القائم , لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا مرض العبد أو سافر ; كتب له من العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم وجواز التطوع جالسا مع القدرة على القيام مجمع عليه .
- ويختم صلاته بالوتر ; فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل آخر صلاته بالليل وترا , وأمر بذلك في أحاديث كثيرة .
ومن فاته تهجده من الليل ; استحب له قضاؤه قبل الظهر ; لحديث : من نام عن حزبه من الليل , أو عن شيء منه , فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر ; كتب له , كأنما قرأه من الليل
أيها المسلم ! لا تحرم نفسك من المشاركة في قيام الليل , ولو بشيء قليل تداوم عليه ; لتنال من ثواب القائمين المستغفرين بالأسحار , وربما يدفع بك القليل إلى الكثير , والله لا يضيع أجر المحسنين .
باب في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها
سبق أن بينا جملا من أحكام صلاة التطوع , ويجدر بنا الآن أن ننبه على أن هناك أوقاتا ورد النهي عن الصلاة فيها ; إلا ما استثني , وهي أوقات خمسة :
الأول : من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس ; لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا طلع الفجر ; فلا صلاة إلا ركعتي الفجر رواه أحمد وأبو داود وغيرهما , فإذا طلع الفجر ; فإنه لا يصلي تطوعا إلا راتبة الفجر .
الثاني : من طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح في رأي العين .
والثالث : عند قيام الشمس حتى تزول , وقيام الشمس يعرف بوقوف الظل , لا يزيد ولا ينقص , إلى أن تزول إلى جهة الغرب ; لقول عقبة بن عامر : ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا : حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع , وحين يقول قائم الظهيرة حتى تزول , وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب رواه مسلم .
والرابع : من صلاة العصر إلى غروب الشمس ; لقوله صلى الله عليه وسلم : لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس , ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس متفق عليه .
والخامس : إذا شرعت الشمس في الغروب حتى تغيب .
واعلم أنه يجوز قضاء الفرائض الفائتة في هذه الأوقات ; لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : من نام عن صلاة أو نسيها , فليصلها إذا ذكرها متفق عليه . يجوز أيضا فعل ركعتي الطواف في هذه الأوقات ; لقوله صلى الله عليه وسلم : لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة من ليل أو نهار رواه الترمذي وصححه ; فهذا إذن منه صلى الله عليه وسلم بفعلها في جميع أوقات النهي , ولأن الطواف جائز قي كل وقت ; فكذلك ركعتاه . ويجوز أيضا على الصحيح من قولي العلماء في هذه الأوقات فعل ذوات الأسباب من الصلوات ; كصلاة الجنازة , وتحية المسجد , وصلاة الكسوف , للأدلة الدالة على ذلك , وهي تخص عموم النهي عن الصلاة في هذه الأوقات , فتحمل على ما لا سبب له ; فلا يجوز فعلها بأن تبتدأ في هذه الأوقات صلاة تطوع لا سبب لها . ويجوز قضاء سنة الفجر بعد صلاة الفجر , وكذا يجوز أن يقضي سنة الظهر بعد العصر , ولا سيما إذا جمع الظهر مع العصر ; فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم , أنه قضى سنة الظهر بعد العصر.
باب في وجوب صلاة الجماعة وفضلها
شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام , وهى صلاة الجماعة في المساجد , فقد اتفق المسلمون على أن أداء الصلوات الخمس في المساجد من أوكد الطاعات وأعظم القربات , بل وأعظم وأظهر شعائر الإسلام . فقد شرع الله لهذه الأمة الاجتماع في أوقات معلومة , منها ما هو في اليوم والليلة , كالصلوات الخمس ; فإن المسلمين يجتمعون لأدائها في المساجد كل يوم وليلة خمس مرات , ومن هذه الاجتماعات ما هو في الأسبوع مرة ; كالاجتماع لصلاة الجمعة , وهو اجتماع أكبر من الاجتماع للصلوات الخمس , ومنها اجتماع يتكرر كل سنة مرتين , وهو الاجتماع لصلاة العيدين , وهو أكبر من الاجتماع لصلاة الجمعة , بحيث يشرع فية اجتماع أهل البلد , ومنها اجتماع مرة واحدة في السنة , وهو الاجتماع في الوقوف بعرفة , وهو أكبر من اجتماع العيدين ; لأنه يشرع للمسلمين عموما في كل أقطار الأرض . وإنما شرعت هذه الاجتماعات العظيمة في الإسلام ; لأجل مصالح المسلمين ; ليحصل التواصل بينهم بالإحسان والعطف والرعاية , ولأجل التوادد والتحابب بينهم في القلوب , ولأجل أن يعرف بعضهم أحوال بعض , فيقومون بعيادة المرضى , وتشييع المتوفى , وإغاثة الملهوفين , ولأجل إظهار قوة المسلمين وتعارفهم وتلاحقهم , فيغيظون بذلك أعداءهم من الكفار والمنافقين , ولأجل إزالة ما ينسجه بينهم شياطين الجن والإنس من العداوة والتقاطع والأحقاد , فيحصل الائتلاف واجتماع القلوب على البر والتقوى , ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تختلفوا ; فتختلف قلوبكم ومن فوائد صلاة الجماعة ; تعليم الجاهل , ومضاعفة الأجر والنشاط على العمل الصالح عندما يشاهد المسلم إخوانه المسلمين يزاولون الأعمال الصالحة , فيقتدي بهم .
وفي الحديث المتفق عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم : صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة وفي رواية : بخمس وعشرين .فصلاة الجماعة فرض على الرجال في الحضر والسفر , وفي حال الأمان وحال الخوف , وجوبا عينيا , والدليل على ذلك الكتاب والسنة وعمل المسلمين قرنا بعد قرن , خلفا عن سلف .
ومن أجل ذلك ; عمرت المساجد , ورتب لها الأئمة والمؤذنون , وشرع النداء لها بأعلى صوت : حي على الصلاة , حي على الفلاح .وقال الله تعالى في حال الخوف : وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ الآية ; فدلت هذه الآية الكريمة على تأكد وجوب صلاة الجماعة , حيث لم يرخص للمسلمين في تركها حال الخوف , فلو كانت غير واجبة , لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف ; فإن الجماعة في صلاة الخوف يترك لها أكثر واجبات الصلاة , فلولا تأكد وجوبها ; لم يترك من أجلها تلك الواجبات الكثيرة ; فقد اغتفرت في صلاة الخوف أفعال كثيرة من أجلها .
وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ; أنه قال : أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر , ولو يعلمون ما فيهما , لأتوهما ولو حبوا , ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام , ثم آمر رجلا فيصلي بالناس , ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب , إلى قوم لا يشهدون الصلاة , فأحرق عليهم بيوتهم بالنار
ووجه الاستدلال من الحديث على وجوب صلاة الجماعة من ناحيتين :
الناحية الأولى : أنه وصف المتخلفين عنها بالنفاق , والمتخلف عن السنة لا يعد منافقا ; فدل على أنهم تخلفوا عن واجب . والناحية الثانية : أنه صلى الله عليه وسلم هم بعقوبتهم على التخلف عنها , والعقوبة إنما تكون على ترك واجب , وإنما منعه صلى الله عليه وسلم من تنفيذ هذه العقوبة من في البيوت من النساء والذراري الذين لا تجب عليهم الجماعة . وفي " صحيح مسلم أن رجلا أعمى قال : يا رسول الله ! ليس لي قائد يقودني إلى المسجد , فسأله أن يرخص له أن يصلي في بيته , فرخص له , فلما ولى ; دعاه , فقال : " هل تسمع النداء ؟ " , قال : نعم , قال : " فأجب فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالحضور إلى المسجد لصلاة الجماعة وإجابة النداء مع ما يلاقيه من المشقة , فدل ذلك على وجوب صلاة الجماعة . وقد كان وجوب صلاة الجماعة مستقرا عند المؤمنين من صدر هذه الأمة :قال ابن مسعود رضي الله عنه : ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق , ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف فدل ذلك على استقرار وجوبها عند صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولم يعلموا ذلك إلا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم , ومعلوم أن كل أمر لا يتخلف عنه إلا منافق يكون واجبا على الأعيان . وروى الإمام أحمد وغيره مرفوعا : الجفاء كل الجفاء , والكفر والنفاق , من سمع المنادي إلى الصلاة , فلا يجيبه
وثبت حديث بذلك : يد الله على الجماعة , فمن شذ ; شذ في النار
وسئل ابن عباس عن رجل يقوم الليل ويصوم النهار ولا يحضر الجماعة , فقال : " هو في النار نسأل الله العافية والتوفيق لمعرفة الحق واتباعه , إنه سميع مجيب .
حكم المتخلف عن صلاة الجماعة وما تنعقد به صلاة الجماعة
إن المتخلف عن صلاة الجماعة إذا صلى وحده ; فله حالتان :
الحالة الأولى : أن يكون معذورا في تخلفه لمرض أو خوف , وليس من عادته التخلف لولا العذر , فهذا يكتب له أجر من صلى في جماعة لما في الحديث الصحيح : إذا مرض العبد أو سافر ; كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما فمن كان عازما على الصلاة مع الجماعة عزما جازما , ولكن حال دونه ودون ذلك عذر شرعي ; كان بمنزلة من صلى مع الجماعة ; نظرا لنيته الطيبة .
والحالة الثانية : أن يكون تخالفه عن الصلاة مع الجماعة لغير عذر ; فهذا إذا صلى وحده , تصح صلاته عند الجمهور , لكنه يخسر أجرا عظيما وثوابا جزيلا , لأن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة , وكذلك يفقد أجر الخطوات التي يخطوها إلى المسجد , ومع خسرانه لهذا الثواب الجزيل يأثم إثما عظيما , لأنه ترك واجبا عليه من غير عذر , وارتكب منكرا يجب إنكاره عليه وتأديبه من قبل ولي الأمر , حتى يرجع إلى رشده .
أيها المسلم ! ومكان صلاة الجماعة هو المساجد , لإظهار شعار الإسلام , وما شرعت عمارة المساجد إلا لذلك , وفي إقامة الجماعة في غيرها تعطيل لها :
وقد قال الله تعالى : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ
وقال تعالى : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ
ففي هاتين الآيتين الكريمتين تنويه بالمساجد وعمارها , ووعد لهم بجزيل -136- الثواب , وفي ضمن ذلك ذم من تخلف عن الحضور للصلاة فيها .
وقد روي أنه : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد وعن علي رضي الله عنه مثله , وزاد : وجار المسجد من أسمعه المنادي رواه البيقهي بإسناد صحيح .
قال ابن القيم رحمه الله : " ومن تأمل السنة حق التأمل ; تبين له أن فعلها في المساجد فرض على الأعيان إلا لعارض يجوز معه ترك الجماعة , فترك حضور المساجد لغير عذر كترك أصل الجماعة لغير عذر , وبهذا تتفق الأحاديث وجميع الآثار . .. " انتهى .
وقد توعد الله من عطل المساجد ومنع إقامة الصلاة فيها , فقال تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ وفي إقامة صلاة الجماعة خارج المسجد تعطيل للمساجد أو تقليل من المصلين فيها , وبالتالي يكون في ذلك تقليل من أهمية الصلاة في النفوس , والله تعالى يقول : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وهذا يشمل رفعها حسيا ومعنويا ; فكل ذلك مطلوب .
لكن إذا دعت حاجة لإقامة صلاة الجماعة خارج المسجد , كأن يكون المصلون موظفين في دائرتهم وفي مجمع عملهم , وإذا صلوا في مكانهم , كان أحزم للعمل , وكان في ذلك إلزام الموظفين بحضور الصلاة وإقامتها , ولا يتعطل من جراء ذلك المسجد الذي حولهم لوجود من يصلي فيه غيرهم , لعله في تلك الحال - ونظرا لهذه المبررات - لا يكون عليهم حرج في الصلاة في دائرتهم.
وأقل ما تنعقد به صلاة الجماعة اثنان ; دون الجماعة مأخوذة من الاجتماع , والاثنان أقل ما يتحقق به الجمع , ولحديث أبي موسى مرفوعا : الاثنان فما فوقهما جماعة رواه ابن ماجه , ولحديث : من يتصدق على هذا . فقام رجل فصلى معه , فقال : وهذان جماعة رواه أحمد وغيره , ولقوله صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث : وليؤمكما أكبركما وحكي الإجماع على هذا.
يباح للنساء حضور صلاة الجماعة في المساجد بإذن أزواجهن غير متطيبات وغير متبرجات بزينة مع التستر التام والابتعاد عن مخالطة الرجال , ويكن وراء صفوف الرجال ; لحضورهن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم . ويسن حضورهن مجالس الوعظ ومجالس العلم منفردات عن الرجال .
ويسن لهن أن يصلين مع بعضهن جماعة منفردات عن الرجال , سواء كانت إمامتهن منهن , أو يومهن رجل ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم ورقة أن تجعل لها مؤذنا , وأمرها أن تؤم أهل دارها رواه أحمد وأهل السنن , وفعله غيرها من الصحابيات , ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم : تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجه والأفضل للمسلم أن يصلي في المسجد الذي لا تقام فيه صلاة الجماعة إلا بحضوره ; لأنه يحصل بذلك على ثواب عمارة المسجد ; فقد قال الله تعالى : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
ثم الأفضل بعد ذلك صلاة الجماعة في المسجد الذي يكون أكثر جماعة من غيره , لأنه أعظم أجرا , لقوله صلى الله عليه وسلم : صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده , وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل , وما كان أكثر , فهو أحب إلى الله رواه أحمد وأبو داود , وصححه ابن حبان ; ففيه أن ما كثر جمعه فهو -138- أفضل ; لما في الاجتماع من نزول الرحمة والسكينة , ولشمول الدعاء ورجاء الإجابة , لا سيما إذا كان فيهم من العلماء وأهل الصلاح , قال تعالى : فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ففيه استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحين المحافظين على الطهارة لإسباغ الوضوء . ثم الأفضل بعد ذلك الصلاة في المسجد القديم ; لسبق الطاعة فيه على المسجد الجديد . ثم الأفضل بعد ذلك الصلاة في المسجد الأبعد عنه مسافة , فهو أفضل من الصلاة في المسجد القريب , لقوله صلى الله عليه وسلم : أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى , وذلك بأن أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء , وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة ; لم يخط خطوة ; إلا رفع له بها درجة , وحط عنه بها خطيئة , حتى يدخل المسجد ولقوله عليه الصلاة والسلام : يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم وبعض العلماء يرى أن أقرب المسجدين أولى , لأن له جوارا , فكان أحق بصلاته فيه , ولأنه قد ورد : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ولأن تعدي المسجد القريب إلى البعيد قد يحدث عند جيرانه استغرابا , ولعل هذا القول أولى ; لأن تخطي المسجد الذي يليه إلى غيره ذريعة إلى هجر المسجد الذي يليه , وإحراج لإمامه , بحيث يساء به الظن .
ومن أحكام صلاة الجماعة أنه يحرم أن يؤم الجماعة في المسجد أحد غير إمامه الراتب , إلا بإذنه أو عذره ; ففي " صحيح مسلم " وغيره : ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه إلا بإذنه قال النووي : " معناه أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحق من غيره , ولأن في ذلك إساءة إلى إمام المسجد الراتب , وتنفيرا عنه , وتفريقا بين المسلمين " .
وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا صلى بجماعة المسجد غير إمامه الراتب بدون إذنه أو عذر شرعي يسوغ ذلك , أنها لا تصح صلاتهم , مما يدل على خطورة هذه المسألة , فلا ينبغي التساهل في شأنها , ويجب على جماعة المسلمين أن يراعوا حق إمامهم , ولا يتعدوا عليه في صلاحيته , كما يجب على إمام المسجد أن يحترم حقا المأمومين ولا يحرجهم .
وهكذا ; كل يراعي حق الآخر , حتى يحصل الوئام والتآلف بين الإمام والمأمومين , فإن تأخر الإمام عن الحضور وضاق الوقت , صلوا , لفعل أبي بكر الصديق وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما حين غاب النبي صلى الله عليه وسلم في ذهابه إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم , فصلى أبو بكر رضي الله عنه , وصلى عبد الرحمن بن عوف بالناس لما تخلف النبي صلى الله عليه وسلم في واقعة أخرى , وصلى معه النبي صلى الله عليه وسلم الركعة الأخيرة , ثم أتم صلاته وقال : " أحسنتم " ومن أحكام صلاة الجماعة أن من سبق له أن صلى , ثم حضر إقامة الصلاة في المسجد ; سن له أن يصلي مع الجماعة تلك الصلاة التي أقيمت , لحديث أبي ذر : صل الصلاة لوقتها , فإن أقيمت وأنت في المسجد ; فصل , ولا تقل : إني صليت , فلا أصلي رواه مسلم . وتكون هذه الصلاة في حقه نافلة ; كما جاء في الحديث الآخر من قوله صلى الله عليه وسلم للرجلين اللذين أمرهما النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة : فإنهما لكما نافلة ولئلا يكون قعوده والناس يصلون ذريعة إلى إساءة الظن به وأنه ليس من المصلين . ومن أحكام صلاة الجماعة , أنها إذا أقيمت الصلاة - أي : إذا شرع المؤذن في إقامة الصلاة - ; لم يجز الشروع في صلاة نافلة لا راتبة ولا تحية مسجد ولا غيرها , لقوله عليه الصلاة والسلام : إذا أقيمت الصلاة , فلا صلاة إلا المكتوبة رواه مسلم , وفي رواية : فلا صلاة إلا التي أقيمت فلا تنعقد صلاة النافلة التي أحرم فيها بعد إقامة الفريضة التي يريد أن يفعلها مع ذلك الإمام الذي أقيمت له . قال الإمام النووي رحمه الله : " والحكمة أن يتفرغ للفريضة من أولها , فيشرع فيها عقب شروع الإمام , والمحافظة على مكملات الفريضة أولى من التشاغل بالناقلة , ولأنه نهى صلى الله عليه وسلم عن الاختلاف على الأئمة , ولحصول تكبيرة الإحرام , ولا تحصل فضيلتها المنصوصة إلا بشهود تحريم الإمام " .
وإن أقيمت الصلاة وهو في صلاة نافلة قد أحرم بها من قبل ; أتمها خفيفة , ولا يقطعها ; إلا أن يخشى فوات الجماعة ; لقول الله تعالى : وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ فإن خشي فوت الجماعة , قطع النافلة ; لأن الفرض أهم .
باب في الأحكام التي تتعلق بالمسبوق
الصحيح من قولي العلماء أن المسبوق لا يدرك صلاة الجماعة ; إلا بإدراك ركعة , فإن أدرك أقل من ذلك ; لم يكن مدركا للجماعة , لكن يدخل مع الإمام فيما أدرك , وله بنيته أجر الجماعة , كما إذا وجدهم قد صلوا ; فإن له بنيته أجر من صلى في جماعة ; كما وردت به الأحاديث ; أن من نوى الخير ولم يتمكن من فعله ; كتب له مثل أجر من فعله .
وتدرك الركعة بإدراك الركوع على الصحيح ; لقوله صلى الله عليه وسلم : من أدرك الركوع , فقد أدرك الركعة رواه أبو داود , ولما في " الصحيح " من حديث أبي بكرة , وقد جاء والنبي صلى الله عليه وسلم في الركوع , فركع دون الصف , ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة الركعة , فدل على الاجتراء بها .
فإذا أدرك الإمام راكعا فإنه يكبر تكبيرة الإحرام قائما , ثم يركع معه بتكبيرة ثانية , هذا هو الأفضل , وإن اقتصر على تكبيرة الإحرام ; أجزأته عن تكبيرة الركوع ; فتكبيرة الإحرام , لا بد من الإتيان بها وهو قائم , وأما تكبيرة الركوع ; فمن الأفضل الإتيان بها بعدها . وإذا وجد المسبوق الإمام على أي حال من الصلاة ; دخل معه ; لحديث أبي هريرة وغيره : إذا جئتم إلى الصلاة , ونحن سجود , فاسجدوا , ولا تعدوها شيئا فإذا سلم الإمام التسليمة الثانية ; قام المسبوق ليأتي بما فاته من الصلاة , ولا يقوم قبل التسليمة الثانية . وما أدرك المسبوق مع إمامه ; فهو أول صلاته على القول الصحيح , وما يأتي به بعد سلام الإمام هو آخرها ; لقوله عليه الصلاة والسلام : وما فاتكم ;فأتموا وهو رواية الجمهور للحديث , وإتمام الشيء لا يأتي إلا بعد تقدم أوله , ورواية : وما فاتكم ; فاقضوا لا تخالف رواية : " فأتموا " لأن القضاء يراد به الفعل , لقوله تعالى : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ وقوله تعالى : فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فيحمل قوله : " فاقضوا " على الأداء والفراغ . .. , والله أعلم .
وإذا كانت الصلاة جهرية ; وجب على المأموم أن يستمع لقراءة الإمام , ولا يجوز له أن يقرأ وإمامه يقرأ , لا سورة الفاتحة ولا غيرها ; لقوله تعالى : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
قال الإمام أحمد رحمه الله : " أجمعوا على أن هذه الآية في الصلاة " . فلو أن القراءة تجب على المأموم ; لما أمر بتركها لسنة الاستماع , ولأنه إذا انشغل المأموم بالقراءة ; لم يكن لجهر الإمام فائدة , ولأن تأمين المأموم على قراءة الإمام ينزل منزلة قراءتها ; فقد قال تعالى لموسى وهارون : قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا وقد دعا موسى , فقال . : رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الآية , وأمن هارون على دعائه , فنزل تأمينه منزلة من دعا , فقال تعالى : قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فدل على أن من أمن على دعاء ; فكأنما قاله .
أما إذا كانت الصلاة سرية , أو كان المأموم لا يسمع الإمام ; فإنه يقرأ الفاتحة في هذه الحال , وبهذا تجتمع الأدلة ; أي : وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة السرية دون الجهرية . .. والله أعلم .
ومن أحكام صلاة الجماعة المهمة وجوب اقتداء المأموم بالإمام بالمتابعة التامة له , وتحريم مسابقته ; لأن المأموم متبع لإمامه , مقتد به , والتابع المقتدي لا يتقدم على متبوعه وقدوته :
وقد قال صلى الله عليه وسلم أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار , أو يجعل صورته صورة حمار ؟ ! متفق عليه , فمن تقدم على إمامه ; كان كالحمار الذي لا يفقه ما يراد بعمله , ومن فعل ذلك ; استحق العقوبة . وفي الحديث الصحيح : إنما جعل الإمام ليؤتم به ; فلا تركعوا حتى يركع , ولا تسجدوا حتى يسجد وروى الإمام أحمد وأبو داود : إنما جعل الإمام ليؤتم به , فإذا ركع ; فاركعوا , ولا تركعوا حتى يركع , وإذا سجد ; فاسجدوا , ولا تسجدوا حتى يسجد
وكان الصحابة خلف النبي صلى الله عليه وسلم لا يحني أحد منهم ظهره حتى يقع رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدا , ثم يقعون سجودا بعده .و لما رأى عمر رضي الله عنه رجلا يسابق الإمام ; ضربه , وقال : لا وحدك صليت , ولا بإمامك اقتديت وهذا شيء يتساءل فيه أو يتجاهله بعض المصلين , فيسابقون الإمام , ويتعرضون للوعيد الشديد , بل يخشى أن لا تصح صلاتهم .
وروى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم , أنه قال : لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " مسابقة الإمام حرام باتفاق الأئمة , لا يجوز لأحد أن يركع قبل إمامه , ولا يرفع قبله , ولا يسجد قبله , وقد استفاضت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك " .
ومسابقة الإمام تلاعب من الشيطان ببعض المصلين حتى يخل بصلاته , وإلا ; فماذا يستفيد الذي يسابق الإمام ; لأنه لن يخرج من الصلاة إلا بعد سلام الإمام ؟ !
فيجب على المسلم أن يتنبه لذلك , وأن يكون ملتزما لأحكام الائتمام والاقتداء .
نسأل الله للجميع الفقه في دينه والبصيرة في أحكامه , إنه سميع مجيب ; فإنه من يرد الله به خيرا ; يفقهه في الدين .
باب في حكم حضور النساء إلى المساجد
إن ديننا كامل وشامل لمصالحنا في الدنيا والآخرة , جاء بالخير للمسلمين رجالا ونساء : مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فهو قد اهتم بشأن المرأة , ووضعها موضع الإكرام والاحترام , إن هي تمسكت بهديه , وتحلت بفضائله . ومن ذلك أنه سمح لها بالحضور إلى المساجد للمشاركة في الخير من صلاة الجماعة وحضور مجالس الذكر مع الاحتشام والتزام الاحتياطات التي تبعدها عن الفتنة وتحفظ لها كرامتها . فإذا استأذنت إلى المسجد ; كره منعها , قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله , وبيوتهن خير لهن , وليخرجن تفلات رواه أحمد وأبو داود , وذلك لأن أداء الصلاة المكتوبة في جماعة فيها فضل كبير للرجال والنساء , وكذلك المشي إلى المسجد , وفي " الصحيحين " وغيرهما : إذا استأذنت نساؤكم بالليل إلى المسجد ; فأذنوا لهن ووجه كونها تستأذن الزوج في ذلك , لأن ملازمة البيت حق للزوج , وخروجها للمسجد في تلك الحال مباح ; فلا تترك الواجب لأجل مباح , فإذا أذن الزوج , فقد أسقط حقه , وقوله صلى الله عليه وسلم : وبيوتهن خير لهن أي : خير لهن من الصلاة في المساجد , وذلك لأمن الفتنة بملازمتهن البيوت . وقوله صلى الله عليه وسلم : وليخرجن تفلات أي : غير متطيبات , وإنما أمرن بذلك ; لئلا يفتن الرجال بطيبهن , ويصرفوا أنظارهم إليهن , فيحصل بذلك الافتتان بهن , ويلحق بالطيب ما كان بمعناه كحسن الملبس وإظهار الحلي , فإن تطيبت أو لبست ثياب زينة ; حرم عليها ذلك , ووجب منعها من الخروج , وفي " صحيح مسلم " وغيره : أيما امرأة أصابت بخورا ; فلا تشهدن معنا العشاء الأخير
وكذلك إذا خرجت المرأة إلى المسجد ; فلتبتعد عن مزاحمة الرجال .
-147- قال الإمام ابن القيم رحمه الله : " يجب على ولي الأمر أن يمنع من اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق ومجامع الرجال , وهو مسئول عن ذلك , والفتنة به عظيمة , كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء . .. إلى أن قال : " يجب عليه منعهن متزينات متجملات , ومنعهن من الثياب التي يكن بها كاسيات عاريات كالثياب الواسعة الرقاق , ومنعهن من حديث الرجال ; أي : التحدث إليهم في الطرقات , ومنع الرجال من ذلك " انتهى .
فإذا تمسكت المرأة بآداب الإسلام من لزوم الحياء , والتستر , وترك الزينة والطيب , والابتعاد عن مخالطة الرجال , أبيح لها الخروج إلى المسجد لحضور الصلاة والاستماع للتذكير , وبقاؤها في بيتها خير لها من الخروج في تلك الحال ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : وبيوتهن خير لهن
وأجمع المسلمون على أن صلاة المرأة في بيتها خير لها من الصلاة في المسجد ; ابتعادا عن الفتنة , وتغليبا لجانب السلامة , وحسما لمادة الشر .
أما إذا لم تلتزم بآداب الإسلام , ولم تجتنب ما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم من استعمالها الزينة والطيب للخروج , فخروجها للمسجد حينئذ حرام , ويجب على وليها وذوي السلطة منعها منه . وفي " الصحيحين " من حديث عائشة رضي الله عنها : " لو رأى ( تعني :
الرسول صلى الله عليه وسلم ) ما رأينا , لمنعهن من المسجد كما منعت بنو إسرائيل فخروج المرأة إلى المساجد مراعى فيه المصلحة واندفاع المفسدة , فإذا كان جانب المفسدة أعظم ; منعت .
وإذا كان هذا الشأن في خروجها للمسجد ; فخروجها لغير المسجد من باب أولى أن تراعى فيه الحيطة والابتعاد عن مواطن الفتنة . -147- وإذا كان هناك اليوم قوم ينادون بخروج المرأة لمزاولة الأعمال الوظيفية كما هو شأنها في الغرب ومن هم على شاكلة الغرب ; فإن هؤلاء يدعون إلى الفتنة , ويقودون المرأة إلى شقائها وسلب كرامتها . .. فالواجب إيقاف هؤلاء عند حدهم , وكف ألسنتهم وأقلامهم عن هذه الدعوى الجاهلية , وكفى ما وقعت فيه المرأة في بلاد الغرب ومن حذا حذوها من ويلات , وتورطت فيه من واقع مؤلم , تئن له مجتمعاتهم , وليكن لنا فيهم عبرة , فالسعيد من وعظ بغيره . وليس لهؤلاء من حجة يبررون بها دعوتهم ; إلا قولهم : إن نصف المجتمع معطل عن العمل , وبهذا يريدون أن تشارك المرأة الرجل في عمله وتزاحمه فيه جنبا إلى جنب , ونسوا أو تناسوا أو تجاهلوا ما تقوم به المرأة من عمل جليل داخل بيتها , وما تؤديه للمجتمع من خدمة عظيمة , لا يقوم بها غيرها , تناسب خلقتها , وتتمشى مع فطرتها ; فهي الزوجة التي يسكن إليها زوجها , وهي الأم والحامل والمرضع , وهي المربية للأولاد , وهي القائمة بعمل البيت , فلو أنها أخرجت من البيت , وشاركت الرجال في أعمالهم , من ذا سيقوم بهذه الأعمال ؟ ! إنها ستتعطل , ويومها سيفقد المجتمع نصفه الثاني ; فماذا يغنيه النصف الباقي ؟ ! سيختل بنيانه , وتتداعى أركانه . إننا نقول لهؤلاء الدعاة : ثوبوا إلى رشدكم , ولا تكونوا ممن بدلوا نعمة الله كفرأ وأحلوا قومهم دار البوار , كونوا دعاة بناء ولا تكونوا دعاة هدم . أيتها المرأة المسلمة ! تمسكي بتعاليم دينك , ولا تغرنك دعايات المضللين الذين يريدون سلب كرامتك التي بوأك منزلتها دين الإسلام , وليس غير الإسلام , ومن يبغ غير الإسلام دينا ; فلن يقبل منه , وهو في الأخرى من الخاسرين . وفقنا الله جميعا لما فيه الخير والصلاح في الدنيا والآخرة .
باب في بيان أحكام الإمامة
هذه الوظيفة الدينية المهمة التي تولاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وتولاها خلفاؤه الراشدون .
وقد جاء في فضل الإمامة أحاديث كثيرة ; منها : قوله صلى الله عليه وسلم : ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة وذكر أن منهم رجلا أم قوما وهم به راضون , وفي الحديث الآخر , أن له من الأجر مثل أجر من صلى خلفه ولهذا ; كان بعض الصحابة رضي الله عنهم يقول للنبي صلى الله عليه وسلم : اجعلني إمام قومي ; لما يعلمون في ذلك من الفضيلة والأجر .
لكن مع الأسف الشديد ; نرى في وقتنا هذا كثيرا من طلبة العلم يرغبون عن الإمامة , ويزيدون فيها , ويتخلون عن القيام بها , إيثارا للكسل وقلة رغبة في الخير , وما هذا إلا تخذيل من الشيطان .
فالذي ينبغي لهم القيام بها بجد ونشاط واحتساب للأجر عند الله ; فإن طلبة العلم أولى الناس بالقيام بها وبغيرها من الأعمال الصالحة .
وكلما توافرت مؤهلات الإمامة في شخص ; كان أولى بالقيام بها ممن هو دونه , بل يتعين عليه القيام بها إذا لم يوجد غيره :
- فالأولى بالإمامة الأجود قراءة لكتاب الله تعالى , وهو الذي يجيد قراءة القرآن , بأن يعرف مخارج الحروف , ولا يلحن فيها , ويطبق قواعد القراءة من غير تكلف ولا تنطع , ويكون مع ذلك يعرف فقه صلاته وما يلزم فيها ; كشروطها وأركانها وواجباتها ومبطلاتها , لقوله صلى الله عليه وسلم : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وما ورد بمعناه من الأحاديث الصحيحة , مما يدل على أنه يقدم في الإمامة الأجود قراءة للقرآن الكريم , الذي يعلم فقه الصلاة ; لأن الأقرأ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يكون أفقه .
- فإذا استووا في القراءة , قدم الأفقه ( أي : الأكثر فقها ) ; لجمعه بين ميزتين : القراءة والفقه , لقوله صلى الله عليه وسلم : فإن كانوا في القراءة سواء ; فأعلمهم بالسنة أي : أفقههم في دين الله , ولأن احتياج المصلي إلى الفقه أكثر من احتياجه إلى القراءة ; لأن ما يجب في الصلاة من القراءة محصور , وما يقع فيها من الحوادث غير محصور .
- فإذا استووا في الفقه والقراءة , قدم الأقدم هجرة , والهجرة الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام .
- فإذا استووا في القراءة والفقه والهجرة ; قدم الأكبر سنا ; لقوله صلى الله عليه وسلم : وليؤمكم أكبركم متفق عليه , لأن كبر السن في الإسلام فضيلة , ولأنه أقرب إلى الخشوع وإجابة الدعاء .
والدليل على هذا الترتيب الحديث الذي رواه مسلم عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ; قال : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله , فإن كانوا في القراءة سواء , فأعلمهم بالسنة , فإن كانوا في السنة سواء ; فأقدمهم هجرة , فإن كانوا في الهجرة سواء ; فأقدمهم سنا
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " فقدم النبي صلى الله عليه وسلم بالفضيلة بالعلم بالكتاب والسنة , فإن استووا في العلم ; قدم بالسبق إلى العمل الصالح , وقدم السابق باختياره إلى العمل الصالح ( وهو المهاجر ) على من سبق بخلق الله وهو كبر السن " انتهى .
وهناك اعتبارات يقدم أصحابها في الإمامة على من حضر ولو كان أفضل منه , وهي :
أولا : إمام المسجد الراتب إذا كان أهلا للإمامة ; لم يجز أن يتقدم عليه غيره , ولو كان أفضل منه ; إلا بإذنه .
ثانيا : صاحب البيت إذا كان يصلح للإمامة ; لم يجز أن يتقدم عليه أحد في الإمامة ; إلا بإذنه .
ثالثا : السلطان , وهو الإمام الأعظم أو نائبه , فلا يتقدم عليه أحد في الإمامة , إلا بإذنه , إذا كان يصلح للإمامة .
والدليل على تقديم أصحاب هذه الاعتبارات على غيرهم ما رواه أبو داود من قوله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا في سلطانه وفي " صحيح مسلم " : ولا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا في سلطانه إلا بإذنه وسلطانه محل ولايته أو ما يملكه .
قال الخطابي : " معناه : أن صاحب المنزل أولى بالإمامة في بيته إذا كان من القراءة أو العلم بمحل يمكنه أن يقيم الصلاة , وإذا كان إمام المسجد قد ولاه السلطان أو نائبه أو اتفق على تقديمه أهل المسجد ; فهو أحق ; لأنها ولاية خاصة , ولأن التقدم عليه يسيء الظن به , وينفر عنه "
مما تقدم يتبين لك شرف الإمامة في الصلاة وفضلها ومكانتها في الإسلام ; لأن الإمام في الصلاة قدوة , والإمامة مرتبة شريفة ; فهي سبق إلى الخير , وعون على الطاعة وملازمة الجماعة , وبها تعمر المساجد بالطاعة , وهي داخلة في عموم قوله تعالى فيما حكاه من دعاء عباد الرحمن : وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
فالإمامة في الصلاة من الإمامة في الدين , ولا سيما إذا كان الإمام يبذل النصح والوعظ والتذكير لمن يحضره في المسجد , فإنه بذلك من الدعاة إلى -152- الله , الذين يجمعون بين صالح القول والعمل , وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ فلا يرغب عن القيام بالإمامة إلا محروم , ولا حول ولا قوة إلا بالله .
باب في من لا تصح إمامته في الصلاة
إن الإمامة في الصلاة مسئولية كبرى , وكما أنها تحتاج إلى مؤهلات يجب توافرها في الإمام أو يستحب تحليه بها ; كذلك يجب أن يكون الإمام سليما من صفات تمنعه من تسنم هذا المنصب أو تنقص أهليته له :
فلا يجوز أن يولى الفاسق إمامة الصلاة , والفاسق هو من خرج عن حد الاستقامة بارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب التي هي دون الشرك .
والفسق نوعان : فسق عملي , وفسق اعتقادي : فالفسق العملي : كارتكاب فاحشة الزنى , والسرقة , وشرب الخمر . .. ونحو ذلك . والفسق الاعتقادي : كالرفض , والاعتزال , والتجهم .
فلا يجوز تولية إمامة الصلاة الفاسق , لأن الفاسق لا يقبل خبره , قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا فلا يؤمن على شرائط الصلاة وأحكامها , ولأنه يكون قدوة سيئة لغيره ; ففي توليته مفاسد .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تؤمن امرأة رجلا , ولا أعرابيا مهاجرا , ولا فاجر مومنا ; إلا أن يقهره بسلطان يخاف سوطه رواه ابن ماجه , والشاهد منه قوله : " ولا فاجر مؤمنا " والفجور هو العدول عن الحق . فالصلاة خلف الفاسق منهي عنها , ولا يجوز تقديره مع القدرة على ذلك ; فيحرم على المسئولين تنصيب الفاسق إماما للصلوات ; لأنهم مأمورون بمراعاة المصالح ; فلا يجوز لهم أن يوقعوا الناس في صلاة مكروهة , بل قد اختلف العلماء في صحة الصلاة خلف الفاسق , وما كان كذلك ; وجب تجنيب الناس من الوقوع فيه . ولا تصح إمامة العاجز عن ركوع أو سجود أو قعود ; إلا بمثله ; أي : مساويه في العجز عن ركن أو شرط , وكذا لا تصح إمامة العاجز عن القيام لقادر عليه ; إلا إذا كان العاجز عن القيام إماما راتبا لمسجد , وعرض له عجز عن القيام يرجى زواله ; فتجوز الصلاة خلفه , ويصلون خلفه في تلك الحال جلوسا ; لقول عائشة رضي الله عنها : صلى النبي صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاك , فصلى جالسا , وصلى وراءه قوم قياما , فأشار إليهم أن اجلسوا , فلما انصرف , قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به . .. الحديث , وفيه : وإذا صلى جالسا ; فصلوا جلوسا أجمعون وذلك لأن الإمام الراتب يحتاج إلى تقديمه .
ولو صلوا خلفه قياما أو صلى بعضهم قائما في تلك الحالة ; صحت صلاتهم على الصحيح , وإن استخلف الإمام في تلك الحال من يصلي بهم قائما ; فهو أحسن ; خروجا من الخلاف , ولأن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف ; فقد فعل الأمرين ; بيانا للجواز , والله أعلم .
ولا تصح إمامة من حدثه دائم ; كمن به سلس أو خروج ريح أو نحوه مستمر ; إلا بمن هو مثله في هذه الآفة , أما الصحيح ; فلا تصح صلاته خلفه ; لأن في صلاته خللا غير مجبور ببدل ; لأنه يصلي مع خروج النجاسة المنافي للطهارة , وإنما صحت صلاته للضرورة , وبمثله لتساويهما في خروج الخارج المستمر . وإن صلي خلف محدث أو متنجس ببدنه أو ثوبه أو بقعته , ولم يكونا يعلمان بتلك النجاسة أو الحدث حتى فرغ من الصلاة ; صحت صلاة المأموم دون الإمام ; لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا صلى الجنب بالقوم ; أعاد صلاته , وتمت للقوم صلاتهم
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " وبذلك مضت سنة الخلفاء الراشدين ; فإنهم صلوا بالناس , ثم رأوا الجنابة بعد الصلاة , فأعادوا , ولم يأمروا الناس -155- بالإعادة , وإن علم الإمام أو المأموم بالحدث أو النجاسة في أثناء الصلاة ; بطلت صلاتهم " . ولا تصح إمامة الأمي , والمراد به هنا من لا يحفظ سورة الفاتحة أو يحفظها ولكن لا يحسن قراءتها ; كأن يلحن فيها لحنا يحيل المعنى ; ككسر كاف ( إياك ) , وضم تاء ( أنعمت ) , وفتح همزة ( اهدنا ) , أو يبدل حرفا بغيره , وهو الألثغ , كمن يبدل الراء غينا أو لاما , أو السين تاء . .. ونحو ذلك ; فلا تصح إمامة الأمي إلا بأمي مثله ; لتساويهما , إذا كانوا عاجزين عن إصلاحه , فإن قدر الأمي على الإصلاح لقراءته , لم تصح صلاته ولا صلاة من صلى خلفه ; لأنه ترك ركنا مع القدرة عليه . ويكره أن يؤم الرجل قوما أكثرهم يكرهه بحق ; بأن تكون كراهتهم لها مبرر من نقص في دينه ; لقوله صلى الله عليه وسلم : ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم : العبد الأبق حتى يرجع , وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط , وإمام قوم وهم له كارهون رواه الترمذي وحسنه .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " إذا كانوا يكرهونه لأمر في دينه , مثل كذبه أو ظلمه أو جهله أو بدعته ونحو ذلك , ويحبون آخر أصلح منه في دينه ; مثل أن يكون أصدق أو أعلم أو أدين ; فإنه يجب أن يولى عليهم هذا الذي يحبونه , وليس لذلك الرجل الذي يكرهونه أن يؤمهم ; كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم ; أنه قال : ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم : رجل أم قوما وهم له كارهون , ورجل لا يأتي الصلاة إلا دبارا , ورجل اعتبد محررا
وقال أيضا : " إذا كان بينهم معاداة من جنس معاداة أهل الأهواء -156- والمذاهب ; لم ينبغ أن يؤمهم , لأن المقصود بالصلاة جماعة أن يتم الائتلاف , وقال عليه الصلاة والسلام : لا تختلفوا , فتختلف قلوبكم ا ه . أما إذا كان الإمام ذا دين وسنة , وكرهوه لذلك ; لم تكره الإمامة في حقه , وإنما العتب على من كرهه . وعلى كل ; فينبغي الائتلاف بين الإمام والمأمومين , والتعاون على البر والتقوى , وترك التشاحن والتباغض تبعا للأهواء والأغراض الشيطانية ; فيجب على الإمام أن يراعي حق المأمومين , ولا يشق عليهم , ويحترم شعورهم , ويجب على المأمومين أن يراعوا حق الإمام , ويحترموه , وبالجملة ; فينبغي لكل منهما أن يتحمل ما يواجهه من الآخر من بعض الانتقادات التي لا تخل بالدين والمروءة , والإنسان معرض للنقص :
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلا أن تعد معايبه

هذا ; ونسأل الله للجميع الهداية والتوفيق .
باب في ما يشرع للإمام في الصلاة
الإمام عليه مسئولية عظمى , وهو ضامن , وله الخير الكثير إن أحسن , وفضل الإمامة مشهور , تولاها النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه , ولم يختاروا لها إلا الأفضل , وفي الحديث : ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة : رجل أم قوما وهم به راضون الحديث , وفي الحديث الآخر أن له من الأجر مثل أجر من صلى خلفه . ومن علم من نفسه الكفاءة ; فلا مانع من طلبه للإمامة ; فقد قال أحد الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم : اجعلني إمام قومي . قال : " أنت إمامهم , واقتد بأضعفهم ويشهد لذلك أيضا قوله تعالى : وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
وينبغي لمن تولى الإمامة أن يهتم بشأنها , وأن يوفيها حقها ما استطاع , وله في ذلك الأجر العظيم , ويراعي حالة المأمومين , ويقدر ظروفهم , ويتجنب إحراجهم , ويرغبهم ولا ينفرهم ; عملا بقوله عليه الصلاة والسلام : إذا صلى أحدكم بالناس ; فليخفف ; فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة , وإذا صلى لنفسه ; فليطول ما شاء رواه الجماعة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه , وفي " الصحيح " من حديث أبي مسعود : أيها الناس إن منكم منفرين , فأيكم أم الناس ; فليوجز ; فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة ويقول أحد الصحابة . " ما صليت خلف إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي صلى الله عليه وسلم " وهو القدوة في ذلك وفي غيره . قال الحافظ : " من سلك طريق النبي صلى الله عليه وسلم في الإيجاز والإتمام ; لا يشتكى منه تطويل , والتخفيف المطلوب هو التخفيف الذي يصحبه إتمام الصلاة بأداء أركانها وواجباتها وسننها على الوجه المطلوب , والتخفيف المأمور به أمر نسبي يرجع إلى ما فعله صلى الله عليه وسلم وواظب عليه وأمر به , لا إلى شهوة المأمومين. قال بعض العلماء : ومعنى التخفيف المطلوب : هو الاقتصار على أدنى الكمال من التسبيح وسائر أجزاء الصلاة , وأدنى الكمال في التسبيح في الركوع والسجود هو أن يأتي بثلاث تسبيحات , وإذا آثر المأمومون التطويل , وعددهم ينحصر , بحيث يكون رأيهم في طلب التطويل واحدا ; فلا بأس أن يطول الإمام الصلاة ; لاندفاع المفسدة , وهي التنفير . قال الإمام ابن دقيق العيد : " قول الفقهاء : " لا يزيد الإمام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات " ; لا يخالف ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ; أنه كان يزيد على ذلك ; لأن رغبة الصحابة في الخير . تقتضي أن لا يكون ذلك تطويلا " انتهى .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : " ليس له أن يزيد على قدر المشروع , وينبغي أن يفعل غالبا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله غالبا , ويزيد وينقص للمصلحة ; كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يزيد وينقص أحيانا للمصلحة " . وقال النووي : " قال العلماء : واختلاف قدر القراءة في الأحاديث كان بحسب الأحوال , وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم من حال المؤمنين في وقت أنهم يؤثرون التطويل ; فيطول بهم , وفي وقت لا يؤثرونه لعذر ونحوه ; فيخفف , وفي وقت يريد إطالتها , فيسمع بكاء الصبي , فيخفف كما ثبت ذلك في الصحيح " انتهى .
ويكره أن يخفف الإمام في الصلاة تخفيفا لا يتمكن معه المأموم من الإتيان بالمسنون ; كقراءة السورة , والإتيان بثلاث تسبيحات في الركوع والسجود . ويسن أن يرتل القراءة , ويتمهل في التسبيح والتشهد بقدر ما يتمكن من خلفه من الإتيان بالمسنون من التسبيح ونحوه , وأن يتمكن من ركوعه وسجوده . ويسن للإمام أن يطيل الركعة الأولى ; لقول أبي قتادة : كان النبي صلى الله عليه وسلم يطول في الركعة الأولى متفق عليه . ويستحب للإمام إذا أحس بداخل وهو في الركوع أن يطيل الركوع حتى يلحقه الداخل فيه ويدرك الركعة ; إعانة له على ذلك ; لما رواه أحمد وأبو داود من حديث ابن أبي أوفى في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ; أنه كان يقول في الركعة الأولى من صلاة الظهر , حتى لا يسمع وقع قدم . ما لم يشق هذا الانتظار على مأموم , فإن شق عليه ; تركه , لأن حرمة الذي معه أعظم من حرمة الذي لم يدخل معه . وبالجملة ; فيجب على الإمام أن يراعي أحوال المأمومين , ويراعي إتمام الصلاة وإتقانها , ويكون مقتديا بهدي النبي صلى الله عليه وسلم , عاملا بوصاياه وأوامره ; ففيها الخير للجميع . وبعض الأئمة قد يتساهل في شأن الإمامة ومسئوليتها , ويتغيب كثيرا عن المسجد , أو يتأخر عن الحضور , مما يحرج المأمومين , ويسبب الشقاق , ويشوش على المصلين , ويكون هذا الإمام قدوة سيئه للكسالى والمتساهلين بالمسئولية ; فمثل هذا يجب الأخذ على يده , حتى يواظب على أداء مهمته بحزم , ولا ينفر المصلين , ويعطل إمامة المسجد , أو ينحى عن الإمامة إذا لم يراجع صوابه . اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه .
باب في صلاة أهل الأعذار
أهل الأعذار هم المرضى والمسافرون والخائفون الذين لا يتمكنون من أداء الصلاة على الصفة التي يؤديها غير المعذور , فقد خفف الشارع عنهم , وطلب منهم أن يصلوا حسب استطاعتهم , وهذا من يسر هذه الشريعة وسماحتها , فقد جاءت برفع الحرج :
قال الله تعالى : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
وقال تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
وقال تعالى : لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا
وقال تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أمرتكم بأمر ; فأتوا منه ما استطعتم . .. إلى غير ذلك من النصوص التي تبين فضل الله على عباده وتيسيره في تشريعه .
ومن ذلك ما نحن بصدد الحديث عنه , وهو ; كيف يصلي من قام به عذر من مرض أو سفر أو خوف ؟
أولا : صلاة المريض
إن الصلاة لا تترك أبدا ; فالمريض يلزمه أن يؤدي الصلاة قائما , وإن احتاج إلى الاعتماد على عصا ونحوه في قيامه ; فلا بأس بذلك ; لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
فإن لم يستطع المريض القيام في الصلاة ; بأن عجز عنه أو شق عليه أو خيف من قيامه زيادة مرض أو تأخر برء ; فإنه - والحالة ما ذكر - يصلي قاعدا .
ولا يشترط لإباحة القعود في الصلاة تعذر القيام , ولا يكفي لذلك أدنى مشقة , بل المعتبر المشقة الظاهرة .
وقد أجمع العلماء على أن من عجز عن القيام في الفريضة ; صلاها قاعدا , ولا إعادة عليه , ولا ينقص ثوابه , وتكون هيئة قعوده حسب ما يسهل عليه , لأن الشارع لم يطلب منه قعدة خاصة ; فكيف قعد ; جاز .
فإن لم يستطع المريض الصلاة قاعدا , بأن شق عليه الجلوس مشقة ظاهرة , أو عجز عنه , فإنه يصلي على جنبه , ويكون وجهه إلى القبلة , والأفضل أن يكون على جنبه الأيمن , وإن لم يكن عنده من يوجهه إلى القبلة , ولم يستطع التوجه إليها بنفسه ; صلى على حسب حاله , إلى أي جهة تسهل عليه .
فإذا لم يقدر المريض أن يصلي على جنبه ; تعين عليه أن يصلي على ظهره , وتكون رجلاه إلى القبلة مع الإمكان .
وإذا صلى المريض قاعدا , ولا يستطيع السجود على الأرض , أو صلى على جنبه أو على ظهره كما سبق ; فإنه يومئ برأسه للركوع والسجود , ويجعل الإيماء للسجود أخفض من الإيماء للركوع . وإذا صلى المريض جالسا وهو يستطيع السجود على الأرض ; وجب عليه ذلك , ولا يكفيه الإيماء .
والدليل على جواز صلاة المريض على هذه الكيفية المفصلة ما أخرجه البخاري وأهل السنن من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه ; قال : كانت بي بواسير , فسألت النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : " صل قائما , فإن لم تستطع ; فصل قاعدا , فإن لم تستطع ; فعلى جنبك زاد النسائي : " فإن لم تستطع , فمستلقيا لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا
وهنا يجب التنبيه على أن ما يفعله بعض المرضى ومن تجرى لهم عمليات جراحية , فيتركون الصلاة بحجة أنهم لا يقدرون على أداء الصلاة بصفة كاملة , أو لا يقدرون على الوضوء , أو لأن ملابسهم نجسة , أو غير ذلك من الأعذار , وهذا خطأ كبير ; لأن المسلم لا يجوز له ترك الصلاة . إذا عجر عن بعض شروطها أو أركانها وواجباتها , بل يصليها على حسب حاله , قال الله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
وبعض المرضى يقول : إذا شفيت ; قضيت الصلوات التي تركتها , وهذا جهل منهم أو تساهل ; فالصلاة تصلى في وقتها حسب الإمكان , ولا يجوز تأخيرها عن وقتها , فينبغي الانتباه لهذا , والتنبيه عليه , ويجب أن يكون في المستشفيات توعية دينية , وتفقد لأحوال المرضى من ناحية الصلاة وغيرها من الواجبات الشرعية التي هم بحاجة إلى بيانها .
وما سبق بيانه هو في حق من ابتدأ الصلاة معذورا , واستمر به العذر إلى الفراغ منها , وأما من ابتدأها وهو يقدر على القيام , ثم طرأ عليه العجز عنه , أو ابتدأها وهو لا يستطيع القيام , ثم قدر عليه في أثنائها , أو ابتدأها قاعدا , ثم عجز عن القعود في أثنائها , أو ابتدأها على جنب , ثم قدر على القعود ; فإنه في تلك الأحوال ينتقل إلى الحالة المناسبة له شرعا , ويتمها عليها وجوبا ; لقوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فينتقل إلى القيام من قدر عليه , وينتقل إلى الجلوس من عجز عن القيام في أثناء الصلاة . .. وهكذا .
وأن قدر على القيام والقعود , ولم يقدر على الركوع والسجود , فإنه يومئ برأسه بالركوع قائما , ويومئ بالسجود قاعدا ; ليحصل الفرق بين الإيماءين حسب الإمكان .
وللمريض أن يصلي مستلقيا مع قدرته على القيام إذا قال له طبيب مسلم ثقة : لا يمكن مداواتك إلا إذا صليت مستلقيا ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى جالسا حين جحش شقه , وأم سلمة تركت السجود لرمد بها .
ومقام الصلاة في الإسلام . عظيم ; فيطلب من المسلم , بل يحتم عليه أن يقيمها في حال الصحة وحال الأرض ; فلا تسقط عن المريض , لكنه يصليها على حسب حاله ; فيجب على المسلم أن يحافظ عليها كما أمره الله .
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه .
ثانيا : صلاة الراكب
ومن أهل الأعذار الراكب إذا كان يتأذى بنزوله للصلاة على الأرض بوحل أو مطر , أو يعجز عن الركوب وإذا نزل , أو يخشى فوات رفقته إذا نزل , أو يخاف على نفسه إذا نزل من عدو أو سبع , ففي هذه الأحوال يصلي على مركوبه ; من دابة وغيرها , ولا ينزل إلى الأرض ; لحديث يعلى بن مرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى إلى مضيق هو وأصحابه , وهو على راحلته , والسماء من فوقهم , والبلة من أسفل منهم , فحضرت الصلاة , فأمر المؤذن فأذن وأقام , ثم تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته , فصلى بهم يومئ إيماء ; يجعل السجود أخفض من الركوع " رواه أحمد والترمذي .
ويجب على من يصلي الفريضة على مركوبه لعذر مما سبق أن يستقبل القبلة إن استطاع ; لقوله تعالى : وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ويجب عليه فعل ما يقدر عليه من ركوع وسجود وإيماء بهما وطمأنينة ; لقوله تعالى . فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وما لا يقدر عليه لا يكلف به . وإن لم يقدر على استقبال القبلة ; لم يجب عليه استقبالها , وصلى على حسب حاله , وكذلك راكب الطائرة يصلي فيها بحسب استطاعته من قيام أو قعود وركوع وسجود أو إيماء بهما ; بحسب استطاعته , مع استقبال القبلة ; لأنه ممكن .
ثالثا : صلاة المسافر
ومن أهل الأعذار المسافر , فيشرع له قصر الصلاة الرباعية من أربع إلى ركعتين ; كمـا دل على ذلك الكتـاب والسنة والإجمـاع , قال الله تعالى : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ والنبي صلى الله عليـه وسلم لم يصل في السفر إلا قصرا , والقصر أفضل من الإتمام في قول جمهور العلمـاء , وفي " الصحيحين " : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ; فأقرت صلاة السفر , وزيد في صلاة الحضر وقال ابن عمر : صلاة السفر ركعتان , تمام غير قصر .
ويبدأ القصر بخروج المسافر من عامر بلده ; لأن الله أباح القصر لمن ضرب في الأرض , وقبل خروجه من بلده لا يكون ضاربا في الأرض ولا مسافرا , ولأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يقصر إذا ارتحل , ولأن لفظ السفر معناه الإسفار ; أي : الخروج إلى الصحراء , يقال : سفرت المرأة عن وجهها : إذا كشفته , فإذا لم يبرز إلى الصحراء التي ينكشف فيها من بين المساكن ; لم يكن مسافرا .
ويقصر المسافر الصلاة , ولو كان يتكرر سفره , كصاحب البريد وسيارة الأجرة ممن يتردد أكثر وقته في الطريق بين البلدان .
ويجوز للمسافر الجمع بين الظهر والعصر , والجمع بين المغرب والعشاء ; في وقت أحدهما ; فكل مسافر يجوز له القصر , فإنه يجوز له الجمع , وهو رخصة عارضة , يفعله عند الحاجة , كما إذا جد به السير ; لما روى معاذ رضي الله عنه ; أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك : إذا ارتحل قبل زيغ الشمس ; أخر الظهر حتى يجمعه إلى العصر ويصليهما جميعا , وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس ; صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار , وكان يفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء رواه أبو داود والترمذي . وإذا نزل المسافر في أثناء سفره للراحة ; فالأفضل له أن يصلي كل صلاة في وقتها قصرا بلا جمع . ويباح الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء للمريض الذي يلحقه بترك الجمع مشقة . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " وإنما كان الجمع لرفع الحرج عن الأمة , فإذا احتاجوا الجمع , جمعوا , والأحاديث كلها تدل على أنه يجمع في الوقت الواحد لرفع الحرج عن أمته , فيباح الجمع إذا كان في تركه حرج قد رفعه الله عن الأمة , وذلك يدل على الجمع للمرض الذي يحرج صاحبه بتفريق الصلاة بطريق الأولى والأحرى " اه . وقال أيضا : " يجمع المرضى كما جاءت بذلك السنة في جمع المستحاضة ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بالجمع في حديثين , ويباح الجمع لمن يعجز عن الطهارة لكل صلاة ; كمن به سلس بول , أو جرح لا يرقأ دمه , أو رعاف دائم ; قياسا على المستحاضة ; فقد قال عليه الصلاة والسلام لحمنة حين استفتته في الاستحاضة : وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر , فتغتسلين , ثم تصلين الظهر والعصر جمعا , ثم تؤخري المغرب وتعجلي العشاء , ثم تغتسلين , وتجمعين بين الصلاتين ; فافعلي رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه . ويباح الجمع بين المغرب والعشاء خاصة لحصول مطر يبل الثياب , وتوجد معه مشقة ; لأنه عليه الصلاة والسلام جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة , وفعله أبو بكر وعمر . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " يجوز الجمع للوحل الشديد والريح الشديدة الباردة في الليلة الظلماء ونحو ذلك , وإن لم يكن المطر نازلا في أصح قولي العلماء , وذلك أولى من أن يصلوا في بيوتهم , بل ترك الجمع مع الصلاة في البيوت بدعة مخالفة للسنة ; إذ السنة أن تصلى الصلوات الخمس في المساجد جماعة , وذلك أولى من الصلاة في البيوت باتفاق المسلمين , والصلاة جمعا في المساجد أولى من الصلاة في البيوت مفرقة باتفاق الأئمة الذين يجوزون الجمع , كمالك والشافعي وأحمد " انتهى .
ومن يباح له الجمع ; فالأفضل له أن يفعل الأرفق به من جمع تأخير أو جمع تقديم , والأفضل بعرفة جمع التقديم بين الظهر والعصر , وبمزدلفة الأفضل جمع التأخير بين المغرب والعشاء , لفعله عليه الصلاة والسلام , وجمع التقديم بعرفة لأجل اتصال الوقوف , وجمع التأخير بمزدلفة من أجل مواصلة السير إليها .
وبالجملة , فالجمع بين الصلاتين في عرفة ومزدلفة سنة , وفي غيرهما مباح يفعل عند الحاجة , وإذا لم تدع إليه حاجة , فالأفضل للمسافر أداء كل صلاة في وقتها ; فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع في أيام الحج إلا بعرفة ومزدلفة , ولم يجمع بمنى ; لأنه نازل , وإنما كان يجمع إذا جد به السير .
هذا ونسأل الله للجميع التوفيق للعلم النافع والعمل الصالح .
رابعا : صلاة الخوف
تشرع صلاة الخوف في كل قتال مباح ; كقتال الكفار والبغاة والمحاربين ; لقوله تعالى : إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقيس عليه الباقي ممن يجوز قتاله , ولا تجوز صلاة الخوف في قتال محرم .
والدليل على مشروعية صلاة الخوف الكتاب والسنة والإجماع :
قال الله تعالى : وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ
قال الإمام أحمد رحمه الله : " صحت صلاة الخوف عن النبي صلى الله عليه وسلم من خمسة أوجه أو ستة كلها جائزة " اهـ .
فهي مشروعة في زمنه عليه الصلاة والسلام , وتستمر مشروعيتها إلى آخر الدهر , وأجمع على ذلك الصحابة وسائر الأئمة ما عدا خلافا قليلا لا يعتد به .
وتفعل صلاة الخوف عند الحاجة إليها سفرا وحضرا , إذا خيف هجوم العدو على المسلمين ; لأن المبيح لها هو الخوف لا السفر , لكن صلاة الخوف في الحضر لا يقصر فيها عدد الركعات , وإنما تقصر فيها صفة الصلاة , وصلاة الخوف في السفر يقصر فيها عدد الركعات إذا كانت رباعية , وتقصر فيها الصفة .
وتشرع صلاة الخوف بشرطين :
الشرط الأول : أن يكون العدو يحل قتاله كما سبق .
الشرط الثاني : أن يخاف هجومه على المسلمين حال الصلاة ; لقوله تعالى : إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقوله : وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً
ومن صفات صلاة الخوف الصفة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سهل ابن أبي حثمة الأنصاري رضي الله عنه , وقد اختار الإمام أحمد العمل بها ; لأنها أشبه بالصفة المذكورة في القرآن الكريم , وفيها احتياط للصلاة واحتياط للحرب , وفيها نكاية بالعدو , وقد فعل عليه الصلاة والسلام هذه الصلاة في غزوة ذات الرقاع , وصفتها كما رواها سهل هي : أن طائفة صفت مع النبي صلى الله عليه وسلم وطائفة وجاه العدو , فصلى بالتي معه ركعة , ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم , ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو , وجاءت الطائفة الأخرى , فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته , ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم , ثم سلم بهم " متفق عليه .
ومن صفات صلاة الخوف ما روى جابر , قال : شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف , فصففنا صفين - والعدو بيننا وبين القبلة - , فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبرنا , ثم ركع وركعنا جميعا , ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا , ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه , وقال الصف المؤخر في نحر العدو , فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود , وقام الصف الذي يليه ; انحدر الصف المؤخر بالسجود , وقاموا , ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم , ثم ركع وركعنا جميعا , ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا , ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وكان مؤخرا في الركعة الأولى , وقال الصف المؤخر في نحر العدو , فلما قضى صلى الله عليه وسلم السجود , وقال الصف الذي يليه ; انحدر الصف المؤخر بالسجود , فسجدوا , ثم سلم صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعا رواه مسلم .
ومن صفات صلاة الخوف ما رواه ابن عمر , قال : صلى النبي صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة وسجدتين والأخرى مواجهة العدو , ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو , وجاء أولئك , فصلى بهم ركعة , ثم سلم , ثم قضى هؤلاء ركعة , وهؤلاء ركعة متفق عليه .
ومن صفات صلاة الخوف أن يصلي بكل طائفة صلاة , ويسلم بها , رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
ومن صفات صلاة الخوف ما رواه جابر ; قال : أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , " حتى إذا كنا بذات الرقاع " قال : " فنودي للصلاة , فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا , فصلى بالطائفة الأخرى ركعتين " قال : " فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع وللقوم ركعتان متفق عليه .
وهذه الصفات تفعل إذا لم يشتد الخوف , فإذا اشتد الخوف , بأن تواصل الطعن والضرب والكر والفر , ولم يمكن تفريق القوم وصلاتهم على ما ذكر , وحان وقت الصلاة ; صلوا على حسب حالهم , رجالا وركبانا , للقبلة وغيرها يومئون بالركوع والسجود حسب طاقتهم , ولا يؤخرون الصلاة , لقوله تعالى : فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا أي : فصلوا رجالا أو ركبانا , والرجال جمع راجل , وهو الكائن على رجليه ماشيا أو واقفا , والركبان جمع راكب .
ويستحب أن يحمل معه في صلاة الخوف من السلاح ما يدفع به عن نفسه ولا يثقله , لقوله تعالى : وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ
ومثل شدة الخوف حالة الهرب من عدو أو سيل أو سبع أو خوف فوات عدو يطلبه ; فيصلي في هذه الحالة راكبا أو ماشيا , مستقبل القبلة وغير مستقبلها , يومئ بالركوع والسجود .
ونستفيد من صلاة الخوف على هذه الكيفيات العجيبة والتنظيم الدقيق : أهمية الصلاة في الإسلام , وأهمية صلاة الجماعة بالذات ; فإنهما لم يسقطا في هذه الأحوال الحرجة ; كما نستفيد كمال هذه الشريعة الإسلامية , وأنها شرعت لكل حالة ما يناسبها , كما نستفيد نفي الحرج عن هذه الأمة , وسماحة هذه الشريعة , وصلاحيتها لكل زمان ومكان .
نسأل الله أن يرزقنا التمسك بها والوفاة عليها ; إنه سميع مجيب .
باب في أحكام صلاة الجمعة
سميت بذلك لجمعها الخلق الكثيـر , ويومها أفضل أيـام الأسبوع , ففي " الصحيحين " وغيرهما : من أفضل أيامكم يوم الجمعة وقال صلى الله عليه وسلم : نحن الآخرون الأولون السابقون يوم القيامة , بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا , ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم , فاختلفوا فيه , فهدانا الله له , والناس لنا فيه تبع وروى مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا , فكان لليهود يوم السبت , وللنصارى يوم الأحد , فجاء الله بنا , فهدانا ليوم الجمعة
شرع اجتماع المسلمين فيه لتنبيههم على عظم نعمة الله عليهم , وشرعت فيه الخطبة لتذكيرهم بتلك النعمة , وحثهم على شكرها , وشرعت فيه صلاة الجمعة في وسط النهار , ليتم الاجتماع في مسجد واحد .
وأمر الله المؤمنين بحضور ذلك الاجتماع واستماع الخطبة وإقامة تلك الصلاة , قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قال ابن القيم : " كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم تعظيم هذا اليوم وتشريفه وتخصيصه بعبادات يختص بها عن غيره , وقد اختلف العلماء , هل هو أفضل أم يوم عرفة ; على قولين , هما وجهان لأصحاب الشافعي , وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ في فجره بسورتي ( الم تنزيل ) , و هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ إلى أن قال : " وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول : إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هاتين السورتين في فجر الجمعة لأنهما تضمنتا ما كان ويكون في يومها ; فإنهما اشتملتا على خلق آدم , وعلى ذكر المعاد , وحشر العباد , وذلك يكون يوم الجمعة , وكان في قراءتهما في هذا اليوم تذكير للأمة بما كان فيه ويكون , والسجدة جاءت تبعا , ليست مقصودة حتى يقصد المصلي قراءتها حيث اتفقت ( يعني : من أي سورة ) "
ومن خصائص يوم الجمعة استحباب كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه وفي ليلته ; لقوله صلى الله عليه وسلم : أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة رواه البيهقي .
ومن أعظم خصائص يوم الجمعة صلاة الجمعة التي هي من آكد فروض الإسلام ومن أعظم مجامع المسلمين , من تركها تهاونا بها , طبع الله على قلبه . ومن خصائص يوم الجمعة الأمر بالاغتسال فيه , وهو سنة مؤكدة , ومن العلماء من يوجبه مطلقا , ومنهم يوجبه في حق من به رائحة يحتاج إلى إزالتها . ومن خصائص يوم الجمعة استحباب التطيب فيه , وهو أفضل من التطيب في غيره من أيام الأسبوع . ومن خصائص هذا اليوم ; استحباب التبكير للذهاب إلى المسجد لصلاة الجمعة , والاشتغال بالصلاة النافلة والذكر والقراءة حتى يخرج الإمام للخطبة , ووجوب الإنصات للخطبة إذا سمعها , فإن لم ينصت للخطبة , كان لاغيا , ومن لغا , فلا جمعة له , وتحريم الكلام وقت الخطبة ; ففي " المسند " مرفوعا : والذي يقول لصاحبه : أنصت , فلا جمعة له
ومن خصائص يوم الجمعة قراءة سورة الكهف في يومها ; فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم : من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة ; سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء , يضيء به يوم القيامة , وغفر له ما بين الجمعتين رواه الحاكم والبيهقي . ومن خصائص يوم الجمعة أن فيه ساعة الإجابة ; ففي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة : إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا , إلا أعطاه إياه ( وقال بيده ; يقللها )
ومن خصائص يوم الجمعة أن فيه الخطبة التي يقصد بها الثناء على الله وتمجيده والشهادة له بالوحدانية ولرسوله جمع بالرسالة وتذكير العباد . وخصائص هذا اليوم كثيرة , ذكرها الإمام ابن القيم في كتابه " زاد المعاد " , فأوصلها إلى ثلاث وثلاثين ومئة . ومع هذا ; يتساهل كثير من الناس في حق هذا اليوم , فلا يكون له مزية عندهم على غيره من الأيام , والبعض الآخر يجعل هذا اليوم وقتا للكسل والنوم , والبعض يضيعه باللهو واللعب والغفلة عن ذكر الله , حتى إنه لينقص عدد المصلين في المساجد في فجر ذلك اليوم نقصا ملحوظا ; فلا حول ولا قوة إلا بالله .
ويستحب التبكير في الذهاب إلى المسجد يوم الجمعة , فإذا دخل المسجد ; صلى تحية المسجد ركعتين . وإن كان مبكرا فأراد أن يتنفل بزيادة صلوات ; فلا مانع من ذلك ; لأن السلف كانوا يبكرون ويصلون حتى يخرج الإمام .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " والأولى لمن جاء إلى الجمعة أن يشتغل بالصلاة حتى يخرج الإمام ; لما في " الصحيح " من قوله صلى الله عليه وسلم " ثم يصلي ما كتب له " , بل ألفاظه صلى الله عليه وسلم فيها الترغيب في الصلاة إذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة من غير توقيت , وهو المأثور عن الصحابة , كانوا إذا أتوا المسجد يوم الجمعة ; يصلون من حين يدخلون ما تيسر ; فمنهم من يصلي عشر ركعات , ومنهم من يصلي اثنتي عشرة ركعة , ومنهم من يصلي ثماني ركعات , ومنهم من يصلي أقل من ذلك , ولهذا ; كان جماهير الأئمة متفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة مؤقتة بوقت مقدرة بعدد , والصلاة قبل الجمعة حسنة , وليست بسنة راتبة , وإن فعل أو ترك , لم ينكر عليه , وهذا أعدل الأقوال , وحينئذ ; فقد يكون الترك أفضل , إذا اعتقد الجهال أنها سنة راتبة " ا ه . هذا ما يتعلق بصلاة النافلة قبل صلاة الجمعة ; فليس لها راتبة قبلها , وإنما راتبتها بعدها , ففي " صحيح مسلم " : إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربع ركعات وفي " الصحيحين " : أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين والجمع بين الحديثين أنه إن صلى في بيته ; صلى ركعتين , وإن صلى في المسجد , صلى أربع ركعات , وإن شاء صلى ست ركعات ; لقول ابن عمر : و كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى الجمعة , تقدم فصلى ركعتين , ثم تقدم فصلى أربعا والأحقية في المكان في المسجد للسابق بالحضور بنفسه , وأما ما يفعله الناس من حجز مكان في المسجد , توضع فيه سجادة أو عصا أو نعلان , ويتأخر هو عن الحضور , ويحرم المتقدم من ذلك المكان , فإن ذلك عمل غير سائغ , بل صرح بعض العلماء أن لمن أتى المسجد رفع ما وضع في ذلك المكان والصلاة فيه ; لأن السابق يستحق الصلاة في الصف الأول , ولأن وضع الحمى للمكان في المسجد دون حضور من الشخص اغتصاب للمكان .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " وما يفعله كثير من الناس من تقديم مفارش ونحوها إلى المسجد يوم الجمعة قبل صلاتهم ; فهذا منهي عنه باتفاق المسلمين , بل محرم , وهل تصح صلاة على ذلك المفروش ؟ فيه قولان للعلماء ; لأنه غصب بقعة في المسجد بفرش ذلك المفروش فيها , ومنع غيره من المصلين الذين يسبقونه إلى المسجد أن يصلي في ذلك المكان , والمأمور به أن يسبق الرجل بنفسه إلى المسجد , فإذا قدم المفروش ونحوه وتأخر هو ; فقد خالف الشريعة من جهتين : من جهة تأخره وهو مأمور بالتقدم , ومن جهة غصبه لطائفة من المسجد ومنعه السابقين له , وأن يتموا الصف الأول فالأول , ثم إنه إذا حضر يتخطى رقاب الناس " ا هـ .
ومن أحكام الجمعة أن من دخل المسجد والإمام يخطب ; لم يجلس حتى يصلي ركعتين يوجز فيهما ; لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام ; فليصل ركعتين , متفق عليه زاد مسلم : وليتجوز فيهما أي : يسرع . فإن جلس ; قام فأتى بهما , لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الرجل الذي جلس قبل أن يصليهما , فقال له : قم فاركع ركعتين
ومن أحكام صلاة الجمعة أنه لا يجوز الكلام والإمام يخطب : لقوله تعالى : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قال بعض المفسرين : " إنها نزلت في الخطبة , وسميت قرانا ; لاشتمالها على القرآن " , وحتى على القول الآخر بأن الآية نزلت في الصلاة , فإنها تشمل بعمومها الخطبة . وقال صلى الله عليه وسلم : من قال صه ; فقد لغا , ومن لغا ; فلا جمعة له رواه أحمد . وفي الحديث الآخر : من تكلم , فهو كالحمار يحمل أسفارا , والذي يقول له : أنصت ; ليست له جمعة والمراد لا جمعة له كاملة . وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة : إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب ; فقد لغوت أي : قلت اللغو , واللغو الإثم , فإذا كان الذي يقول للمتكلم : أنصت - وهو في الأصل يأمر بمعروف - , قد لغا , وهو منهي عن ذلك ; فغير ذلك من الكلام من باب أولى .
ويجوز للإمام أن يكلم بعض المأمومين حال الخطبة , ويجوز لغيره أن يكلمه لمصلحة ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم كلم سائلا , وكلمه هو , وتكرر ذلك في عدة وقائع كلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة وكلموه حال الخطبة فيما فيه مصلحة وتعلم , ولأن ذلك لا يشغل عن سماع الخطبة .
ولا يجوز لمن يستمع الخطبة أن يتصدق على السائل وقت الخطبة , لأن السائل فعل ما لا يجوز له فعله ; فلا يعينه على ما لا يجوز , وهو الكلام حال الخطبة .
وتسن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعها من الخطيب , ولا يرفع صوته بها ; لئلا يشغل غيره بها .
ويسن أن يؤمن على دعاء الخطيب بلا رفع صوت . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " ورفع الصوت قدام الخطيب مكروه أو محرم اتفاقا , ولا يرفع المؤذن ولا غيره صوته بصلاة ولا غيرها " اه . ويلاحظ أن هذا الذي نبه عليه الشيخ لا يزال موجودا في بعض الأمصار , من رفع الصوت بالصلاة على الرسول أو غير ذلك من الأدعية حال الخطبة أو قبلها أو بين الخطبتين , وربما أن بعض الخطباء يأمر الحاضرين بذلك , وهذا جهل وابتداع لا يجوز فعله .
ومن دخل والإمام يخطب ; فإنه لا يسلم , بل ينتهي إلى الصف بسكينة , ويصلي ركعتين خفيفتين كما سبق , ويجلس لاستماع الخطبة , ولا يصافح من بجانبه .
ولا يجوز له العبث حال الخطبة بيد أو رجل أو لحية أو ثوب أو غير ذلك ; لقوله صلى الله عليه وسلم : من مس الحصا ; فقد لغا , ومن لغا , فلا جمعة له صححه الترمذي , ولأن العبث يمنع الخشوع . وكذلك لا ينبغي له أن يتلفت يمينا وشمالا , ويشتغل بالنظر إلى الناس , أو غير ذلك , لأن ذلك يشغله عن الاستماع للخطبة , ولكن ليتجه إلى الخطيب كما كان الصحابة رضي الله عنهم يتجهون إلى النبي صلى الله عليه وسلم حال الخطبة . وإذا عطس ; فإنه يحمد الله سرا بينه وبين نفسه . ويجوز الكلام قبل الخطبة وبعدها وإذا جلس الإمام بين الخطبتين لمصلحة , لكن لا ينبغي التحدث بأمور الدينا . وبالجملة ; فخطبتا الجمعة لهما أهمية عظيمة في الإسلام ; لما تشتملان عليه من تلاوة القرآن وذكر أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم , وتضمنهما التوجيهات النافعة والموعظة الحسنة والتذكير بأيام الله , فيجب الاهتمام بهما من قبل الخطيب ومن قبل المستمعين ; فليست خطبة الجمعة مجرد حديث عادي كالأحاديث التي تلقى في النوادي والاحتفالات والاجتماعات العادية . ومما ينبغي التنبيه عليه أن بعض المستمعين لخطبتي الجمعة يرفع صوته بالتعوذ عندما يسمع شيئا من الوعيد في الخطبة , أو يرفع صوته بالسؤال والدعاء عندما يسمع شيئا من ذكر الثواب أو الجنة , وهذا شيء لا يجوز , وهو داخل في الكلام المنهي عنه حال الخطبة .
وقد دلت النصوص على أن الكلام حال الخطبة يفسد الأجر , وأن المتكلم لا جمعة له , وأنه كالحمار يحمل أسفارا , فيجب الحذر من ذلك والتحذير منه . وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن صلاة الجمعة فرض مستقل , ليست بدلا من الظهر . قال عمر رضي الله عنه : " صلاة الجمعة ركعتان , تمام غير قصر , على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم وذلك لأنها تخالف صلاة الظهر في أحكام كثيرة , وهي أفضل من صلاة الظهر , وآكد منها , لأنه ورد على تركها زيادة تهديد , ولأن لها شروطا وخصائص ليست لصلاة الظهر , ولا تجزئ عنها صلاة الظهر ممن وجبت عليه ما لم يخرج وقتها ; فصلاة الظهر حينئذ تكون بدلا عنها . وصلاة الجمعة فرض عين على كل مسلم ذكر حر مكلف مستوطن : روى أبو داود بسنده عن طارق بن شهاب مرفوعا : الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة , إلا أربعة : عبد مملوك , أو امرأة , أو صبي , أو مريض إسناده ثقات , وصححه غير واحد . وروى الدارقطني بسنده عن جابر ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ; فعليه الجمعة يوم الجمعة ; إلا مريضا , أو مسافرا , أو صبيا , أو مملوكا قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " كل قوم مستوطنين ببناء متقارب , لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفا , تقام فيه الجمعة إذا كان مبنيا بما جرت به عادتهم من مدر أو خشب أو قصب أو جريد أو سعف أو غير ذلك , فإن أجزاء البناء ومادته لا تأثير لها في ذلك , وإنما الأصل أن يكونوا مستوطنين , ليسوا كأهل الخيام والحلل , الذين ينتجعون في الغالب مواقع القطر , وينتقلون في البقاع , وينقلون بيوتهم معهم إذا انتقلوا " انتهى .
ولا تجب الجمعة على مسافر سفر قصر لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره , فلم يصل أحد منهم الجمعة في السفر .
ومن خرج إلى البر في نزهة أو غيرها , ولم يكن حوله مسجد تقام فيه الجمعة , فلا جمعة عليه , ويصلي ظهرا .
ولا تجب على امرأة .
قال ابن المنذر وغيره : " أجمعوا أن لا جمعة على النساء , وأجمعوا أنهن إذا حضرن فصلين الجمعة ; أن ذلك يجزئ عنهن , وكذلك إذا حضرها المسافر ; أجزأته , وكذلك المريض ; لأن إسقاطها عن هؤلاء للتخفيف عنهم , ولا يجوز لمن تلزمه الجمعة السفر في يومها بعد زوال الشمس حتى يصليها , وقبل الزوال يكره السفر إن لم يكن سيصليها في طريقه "
و يشترط لصحة الجمعة
1- دخول الوقت ; لأنها صلاة مفروضة , فاشترط لها دخول الوقت كبقية الصلوات ; فلا تصح قبل وقتها ولا بعده , لقوله تعالى : إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا وأداؤها بعد الزوال أفضل وأحوط ; لأنه الوقت الذي كان يصليها فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر أوقاته , وأداؤها قبل الزوال محل خلاف بين العلماء , وآخر وقتها آخر وقت صلاة الظهر , بلا خلاف .
2 - أن يكون المصلون مستوطنين بمساكن مبنية بما جرت العادة بالبناء به ; فلا تصح من أهل الخيام وبيوت الشعر الذين ينتجعون في الغالب مواطن القطر وينقلون بيوتهم ; فقد كانت قبائل العرب حول المدينة , ولم يأمرهم النبي -179- صلى الله عليه وسلم بصلاة الجمعة .
ومن أدرك مع الإمام من صلاة الجمعة ركعة ; أتمها جمعة ; لحديث أبي هريرة مرفوعا : من أدرك ركعة من الجمعة , فقد أدرك الصلاة رواه البيهقي , وأصله في " الصحيحين " .
وإن أدرك أقل من ركعة , بأن رفع الإمام رأسه من الركعة الثانية قبل دخوله معه ; فاتته صلاة الجمعة , فيدخل معه بنية الظهر , فإذا سلم الإمام , أتمها ظهرا .
3 - ويشترط لصحة صلاة الجمعة تقدم خطبتين ; لمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليهما , وقال ابن عمر : كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين وهو قائم , يفصل بينهما بجلوس متفق عليه .
ومن شروط صحتهما : حمد الله , والشهادتان , والصلاة على رسوله , والوصية بتقوى الله , والموعظة , وقراءة شيء من القرآن , ولو آية ; بخلاف ما عليه خطب بعض المعاصرين اليوم , من خلوها من هذه الشروط أو غالبها .قال الإمام ابن القيم : " ومن تأمل خطب النبي صلى الله عليه وسلم وخطب أصحابه ; وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد , وذكر صفات الرب جل جلاله وأصول الإيمان الكلية , والدعوة إلى الله , وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقه , وأيامه التي تخوفهم من بأسه , والأمر بذكره وشكره الذي يحببهم إليه ; فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحببه إلى خلقه , ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببهم إليه , فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم .
ثم طال العهد , وخفي نور النبوة , وصارت الشرائع والأوامر رسوما تقام من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها , فجعلوا الرسوم والأوضاع سننا لا ينبغي الإخلال بها , وأخلوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها , فرصعوا الخطب بالتسجيع والفقر وعلم البديع , فنقص بل عدم حظ القلوب منها , وفات المقصود بها " .
هذا ما قاله الإمام ابن القيم في طابع الخطب في عصره , وقد زاد الأمر على ما وصف , حتى صار الغالب على الخطب اليوم أنها حشو من الكلام قليل الفائدة :
فبعض الخطباء أو كثير منهم يجعل الخطبة كأنها موضوع إنشاء مدرسي , يرتجل فيه ما حضره من الكلام بمناسبة وبدون مناسبة , ويطيل الخطبة تطويلا مملا , حتى إن بعضهم يهمل شروط الخطبة أو بعضها , ولا يتقيد بمواصفاتها الشرعية , فهبطوا بالخطب إلى هذا المستوى الذي لم تعد معه مؤدية للغرض المطلوب من التأثير والتأثر والإفادة .
وبعض الخطباء يقحم في الخطبة مواضيع لا تتناسب مع موضوعها , وليس من الحكمة ذكرها في هذا المقام , وقد لا يفهمها غالب الحضور , لأنها أرفع من مستواهم , فيدخلون فيها المواضيع الصحفية والأوضاع السياسية وسرد المجريات التي لا يستفيد منها الحاضرون .
فيا أيها الخطباء ! عودوا بالخطبة إلى الهدي النبوي , لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ركزوا مواضيعها على نصوص من القرآن والسنة التي تتناسب مع المقام , ضمنوها الوصية بتقوى الله والموعظة الحسنة , عالجوا بها أمراض مجتمعاتكم بأسلوب واضح مختصر , أكثروا فيها من قراءة القرآن العظيم الذي به حياة القلوب ونور البصائر .
إنه ليس المقصود وجود خطبتين فقط , بل المقصود أثرهما في المجتمع ; كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " لا يكفي في الخطبة ذم الدنيا وذكر الموت , لأنه لا بد من اسم الخطبة عرفا بما يحرك القلوب ويبعث بها إلى الحير , وذم الدنيا والتحذير منها مما تواصى به منكرو الشرائع , بل لا بد من الحث على الطاعة , والزجر عن المعصية , والدعوة إلى الله , والتذكير بآلائه " , وقال . " ولا تحصل الخطبة باختصار يفوت به المقصود , وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب , احمرت عيناه , وعلا صوته , واشتد غضبه , حتى كأنه منذر جيش , يقول : صبحكم ومساكم " اه .
وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله أنه يسن في خطبتي الجمعة أن يخطب على منبر ; لفعله عليه الصلاة والسلام , ولأن ذلك أبلغ في الإعلام وأبلغ في الوعظ حينما يشاهد الحضور الخطيب أمامهم .
قال النووي رحمه الله : " واتخاذه سنة مجمع عليها " .
ويسن أن يسلم الخطيب على المأمومين إذا أقبل عليهم ; لقول جابر : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر , سلم رواه ابن ماجه وله شواهد .
ويسن أن يجلس على المنبر إلى فراغ المؤذن , لقول ابن عمر : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن , ثم يقوم فيخطب رواه أبو داود .
ومن سنن خطبتي الجمعة أن يجلس بينهما , لحديث ابن عمر : كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين وهو قائم , يفصل بينهما بجلوس متفق عليه .
ومن سننهما أن يخطب قائما ; لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم , ولقوله تعالى : وَتَرَكُوكَ قَائِمًا وعمل المسلمين عليه .
ويسن أن يعتمد على عصا ونحوه .
ويسن أن يقصد تلقاء وجهه ; لفعله صلى الله عليه وسلم , ولأن التفاته إلى أحد جانبيه إعراض عن الآخر ومخالفة للسنة ; لأنه صلى الله عليه وسلم كان يقصد تلقاء وجهه في الخطبة , ويستقبله الحاضرون بوجوههم ; لقول ابن مسعود رضي الله عنه : كان إذا استوى على المنبر ; استقبلناه بوجوهنا رواه الترمذي .
ويسن أن يقصر الخطبة تقصيرا معتدلا , بحيث لا يملوا وتنفر نفوسهم , ولا يقصرها تقصيرا مخلا , فلا يستفيدون منها , فقد روى الإمام مسلم عن عمار مرفوعا : إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه ; فأطيلوا الصلاة , وأقصروا الخطبة ومعنى قوله : " مئنة من فقهه " ; أي : علامة على فقهه .
ويسن أن يرفع صوته بها ; لأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب ; علا صوته , واشتد غضبه , ولأن ذلك أوقع في النفوس , وأبلغ في الوعظ , وأن يلقيها بعبارات واضحة قوية مؤثرة وبعبارات جزلة .
ويسن أن يدعو للمسلمين بما فيه صلاح دينهم ودنياهم , ويدعو لإمام المسلمين وولاة أمورهم بالصلاح والتوفيق , وكان الدعاء لولاة الأمور في الخطبة معروفا عند المسلمين , وعليه عملهم ; لأن الدعاء لولاة أمور المسلمين بالتوفيق والصلاح من منهج أهل السنة والجماعة , وتركه من منهج المبتدعة , قال الإمام أحمد : " لو كان لنا دعوة مستجابة ; لدعونا بها للسلطان " , ولأن في صلاحه صلاح المسلمين .
وقد تركت هذه السنة حتى صار الناس يستغربون الدعاء لولاة الأمور , ويسيئون الظن بمن يفعله .
ويسن إذا فرغ من الخطبتين أن تقام الصلاة مباشرة , وأن يشرع في الصلاة من غير فصل طويل .
وصلاة الجمعة ركعتان بالإجماع , يجهر فيهما بالقراءة , ويسن أن يقرأ في الركعة الأولى منهما بسورة الجمعة بعد الفاتحة , ويقرأ في الركعة الثانية بعد الفاتحة بسورة المنافقين ; لأنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ بهما ; كما رواه مسلم عن ابن عباس , أو يقرأ في الأولى ب سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وفي الثانية بـ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ أحيانا بالجمعة والمنافقين , وأحيانا ب ( سبح ) والغاشية , ولا يقسم سورة واحدة من هذه السور بين الركعتين , لأن ذلك خلاف السنة .
والحكمة في الجهر بالقراءة في صلاة الجمعة كون ذلك أبلغ في تحصيل المقصود .
باب في أحكام صلاة العيدين
صلاة العيدين - عيد الفطر وعيد الأضحى - مشروعة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين , وقد كان المشركون يتخذون أعيادا زمانية ومكانية , فأبطلها الإسلام , وعوض عنها عيد الفطر وعيد الأضحى ; شكرا لله تعالى على أداء هاتين العبادتين العظيمتين : صوم رمضان , وحج بيت الله الحرام .
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ; أنه لما قدم المدينة , وكان لأهلها يومان يلعبون فيهما ; قال صلى الله عليه وسلم : قد أبدلكم الله بهما خيرا منهما , يوم النحر , ويوم الفطر
قلا تجوز الزيادة على هذين العيدين بإحداث أعياد أخرى كأعياد الموالد وغيرها ; لأن ذلك زيادة على ما شرعه الله , وابتداع في الدين , ومخالفة لسنة سيد المرسلين , وتشبه بالكافرين , سواء سميت أعيادا أو ذكريات أو أياما أو أسابيع أو أعواما , كل ذلك ليس من سنة الإسلام , بل هو من فعل الجاهلية , وتقليد للأمم الكفرية من الدول الغربية وغيرها , وقد قال صلى الله عليه وسلم : من تشبه بقوم , فهو منهما وقال صلى الله عليه وسلم : إن أحسن الحديث كتاب الله , وخير الهدي هدي محمد , وشر الأمور محدثاتها , وكل بدعة ضلالة
نسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه , وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه .
وسمي العيد عيدا لأنه يعود ويتكرر كل عام , ولأنه يعود بالفرح والسرور , ويعود الله فيه بالإحسان على عباده على إثر أدائهم لطاعته بالصيام والحج .
والدليل على مشروعية صلاة العيد : قوله تعالى : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ وقوله تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى وكان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده يداومون عليها . وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها حتى النساء , فيسن للمرأة حضورها غير متطيبة ولا لابسة لثياب زينة أو شهرة ; لقوله عليه الصلاة والسلام : وليخرجن تفلات , ويعتزلن الرجال , ويعتزل الحيض المصلى قالت أم عطية رضي الله عنها : كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد , حتى تخرج البكر من خدرها , وحتى تخرج الحيض , فيكن خلف الناس , فيكبرن بتكبيرهم , ويدعون بدعائهم ; يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته
والخروج لصلاة العيد وأداء صلاة العيد على هذا النمط المشهود من الجميع فيه إظهار لشعار الإسلام , فهي من أعلام الدين الظاهرة , وأول صلاة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم للعيد يوم الفطر من السنة الثانية من الهجرة , ولم يزل صلى الله عليه وسلم يواظب عليها حتى فارق الدنيا صلوات الله وسلامه عليه , واستمر عليها المسلمون خلفا عن سلف , فلو تركها أهل بلد مع استكمال شروطها فيهم , قاتلهم الإمام ; لأنها من أعلام الدين الظاهرة ; كالأذان .
وينبغي أن تؤدى صلاة العيد في صحراء قريبة من البلد ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي العيدين في المصلى الذي على باب المدينة ; فعن أبي سعيد : كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج في الفطر والأضحى إلى المصلى متفق عليه , ولم ينقل أنه صلاها في المسجد لغير عذر , ولأن الخروج إلى الصحراء أوقع لهيبة المسلمين والإسلام , وأظهر لشعائر الدين , ولا مشقة في ذلك ; لعدم تكرره ; بخلاف الجمعة ; إلا في مكة المشرفة ; فإنها تصلى في المسجد الحرام .
ويبدأ وقت صلاة العيد إذا ارتفعت الشمس بعد طلوعها قدر رمح , لأنه الوقت الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها فيه , ويمتد وقتها إلى زوال الشمس .
فإن لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال , صلوا من الغد قضاء ; لما روى أبو عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار ; قالوا : غم علينا هلال شوال , فأصبحنا صياما , فجاء ركب في آخر النهار , فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس , فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن يفطروا من يومهم , وأن يخرجوا غدا لعيدهما رواه أحمد وأبو داود والدارقطني وحسنه , وصححه جماعة من الحفاظ , فلو كانت تؤدى بعد الزوال ; لما أخرها النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغد , ولأن صلاة العيد شرع لها الاجتماع العام ; فلا بد أن يسبقها وقت يتمكن الناس من التهيؤ لها .
ويسن تقديم صلاة الأضحى وتأخير صلاة الفطر ; لما روى الشافعي مرسلا ; أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى عمرو بن حزم : أن عجل الأضحى , وأخر الفطر , وذكر الناس وليتسع وقت التضحية بتقديم الصلاة في الأضحى , وليتسع الوقت لإخراج زكاة الفطر قبل صلاة الفطر .
ويسن أن يأكل قبل الخروج لصلاة الفطر تمرات , وأن لا يطعم يوم النحر حتى يصلي ; لقول بريدة : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر , ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي رواه أحمد وغيره .
قال الشيخ تقي الدين : " لما قدم الله الصلاة على النحر في قوله : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ وقدم التزكي على الصلاة في قوله : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى كانت السنة أن الصدقة قبل الصلاة في عيد الفطر , وأن الذبح بعد الصلاة في عيد النحر .
ويسن التبكير في الخروج لصلاة العيد ; ليتمكن من الدنو من الإمام , وتحصل له فضيلة انتظار الصلاة , فيكثر ثوابه .
ويسن أن يتجمل المسلم لصلاة العيد بلبس أحسن الثياب , لحديث جابر . كانت للنبي صلى الله عليه وسلم حلة يلبسها في العيدين ويوم الجمعة رواه ابن خزيمة قي " صحيحه " , وعن ابن عمر أنه كان يلبس في العيدين أحسن ثيابه رواه البيهقي بإسناد جيد .
ويشترط لصلاة العيد الاستيطان ; بأن يكون الذين يقيمونها مستوطنين في مساكن مبنية بما جرت العادة بالبناء به , كما في صلاة الجمعة ; فلا تقام صلاة العيد إلا حيث يسوغ إقامة صلاة الجمعة ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم وافق العيد في حجته , ولم يصلها , وكذلك خلفاؤه من بعده .
وصلاة العيد ركعتان قبل الخطبة , لقول ابن عمر : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان يصلون العيدين قبل الخطبة متفق عليه , وقد استفاضت السنة بذلك وعليه عامة أهل العلم , قال الترمذي : " والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم , أن صلاة العيدين قبل الخطبة " .
وحكمة تأخير الخطبة عن صلاة العيد وتقديمها على صلاة الجمعة أن خطبة الجمعة شرط للصلاة , والشرط مقدم على المشروط , بخلاف خطبة العيد ; فإنها سنة .
وصلاة العيدين ركعتان بإجماع المسلمين , وفي " الصحيحين " وغيرهما عن ابن عباس ; أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر , فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما و قال عمر : صلاة الفطر والأضحى ركعتان , تمام غير قصر , على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم , وقد خاب من افترى رواه أحمد وغيره .
ولا يشرع لصلاة العيد أذان ولا إقامة ; لما روى مسلم عن جابر : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم العيد غير مرة ولا مرتين , فبدأ بالصلاة قبل الخطبة , بغير أذان ولا إقامة
ويكبر في الركعة الأولى بعد تكبيرة الإحرام والاستفتاح وقبل التعوذ والقراءة ست تكبيرات ; فتكبيرة الإحرام ركن , لا بد منها , لا تنعقد الصلاة بدونها , وغيرها من التكبيرات سنة , ثم يستفتح بعدها ; لأن الاستفتاح في أول الصلاة , ثم يأتي بالتكبيرات الزوائد الست , ثم يتعوذ عقب التكبيرة السادسة ; لأن التعوذ للقراءة , فيكون عندها , ثم يقرأ .
ويكبر في الركعة الثانية قبل القراءة خمس تكبيرات غير تكبيرة الانتقال ; لما روى أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ; أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة , سبعا في الأولى , وخمسا في الآخرة وإسناده حسن .
وروي غير ذلك في عدد التكبيرات : قال الإمام أحمد رحمه الله : " اختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في التكبير , وكله جائز "
ويرفع يديه مع كل تكبيرة ; لأنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه مع التكبير .
ويسن أن يقول بين كل تكبيرتين : الله أكبر كبيرا , والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا , وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما كثيرا ; لقول عقبة بن عامر : سألت ابن مسعود عما يقوله بعد تكبيرات العيد ; قال : " يحمد الله , ويثني عليه , ويصلي على النبي
ورواه البيهقي بإسناده عن ابن مسعود قولا وفعلا .
وقال حذيفة : " صدق أبو عبد الرحمن " .
وإن أتى بذكر غير هذا ; فلا بأس , لأنه ليس فيه ذكر معين .
قال ابن القيم : " كان يسكت بين كل تكبيرتين سكتة يسيرة , ولم يحفظ عنه ذكر معين بين التكبيرات " اه .
وإن شك في عدد التكبيرات , بنى على اليقين , وهو الأقل .
وإن نسي التكبير الزائد حتى شرع في القراءة ; سقط ; لأنه سنة فات محلها .
وكذا إن أدرك المأموم الإمام بعدما شرع في القراءة ; لم يأت بالتكبيرات الزوائد , أو أدركه راكعا ; فإنه يكبر تكبيرة الإحرام , ثم يركع , ولا يشتغل بقضاء التكبير .
وصلاة العيد ركعتان , يجهر الإمام فيهما بالقراءة , لقول ابن عمر : كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بالقراءة في العيدين والاستسقاء رواه الدارقطني , وقد أجمع العلماء على ذلك , ونقله الخلف عن السلف , واستمر عمل المسلمين عليه .
ويقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ب سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ويقرأ في الركعة الثانية بالغاشية , لقول سمرة : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين بـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى و هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ رواه أحمد .
أو يقرأ في الركعة الأولى ب ( ق ) , وفي الثانية ب ( اقتربت ) , لما في " صحيح مسلم " و " السنن " وغيرها ; أنه صلى الله عليه وسلم " كان يقرأ ب ( ق ) و ( اقتربت ) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " مهما قرأ به ; جاز , كما تجوز القراءة في نحوها من الصلوات , لكن إن قرأ : ( ق ) و ( اقتربت ) أو نحو ذلك مما جاء في الأثر ; كان حسنا , وكانت قراءته في المجامع الكبار بالسور المشتملة على التوحيد والأمر والنهي والمبدأ والمعاد وقصص الأنبياء مع أممهم وما عامل الله به من كذبهم وكفر بهم وما حل بهم من الهلاك والشقاء ومن آمن بهم وصدقهم وما لهم من النجاة والعافية " انتهى .
فإذا سلم من الصلاة ; خطب خطبتين , يجلس بينهما ; لما روى عبيد الله بن عبيد الله بن عتبة ; قال : السنة أن يخطب الإمام في العيدين خطبتين , يفصل بينهما بجلوس رواه الشافعي , ولابن ماجه عن جابر : خطب قائما , ثم قعد قعدة , ثم قام وفي " الصحيح " وغيره : بدأ بالصلاة , ثم قام متوكئا على بلال , فأمر بتقوى الله , وحث على طاعته . .. الحديث , ولمسلم . ثم ينصرف , فيقوم مقابل الناس , والناس جلوس على صفوفهم
ويحثهم في خطبة عيد الفطر على إخراج صدقة الفطر , ويبين لهم أحكامها ; من حيث مقدارها , ووقت إخراجها , ونوع المخرج فيها . ويرغبهم في خطبة عيد الأضحى في ذبح الأضحية , ويبين لهم أحكامها , لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في خطبة الأضحى كثيرا من أحكامها .
وهكذا ينبغي للخطباء أن يركزوا في خطبهم على المناسبات ; فيبينوا للناس ما يحتاجون إلى بيانه في كل وقت بحسبه بعد الوصية بتقوى الله والوعظ والتذكير , لا سيما في هذه المجامع العظيمة والمناسبات الكريمة ; فإنه ينبغي أن تضمن الخطبة ما يفيد المستمع ويذكر الغافل ويعلم الجاهل .
وينبغي حضور النساء لصلاة العيد , كما سبق بيانه , وينبغي أن توجه إليهن موعظة خاصة ضمن خطبة العيد , لأنه عليه الصلاة والسلام لما رأى أنه لم يسمع النساء ; أتاهن , فوعظهن , وحثهن على الصدقة , وهكذا ينبغي أن يكون للنساء نصيب من موضوع خطبة العيد ; لحاجتهن إلى ذلك , واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم .
ومن أحكام صلاة العيد أنه يكره التنفل قبلها وبعدها في موضعها , حتى يفارق المصلي ; لقول ابن عباس رضي الله عنهما : خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم عيد ; فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما متفق عليه , ولئلا يتوهم أن لها راتبة قبلها أو بعدها .
قال الإمام أحمد : " أهل المدينة لا يتطوعون قبلها ولا بعدها " .
وقال الزهري : " لم أسمع أحدا من علمائنا يذكر أن أحدا من سلف هذه الأمة كان يصلي قبل تلك الصلاة ولا بعدها , وكان ابن مسعود وحذيفة ينهيان الناس عن الصلاة قبلها " .
فإذا رجع إلى منزله ; فلا بأس أن يصلي فيه ; لما روى أحمد وغيره , أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل إلى منزله ; صلى ركعتين
ويسن لمن فاتته صلاة العيد أو فاته بعضها قضاؤها على صفتها , بأن يصليها ركعتين ; بتكبيراتها الزوائد ; لأن القضاء يحكي الأداء , ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم فما أدركتم ; فصلوا , وما فاتكم , فأتموا فإذا فاتته ركعة مع الإمام ; أضاف إليها أخرى , وإن جاء والإمام يخطب ; جلس لاستماع الخطبة , فإذا انتهت ; صلاها قضاء , ولا بأس بقضائها منفردا أو مع جماعة .
ويسن في العيدين التكبير المطلق , وهو الذي لا يتقيد بوقت , يرفع به صوته , إلا الأنثى ; فلا تجهر به , فيكبر في ليلتي العيدين , وفي كل عشر ذي الحجة ; لقوله تعالى : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ويجهر به في البيوت والأسواق والمساجد وفي كل موضع يجوز فيه ذكر الله تعالى , ويجهر به في الخروج إلى المصلى ; لما أخرجه الدارقطني وغيره عن ابن عمر ; أنه كان إذا غدا يوم الفطر ويوم الأضحى ; يجهر بالتكبير , حتى يأتي المصلى , ثم يكبر حتى يأتي الإمام وفي " الصحيح " : كنا نؤمر بإخراج الحيض , فيكبرن بتكبيرهم ولمسلم : يكبرن مع الناس فهو مستحب لما فيه من إظهار شعائر الإسلام .
والتكبير في عيد الفطر آكد ; لقوله تعالى : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ فهو في هذا العيد آكد ; لأن الله أمر به .
ويزيد عيد الأضحى بمشروعية التكبير المقيد فيه , وهو التكبير الذي شرع عقب كل صلاة فريضة في جماعة , فيلتفت الإمام إلى المأمومين , ثم يكبر ويكبرون ; لما رواه الدارقطني وابن أبي شيبة وغيرهما من حديث جابر ; أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح من غداة عرفة , يقول : الله أكبر . .. الحديث .
ويبتدأ التكبير المقيد بأدبار الصلوات في حق غير المحرم من صلاة الفجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق , وأما المحرم ; فيبتدئ التكبير المقيد في حقه من صلاة الظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق ; لأنه قبل ذلك مشغول بالتلبية .
روى الدارقطني عن جابر : كان النبي صلى الله عليه وسلم يكبر في صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق حين يسلم من المكتوبات وفي لفظ : كان إذا صلى الصبح من غداة عرفة ; أقبل على أصحابه فيقول : مكانكم , ويقول : الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله , والله أكبر الله أكبر ولله الحمد
وقال الله تعالى : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ وهي أيام التشريق .
وقال الإمام النووي : " هو الراجح وعليه العمل في الأمصار "
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : " أصح الأقوال في التكبير الذي عليه الجمهور من السلف والفقهاء من الصحابة والأئمة : أن يكبر من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق عقب كل صلاة ; لما في " السنن " : يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام , وهي أيام أكل وشرب وذكر لله وكون المحرم يبتدئ التكبير المقيد من صلاة الظهر يوم النحر ; لأن التلبية تقطع برمي جمرة العقبة , ووقت رمي جمرة العقبة المسنون ضحى يوم النحر , فكان المحرم فيه كالمحل , فلو رمى جمرة العقبة قبل الفجر , فلا يبتدئ التكبير إلا بعد - صلاة الظهر أيضا ; عملا على الغالب " . انتهى .
وصفة التكبير أن يقول : الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله , والله أكبر الله -193- أكبر ولله الحمد .
ولا بأس بتهنئة الناس بعضهم بعضا ; بأن يقول لغيره : تقبل الله منا ومنك .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " قد روي عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يفعلونه , ورخص فيه الأئمة كأحمد وغيره " اه .
والمقصود من التهنئة التودد وإظهار السرور .
وقال الإمام أحمد : " لا أبتدئ به , فإن ابتدأني أحد ; أجبته " .
وذلك لأن جواب التحية واجب , وأما الابتداء بالتهنئة ; فليس سنة مأمورا بها , ولا هو أيضا مما نهي عنه , ولا بأس بالمصافحة في التهنئة .
باب في أحكام صلاة الكسوف
قال الله تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
وقال تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
صلاة الكسوف سنة مؤكدة باتفاق العلماء , ودليلها السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
والكسوف آية من آيات الله يخوف الله بها عباده , قال تعالى : وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا
ولما كسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم , خرج إلى المسجد مسرعا فزعا , يجر رداءه , فصلى بالناس , وأخبرهم أن الكسوف آية من آيات الله , يخوف الله به عباده , وأنه قد يكون سبب نزول عذاب بالناس , وأمر بما يزيله , فأمر بالصلاة عند حصوله والدعاء والاستغفار والصدقة والعتق وغير ذلك . من الأعمال الصالحة , حتى ينكشف ما بالناس ; ففي الكسوف تنبيه للناس وتخويف لهم ليرجعوا إلى الله ويراقبوه .
وكانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف إنما يحصل عند ولادة عظيم أو موت عظيم , فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الاعتقاد , وبين الحكمة الإلهية في حصول الكسوف :
فقد روى البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود الأنصاري , قال : انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم , فقال الناس : انكسفت الشمس لموت إبراهيم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله , لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته , فإذا رأيتم ذلك ; فافزعوا إلى ذكر الله وإلى الصلاة
وفي حديث آخر في " الصحيحين " : فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي
وفي صحيح البخاري عن أبي موسى ; قال : هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته , ولكن الله يخوف بها عباده , فإذا رأيتم شيئا من ذلك ; فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره
فالله تعالى يجري على هاتين الآيتين العظيمتين الشمس والقمر الكسوف والخسوف ليعتبر العباد ويعلموا أنهما مخلوقان يطرأ عليهما النقص والتغير كغيرهما من المخلوقات ; ليدل عباده بذلك على قدرته التامة واستحقاقه وحده للعبادة ; كما قال تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
ووقت صلاة الكسوف من ابتداء الكسوف إلى التجلي , لقوله عليه الصلاة والسلام : فإذا رأيتم ذلك , فصلوا متفق عليه , وفي حديث آخر : وإذا رأيتم شيئا من ذلك , فصلوا حتى ينجلي رواه مسلم .
ولا تقضى صلاة الكسوف بعد التجلي ; لفوات محلها , فإن تجلى الكسوف قبل أن يعلموا به ; لم يصلوا له .
و صفة صلاة الكسوف أن يصلي ركعتين يجهر فيهما بالقراءة على الصحيح من قولي العلماء : ويقرأ في الركعة الأولى الفاتحة وسورة طويلة كسورة البقرة أو قدرها , ثم يركع ركوعا طويلا , ثم يرفع رأسه ويقول : " سمع الله لمن حمده , ربنا لك الحمد " , بعد اعتداله كغيرها من الصلوات , ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون الأولى بقدر سورة آل عمران , ثم يركع فيطيل الركوع , وهو دون الركوع الأول , ثم يرفع رأسه ويقول : " سمع الله لمن حمده , ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه , ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد " ثم يسجد سجدتين طويلتين , ولا يطيل الجلوس بين السجدتين , ثم يصلي الركعة الثانية كالأولى بركوعين طويلين وسجودين طويلين مثلما فعل في الركعة الأولى , ثم يتشهد ويسلم .
هذه صفة صلاة الكسوف ; كما فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكما روي ذلك عنه من طرق , بعضها في " الصحيحين " ; منها ما روت عائشة رضي الله عنها : " أن الشمس خسفت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم , فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقام وكبر وصف الناس وراءه , فاقترأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة طويلة , فركع ركوعا طويلا , ثم رفع رأسه , فقال : سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد , ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى , ثم كبر فركع ركوعا طويلا هو أدنى من الركوع الأولى , ثم قال : سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد , ثم سجد , ثم فعل في الركعة الثانية مثل ذلك , حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات , وانجلت الشمس قبل أن ينصرف متفق عليه .
ويسن أن تصلى في جماعة ; لفعل النبي صلى الله عليه وسلم , ويجوز أن تصلى فرادى كسائر النوافل , لكن فعلها جماعة أفضل ويسن
أن يعظ الإمام الناس بعد صلاة الكسوف , ويحذرهم من الغفلة والاغترار , ويأمرهم بالإكثار من الدعاء والاستغفار ; ففي " الصحيح " عن عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف , فخطب الناس , فحمد الله وأثنى عليه , وقال : " إن الشمس والقصر آيتان من آيات الله , لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته , فإذا رأيتم ذلك ; فادعوا الله , وصلوا , وتصدقوا . .. الحديث .
فإن انتهت الصلاة قبل أن ينجلي الكسوف , ذكر الله ودعاه حتى ينجلي , ولا يعيد الصلاة , وإن انجلى الكسوف وهو في الصلاة ; أتمها خفيفة , ولا يقطعها , لقوله تعالى : وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ فالصلاة تكون وقت الكسوف ; لقوله : " حتى ينجلي " , وقوله : " حتى ينكشف ما بكم "
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " والكسوف يطول زمانه تارة ويقصر أخرى , بحسب ما يكسف منه ; فقد تكسف كلها , وقد يكسف نصفها أو ثلثها , فإذا عظم الكسوف ; طول الصلاة حتى يقرأ بالبقرة ونحوها في أول ركعة , وبعد الركوع الثاني يقرأ بدون ذلك , وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا , وشرع تخفيفها لزوال السبب , وكذا إذا علم أنه لا يطول , وإن خف قبل الصلاة ; شرع فيها وأوجز , وعليه جماهير أهل العلم , لأنها شرعت لعلة , وقد زالت , وإن تجلى قبلها ; لم يصل . . . " انتهى .
باب في أحكام صلاة الاستسقاء
الاستسقاء هنا هو طلب السقي من الله تعالى ; فالنفوس مجبولة على الطلب ممن يغيثها , وهو الله وحده , وكان ذلك معروفا في الأمم الماضية , وهو من سنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام , قال الله تعالى : وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ واستسقى خاتم الأنبياء نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم لأمته مرات متعددة وعلى كيفيات متنوعة , وأجمع المسلمون على مشروعيته .
ويشرع الاستسقاء إذا أجدبت الأرض - أي : أمحلت - وانحبس المطر وأضر ذلك بهم ; فلا مناص لهم أن يتضرعوا إلى ربهم ويستسقوه ويستغيثوه بأنواع من التضرع : تارة بالصلاة جماعة أو فرادى , وتارة بالدعاء في خطبة الجمعة , يدعو الخطيب والمسلمون يؤمنون على دعائه , وتارة بالدعاء عقب الصلوات وفي الخلوات بلا صلاة ولا خطبة ; فكل ذلك وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وحكم صلاة الاستسقاء أنها سنة مؤكدة ; لقول عبد الله بن زيد : خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي , فتوجه إلى القبلة يدعو وحول رداءه , ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة متفق عليه , ولغيره من الأحاديث .
و صفة صلاة الاستسقاء في موضعها وأحكامها كصلاة العيد ; فيستحب فعلها في المصلى كصلاة العيد , وأحكامها كأحكام صلاة العيد في عدد الركعات والجهر بالقراءة , وفي كونها تصلى قبل الخطبة , وفي التكبيرات الزوائد في الركعة الأولى والثانية قبل القراءة ; كما سبق بيانه في صلاة العيد .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : صلى النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين كما يصلي العيد قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " , وصححه الحاكم وغيره .
ويقرأ في الركعة الأولى بسورة : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وفي الثانية بسورة الغاشية .
ويصليها أهل البلد في الصحراء , لأنه صلى الله عليه وسلم لم يصلها إلا في الصحراء , ولأن ذلك أبلغ في إظهار الافتقار إلى الله تعالى .
وإذا أراد الإمام الخروج لصلاة الاستسقاء ; فإنه ينبغي أن يتقدم ذلك تذكير الناس بما يلين قلوبهم من ذكر ثواب الله وعقابه , ويأمرهم بالتوبة من المعاصي , والخروج من المظالم , بردها إلى مستحقيها ; لأن المعاصي سبب لمنع القطر وانقطاع البركات , والتوبة والاستغفار سبب لإجابة الدعاء , قال الله تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ويأمرهم بالصدقة على الفقراء والمساكين , لأن ذلك سبب للرحمة , ثم يعين لهم يوما يخرجون فيه ليتهيئوا ويستعدوا لهذه المناسبة الكريمة بما يليق بها من الصفة المسنونة , ثم يخرجون في الموعد إلى المصلى بتواضع وتذلل وإظهار للافتقار إلى الله تعالى , ولقول ابن عباس رضي الله عنهما : خرج النبي صلى الله عليه وسلم للاستسقاء متذللا متواضعا متخشعا متضرعا قال الترمذي : " حديث حسن صحيح " وينبغي أن لا يتأخر أحد من المسلمين يستطيع الخروج , حتى الصبيان والنساء اللاتي لا تخشى الفتنة بخروجهن , فيصلي بهم الإمام ركعتين كما سبق , ثم يخطب خطبة واحدة , وبعض العلماء يرى أنه يخطب خطبتين , والأمر واسع , ولكن الاقتصار على خطبة واحدة أرجح من حيث الدليل , وكذلك كون الخطبة بعد صلاة الاستسقاء هو أكثر أحواله صلى الله عليه وسلم , واستمر عمل المسلمين عليه , وورد أنه صلى الله عليه وسلم خطب قبل الصلاة , وقال به بعض العلماء , والأول أرجح , والله أعلم .
وينبغي أن يكثر في خطبة الاستسقاء من الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به , لأن ذلك سبب لنزول الغيث , ويكثر من الدعاء بطلب الغيث من الله تعالى , ويرفع يديه , لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في دعائه بالاستسقاء , حتى يرى بياض إبطيه , ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم , لأن ذلك من أسباب الإجابة , ويدعو بالدعاء الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموطن ; اقتداء به , . قال الله تعالى : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ
ويسن أن يستقبل القبلة في آخر الدعاء , ويحول رداءه ; فيجعل اليمين على الشمال والشمال على اليمين , وكذلك ما شابه الرداء من اللباس كالعباءة ونحوها , لما في " الصحيحين " ; أن النبي صلى الله عليه وسلم حول إلى الناس ظهره , واستقبل القبلة يدعو , ثم حول رداءه . . . والحكمة في ذلك - والله أعلم - التفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه من الشدة إلى الرخاء ونزول الغيث , ويحول الناس أرديتهم لما روى الإمام أحمد : وحول الناس معه أرديتهم ولأن ما ثبت في حق النبي صلى الله عليه وسلم ثبت في حق أمته , ما لم يدل دليل على اختصاصه به , ثم إن سقى الله المسلمين , وإلا ; أعادوا الاستسقاء ثانيا وثالثا ; لأن الحاجة داعية إلى ذلك .
وإذا نزل المطر يسن أن يقف في أوله ليصيبه منه ويقول : اللهم صيبا نافعا , ويقول : مطرنا بفضل الله ورحمته .
وإذا زادت المياه وخيف منها الضرر ; سن أن يقول : اللهم حوالينا ولا علينا , اللهم على الظراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر ; لأنه صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك , متفق عليه , والله أعلم .
باب في أحكام الجنائز
إن شريعتنا - ولله الحمد - كاملة شاملة لمصالح الإنسان في حياته وبعد مماته , ومن ذلك ما شرعه الله من أحكام الجنائز , من حين الأرض والاحتضار إلى دفن الميت في قبره , من عيادة المريض , وتلقينه , وتغسيله , وتكفينه , والصلاة عليه , ودفنه , وما يتبع ذلك من قضاء ديونه , وتنفيذ وصاياه , وتوزيع تركته , والولاية على أولاده الصغار .
قال الإمام ابن القيم رحمه الله : " وكان هديه صلى الله عليه وسلم في الجنائز أكمل الهدي , مخالفا لهدي سائر الأمم , مشتملا على إقامة العبودية لله تعالى على أكمل الأحوال , وعلى الإحسان للميت ومعاملته بما ينفعه قي قبره ويوم معاده , من عيادة , وتلقين , وتطهير , وتجهيز إلى الله تعالى على أحسن الأحوال وأفضلها , فيقفون صفوفا على جنازته , يحمدون الله , ويثنون عليه , ويصلون على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ويسألون للميت المغفرة والرحمة والتجاوز , ثم يقفون على قبره , يسألون له التثبيت , ثم زيارة قبره , والدعاء له , كما يتعاهد الحي صاحبه في الدنيا , ثم الإحسان إلى أهل الميت وأقاربه وغير ذلك " ا ه .
ويسن الإكثار من ذكر الموت والاستعداد له بالتوبة من المعاصي ورد المظالم إلى أصحابها , والمبادرة بالأعمال الصالحة قبل هجوم الموت على غرة .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : أكثروا من ذكر هاذم اللذات رواه الخمسة بأسانيد صحيحة , وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما , وهاذم اللذات : بالذال : هو الموت .
وروى الترمذي وغيره عن ابن مسعود مرفوعا : استحيوا من الله حق الحياء . قالوا : إنا نستحي يا نبي الله والحمد لله . قال : ليس كذلك , ولكن من استحيا من الله حق الحياء , فليحفظ الرأس وما وعى , وليحفظ البطن وما حوى , وليذكر الموت والبلى , ومن أراد الآخرة , ترك زينة الدنيا , ومن فعل ذلك , فقد استحيا في الله حق الحياء
أولا : أحكام المريض والمحتضر
وإذا أصيب الإنسان بمرض , فعليه أن يصبر ويحتسب ولا يجزع ويسخط لقضاء الله وقدره , ولا بأس أن يخبر الناس بعلته ونوع مرضه , مع الرضى بقضاء الله , والشكوى إلى الله تعالى , وطلب الشفاء منه لا ينافي الصبر , بل ذلك مطلوب شرعا ومستحب , فأيوب عليه السلام نادى ربه وقال : أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
وكذلك لا بأس بالتداوي بالأدوية المباحة بل ذهب بعض العلماء إلى تأكد ذلك , حتى قارب به الوجوب , فقد جاءت الأحاديث بإثبات الأسباب والمسببات , والأمر بالتداوي , وأنه لا ينافي التوكل . كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالطعام والشراب .
ولا يجوز التداوي بمحرم , لما في الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه , أنه قال : إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم وروى أبو داود وغيره عن أبي هريرة مرفوعا : إن الله أنزل الدواء , وأنزل الداء , وجعل لكل داء دواء , ولا تداووا بحرام وفي " صحيح مسلم " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الخمر : إنه ليس بدواء ولكنه داء
وكذلك يحرم التداوي بما يمس العقيدة , من تعليق التمائم المشتملة على ألفاظ شركية أو أسماء مجهولة أو طلاسم أو خرز أو خيوط أو قلائد أو حلق تلبس على العضد أو الذراع أو غيره , يعتقد فيها الشفاء ودفع العين والبلاء , لما فيها من تعلق القلب على غير الله في جلب نفع أو دفع ضر , وذلك كله من الشرك أو من وسائله الموصلة إليه , ومن ذلك أيضا التداوي عند المشعوذين من الكهان والمنجمين والسحرة والمستخدمين للجن فعقيدة المسلم أهم عنده من صحته .
وقد جعل الله الشفاء في المباحات النافعة للبدن والعقل والدين , وعلى رأس ذلك القرآن الكريم والرقية به وبالأدعية المشروعة .
قال ابن القيم : " ومن أعظم العلاج فعل الخير والإحسان والذكر والدعاء والتضرع إلى الله والتوبة , وتأثيره أعظم من الأدوية , لكن بحسب استعداد النفس وقبولها " . انتهى .
ولا بأس بالتداوي بالأدوية المباحة على أيدي الأطباء العارفين بتشخيص الأمراض وعلاجها في المستشفيات وغيرها .
وتسن عيادة المرضى , لما في " الصحيحين " وغيرهما : خمس تجب للمسلم على أخيه , وذكر منها عيادة المريض فإذا زاره , سأل عن حاله , فقد كان النبي يدنو من المريض , ويسأله عن حاله وتكون الزيارة يوما بعد يوم , أو بعد يومين , ما لم يكن المريض يرغب الزيارة كل يوم , ولا يطيل الجلوس عنده , إلا إذا كان المريض يرغب ذلك , ويقول للمريض : " لا بأس عليك , طهور إن شاء الله " , ويدخل عليه السرور , ويدعو له بالشفاء , ويرقيه بالقرآن , لا سيما سورة الفاتحة والإخلاص والمعوذتين .
ويسن للمريض أن يوصي بشيء من ماله في أعمال الخير , ويجب أن يوصي بماله وما عليه من الديون وما عنده من الودائع والأمانات , وهذا مطلوب , حتى من الإنسان الصحيح , لقوله صلى الله عليه وسلم : ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده متفق عليه , وذكر الليلتين تأكيد لا تحديد , فلا ينبغي أن يمضي عليه زمان , وإن كان قليلا , إلا ووصيته مكتوبة عنده , لأنه لا يدري متى يدركه الموت .
ويحسن المريض ظنه بالله , فإن الله عز وجل يقول . أنا عند ظن عبدي بي ويتأكد ذلك عند إحساسه بلقاء الله .
ويحسن لمن يحضره تطميعه في رحمة الله , ويغلب في هذه الحالة جانب الرجاء على جانب الخوف , وأما في حالة الصحة , فيكون خوفه ورجاؤه متساويين , لأن من غلب عليه الخوف , أوقعه في نوع من اليأس , ومن غلب عليه الرجاء , أوقعه في نوع من الأمن من مكر الله .
فإذا احتضر المريض , فإنه يسن لمن حضره أن يلقنه لا إله إلا الله , لقوله صلى الله عليه وسلم : لقنوا موتاكم لا إله إلا الله رواه مسلم , وذلك لأجل أن يموت على كلمة الإخلاص , فتكون ختام كلامه , فعن معاذ مرفوعا : من كان آخر كلامه لا إله إلا الله , دخل الجنة ويكون تلقينه إياها برفق , ولا يكثر عليه , لئلا يضجره وهو في هذه الحال . ويسن أن يوجه إلى القبلة ، ويقرأ عنده سورة ( يس ) , لقوله صلى الله عليه وسلم : اقرءوا على موتاكم سورة " يس " رواه أبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان , والمراد بقوله : " موتاكم " . من حضرته الوفاة , أما من مات , فإنه لا يقرأ عليه , فالقراءة على الميت بعد موته بدعة , بخلاف القراءة على الذي يحتضر , فإنها سنة , فالقراءة عند الجنازة أو على القبر أو لروح الميت , كل هذا من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان , والواجب على المسلم العمل بالسنة وترك البدعة .
ثانيا : أحكام الوفاة
ويستحب إذا مات الميت تغميض عينيه , لأن النبي صلى الله عليه وسلم أغمض أبا سلمة رضي الله عنه لما مات , وقال : إن الروح إذا قبض , تبعه البصر , فلا تقولوا إلا خيرا , فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون رواه مسلم ,
ويسن ستر الميت بعد وفاته بثوب , لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي , سجي ببرد حبرة متفق عليه .
وينبغي الإسراع في تجهيزه إذا تحقق موته , لقوله صلى الله عليه وسلم : لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله رواه أبو داود , ولأن في ذلك حفظا للميت من التغير , قال الإمام أحمد رحمه الله : " كرامة الميت تعجيله " , ولا بأس أن ينتظر به من يحضره من وليه أو غيره إن كان قريبا ولم يخش على الميت من التغير .
ويباح الإعلام بموت المسلم , للمبادرة لتهيئته , وحضور جنـازته , والصلاة عليه , والدعاء له , وأما الإعلام بموت الميت على صفة الجزع وتعداد مفاخره فذلك من فعل الجاهلية , ومنه حفلات التأبين إقامة المآتم .
ويستحب الإسراع بتنفيذ وصيته , لما فيه من تعجيل الأجر , وقد قدمها الله تعالى في الذكر على الدين , اهتماما بشأنها , وحثا على إخراجها . ويجب الإسراع بقضاء ديونه , سواء كانت لله تعالى من زكاة وحج أو نذر طاعة أو كفارة , أو كانت الديون لآدمي كرد الأمانات والغصوب والعارية , سواء أوصى بذلك أم لم يوص به , لقوله صلى الله عليه وسلم : نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه رواه أحمد والترمذي وحسنه , أي : مطالبة به , عليه من الدين محبوسة , ففي هذا الحث على الإسراع في قضاء الدين عن الميت وهذا فيمن له مال يقضى منه دينه , ومن لا مال له ومات عازما على القضاء , فقد ورد في الأحاديث ما يدل على أن الله يقضي عنه .
ثالثا : تغسيل الميت
ومن أحكام الجنازة وجوب تغسيل الميت على من علم به وأمكنه تغسيله , قال صلى الله عليه وسلم في الذي وقصته راحلته : اغسلوه بماء وسدر . .. الحديث متفق عليه , وقد تواتر تغسيل الميت في الإسلام قولا وعملا , وغسل النبي صلى الله عليه وسلم وهو الطاهر المطهر , فكيف بمن سواه , فتغسيل الميت فرض كفاية على من علم بحاله من المسلمين .
والرجل يغسله الرجل , والأولى والأفضل أن يختار لتغسيل الميت ثقة عارف بأحكام التغسيل , لأنه حكم شرعي له صفة مخصوصة , لا يتمكن من تطبيقها إلا عالم بها على الوجه الشرعي , ويقدم قي تولي تغسيل الميت وصيه , فإذا كان الميت قد أوصى أن يغسله شخص معين , وهذا المعين عدل ثقة , فإنه يقدم في تولي تغسيله وصيه بذلك ; لأن أبا بكر رضي الله عنه أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس , فالمرأة يجوز أن تغسل زوجها , كما أن الرجل يجوز أن يغسل زوجته , وأوصى أنس رضي الله عنه أن يغسله محمد بن سيرين ثم يلي الوصي في تغسيل الميت أبو الميت , فهو أولى بتغسيل ابنه , لاختصاصه بالحنو والشفقة على ابنه , ثم جده , لمشاركته للأب في المعنى المذكور , ثم الأقرب فالأقرب من عصباته , ثم الأجنبي منه , وهذا الترتيب في الأولوية إذا كانوا كلهم يحسنون التغسيل وطالبوا به , وإلا , فإنه يقدم العالم بأحكام التغسيل على من لا علم له .
والمرأة تغسلها النساء , والأولى بتغسيل المرأة الميتة وصيتها , فإن كانت أوصت أن تغسلها امرأة معينة , قدمت على غيرها إذا كان فيها صلاحية لذلك , ثم بعدها تتولى تغسيلها القربى فالقربى من نسائها .
فالمرأة تتولى تغسيلها النساء على هذا الترتيب , والرجل يتولى تغسيله الرجال على ما سبق , ولكل واحد من الزوجين غسل صاحبه , فالرجل له أن يغسل زوجته والمرأة لها أن تغسل زوجها ; لأن أبا بكر رضي الله عنه أوصى أن تغسله زوجته ولأن عليا رضي الله عنه غسل فاطمة وورد مثل ذلك عن غيرهما من الصحابة .
ولكل من الرجال والنساء غسل من له دون سبع سنين ذكرا كان أو أنثى , قال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه أن المرأة تغسل الصبي الصغير " ا ه ; ولأنه لا عورة له في الحياة , فكذا بعد الموت , ولأن إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم غسله النساء وليس لامرأة غسل ابن سبع سنين فأكثر , ولا لرجل غسل ابنة سبع سنين فأكثر .
ولا يجوز لمسلم أن يغسل كافرا أو يحمل جنازته أو يكفنه أو يصلي عليه أو يتبع جنازته , لقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فالآية الكريمة تدل بعمومها على تحريم تغسيله وحمله واتباع جنازته , وقال تعالى : وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وقال تعالى : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولا يدفنه , لكن إذا لم يوجد من يدفنه من الكفار , فإن المسلم يواريه , بأن يلقيه في حفرة , منعا للتضرر بجثته , ولإلقاء قتلى بدر في القليب , وكذا حكم المرتد كتارك الصلاة عمدا وصاحب البدعة المكفرة , وهكذا يجب أن يكون موقف المسلم من الكافر حيا وميتا , موقف التبري والبغضاء : قال تعالى حكاية عن خليله إبراهيم والذين معه : إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وقال تعالى : لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ وذلك لما بين الكفر والإيمان من العداء , ولمعاداة الكفار لله ولرسله ولدينه , فلا تجوز موالاتهم أحياء ولا أمواتا .
نسأل الله أن يثبت قلوبنا على الحق , وأن يهدينا صراطه المستقيم .
ويشترط أن يكون الماء الذي يغسل به طهورا مباحا , والأفضل أن يكون باردا , إلا عند الحاجة لإزالة وسخ على الميت أو في شدة برد , فلا بأس بتسخينه .
ويكون التغسيل في مكان مستور عن الأنظار ومسقوف من بيت أو خيمة ونحوها إن أمكن .
ويستر ما بين سرة الميت وركبته وجوبا قبل التغسيل ثم يجرد من ثيابه , ويوضع على سرير الغسل منحدرا نحو رجليه , لينصب عنه الماء وما يخرج منه . ويحضر التغسيل الغاسل ومن يعينه على الغسل , ويكره لغيرهم حضوره . ويكون التغسيل بأن يرفع الغاسل رأس الميت إلى قرب جلوسه , ثم يمر يده على بطنه ويعصره برفق , ليخرج منه ما هو مستعد للخروج , ويكثر صب الماء حينئذ , ليذهب بالخارج , ثم يلف الغاسل على يده خرقة خشنة , فينجي الميت , وينقي المخرج بالماء , ثم ينوي التغسيل , ويسمي , ويوضئه كوضوء الصلاة , إلا في المضمضة والاستنشاق , فيكفي عندنا مسح الغاسل أسنان الميت ومنخريه بإصبعيه مبلولتين أو عليهما خرقة مبلولة بالماء , ولا يدخل الماء فمه ولا أنفه , ثم يغسل رأسه ولحيته برغوة سدر أو صابون , ثم يغسل ميامن جسده , وهي صفحة عنقه اليمنى , ثم يده اليمنى وكتفه , ثم شق صدره الأيمن وجنبه الأيمن وفخذه الأيمن وساقه وقدمه الميامن , ثم يقلبه على جنبه الأيسر , فيغسل شق ظهره الأيمن , ثم يغسل جانبه الأيسر كذلك , ثم يقلبه على جنبه الأيمن , فيغسل شق ظهره الأيسر , ويستعمل السدر مع الغسل أو الصابون ,
ويستحب أن يلف على يده خرقة حال التغسيل . والواجب غسله واحدة إن حصل الإنقاء , والمستحب ثلاث غسلات , وإن لم يحصل الإنقاء , زاد في الغسلات حتى ينقي إلى سبع غسلات , ويستحب أن يجعل في الغسلة الأخيرة كافورا ; لأنه يصلب بدن الميت , ويطيبه , ويبرده , فلأجل ذلك , يجعل في الغسلة الأخيرة , ليبقي أثره . ثم ينشف الميت بثوب ونحوه , ويقص شاربه , وتقلم أظافره إن طالت , ويؤخذ شعر إبطيه , ويجعل المأخوذ معه في الكفن , ويضفر شعر رأس المرأة ثلاثة قرون , ويسدل من ورائها .
وأما إذا تعذر غسل الميت لعدم الماء , أو خيف تقطعه بالغسل كالمجذوم والمحترق , أو كان الميت امرأة مع رجال ليس فيهم زوجها , أو رجلا مع نساء ليس فيهم زوجته , فإن الميت في هذه الأحوال ييمم بالتراب , بمسح وجهه وكفيه من وراء حائل على يد الماسح , وإن تعذر غسل بعضا الميت , غسل ما أمكن غسله منه , ويمم عن الباقي . ويستحب لمن غسل ميتا أن يغتسل بعد تغسيله , وليس ذلك بواجب .
رابعا : أحكام التكفين
وبعد تمام الغسل والتجفيف يشرع تكفين الميت ويشترط في الكفن أن يكون ساترا , يستحب أن يكون أبيض نظيفا , سواء كان جديدا - وهو الأفضل - أو غسيلا .
ومقدار الكفن الواجب ثوب يستر جميع الميت , والمستحب تكفين الرجل في ثلاث لفائف , وتكفين المرأة في خمسة أثواب , إزار وخمار وقميص ولفافتين , ويكفن الصغير في ثوب واحد , ويباح في ثلاثة أثواب , وتكفن الصغيرة في قميص ولفافتين , ويستحب تجمير الأكفان بالبخور بعد رشها بماء , الورد ونحوه , لتعلق بها رائحة البخور .
ويتم تكفين الرجل بأن تبسط اللفائف الثلاث بعضها فوق بعض , ثم يؤتى بالميت مستورا وجوبا بثوب ونحوه ويوضع فوق اللفائف مستلقيا , ثم يؤتى بالحنوط وهو الطيب ويجعل منه في قطن بين أليتي الميت , ويشد فوقه خرقة , ثم يجعل باقي القطن المطيب على عينيه ومنخريه وفمه وأذنيه وعلى مواضع سجوده : جبهته , وأنفه , ويديه , وركبتيه , وأطراف قدميه , ومغابن البدن : الإبطين , وطي الركبتين وسرته , ويجعل من الطيب بين الأكفان وفي رأس الميت , ثم يرد طرف اللفافة العليا من الجانب الأيسر على شقه الأيمن , ثم طرفها الأيمن على شقه الأيسر , ثم الثانية كذلك ثم الثالثة كذلك , ويكون الفاضل من طول اللفائف عند رأسه أكثر مما عند رجليه , ثم يجمع الفاصل عند رأسه ويرد على وجهه , ويجمع الفاضل عند رجليه فيرد على رجليه , ثم يعقد على اللفائف أحزمة , لئلا تنتشر وتحل العقد في القبر .
وأما المرأة فتكفن في خمسة أثواب إزار تؤزر به , ثم تلبس قميصا , ثم تخمر بخمار على رأسها , ثم تلف بلفافتين .
خامسا : أحكام الصلاة على الميت
ثم يشرع بعد ذلك الصلاة على الميت المسلم فعن أبي هريرة رضي الله عنه , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من شهد الجنازة حتى يصلى عليها , فله قيراط , ومن شهدها حتى تدفن , فله قيراطان . قيل : وما القيراطان , قال : مثل الجبلين العظيمين متفق عليه .
والصلاة على الميت فرض كفاية , إذا فعلها البعض , سقط الإثم عن الباقين , وتبقى في حق الباقين سنة , وإن تركها الكل , أثموا .
ويشترط في الصلاة على الميت : النية , واستقبال القبلة , وستر العورة , وطهارة المصلي والمصلى عليه واجتناب النجاسة , وإسلام المصلي والمصلى عليه , وحضور الجنازة إن كانت بالبلد , وكون المصلي مكلفا . وأما أركانها , فهي : القيام فيها , والتكبيرات الأربع , وقراءة الفاتحة , والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم , والدعاء للميت والترتيب , والتسليم .
وأما سننها , فهي : رفع اليدين مع كل تكبيرة , والاستعاذة قبل القراءة , وأن يدعو لنفسه وللمسلمين , والإسرار بالقراءة , وأن يقف بعد التكبيرة الرابعة وقبل التسليم قليلا , وأن يضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره , والالتفات على يمينه في التسليم . تكون الصلاة على الميت بأن يقوم الإمام والمنفرد عند صدر الرجل ووسط المرأة ويقف المأمومون خلف الإمام , ويسن جعلهم ثلاثة صفوف , ثم يكبر للإحرام , ويتعوذ بعد التكبير مباشرة فلا يستفتح , ويسمي , ويقرأ الفاتحة , ثم يكبر , ويصلي بعدها على النبي صلى الله عليه وسلم مثل الصلاة عليه قي تشهد الصلاة , ثم يكبر , ويدعو للميت بما ورد , ومنه : اللهم اغفر لحينا وميتنا , وشاهدنا وغائبنا , وصغيرنا وكبيرنا , وذكرنا وأنثانا , إنك تعلم منقلبنا ومثوانا , وأنت على كل شيء قدير , اللهم من أحييته منا , فأحيه على الإسلام والسنة , ومن توفيته منا , فتوفه عليهما , اللهم اغفر له , وارحمه , وعافه , واعف عنه , وأكرم نزله , ووسع مدخله , واغسله بالماء والثلج والبرد , ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس , وأبدله دارا خيرا من داره , وزوجا خيرا من زوجه , وأدخله الجنة , وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار , وأفسح له في قبره , ونور له فيه وإن كان المصلى عليه أنثى , قال : " اللهم اغفر لها " , بتأنيث الضمير في الدعاء كله , وإن كان المصلى عليه صغيرا , قال : اللهم اجعله ذخرا لوالديه , وفرطا , وأجرا , وشفيعا مجابا , اللهم ثقل به موازينهما , وأعظم به أجورهما , وألحقه بصالح سلف المؤمنين , واجعله في كفالة إبراهيم , وقه برحمتك عذاب الجحيم , ثم يكبر , ويقف بعدها قليلا , ثم يسلم تسليمة واحدة عن يمينه .
ومن فاتته بعض الصلاة على الجنازة , دخل مع الإمام فيما بقى , ثم إذا سلم الإمام قضى ما فاته على صفته , وإن خشي أن ترفع الجنازة , تابع التكبيرات ( أي : بدون فصل بينها ) , ثم سلم .
ومن فاتته الصلاة على الميت قبل دفنه , صلى على قبره .
ومن كان غائبا عن البلد الذي فيه الميت , وعلم بوفاته , فله أن يصلي عليه صلاة الغائب بالنية.
وحمل المرأة إذا سقط ميتا وقد تم له أربعة أشهر فأكثر , صلي عليه صلاة الجنازة , وإن كان دون أربعة أشهر , لم يصل عليه .
سادسا : حمل الميت ودفنه
حمل الميت ودفنه من فروض الكفاية على من علم بحاله من المسلمين , ودفنه مشروع بالكتاب والسنة , قال الله تعالى : أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً ‎وَأَمْوَاتًا وقال تعالى : ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ أي : جعله مقبورا , والأحاديث في دفن الميت مستفيضة , وهو بر وطاعة وإكرام للميت واعتناء به .
ويسن اتباع الجنازة وتشييعها إلى قبرها , ففي " الصحيحين " : من شهد جنازة حتى يصلى عليها , فله قيراط , ومن شهدها حتى تدفن , فله قيراطان . قيل : وما القيراطان , قال : مثل الجبلين العظيمين وللبخاري بلفظ : من شيع ولمسلم بلفظ : من خرج معها , ثم تبعها حتى تدفن ففي الحديث برواياته الحث على تشييع الجنازة إلى قبرها .
ويسن لمن تبعها المشاركة في حملها إن أمكن , ولا بأس بحملها في سيارة أو على دابة , لا سيما إذا كانت المقبرة بعيدة .
ويسن الإسراع بالجنازة , لقوله صلى الله عليه وسلم : أسرعوا بالجنازة , فإن تك صالحة , فخير تقدمونها إليه , وإن تك سوى ذلك , فشر تضعونه عن رقابكم متفق عليه , لكن , لا يكون الإسراع شديدا , ويكون على حامليها ومشيعيها السكينة , ولا يرفعون أصواتهم , لا بقراءة ولا غيرها من تهليل وذكر أو قولهم : استغفروا له , وما أشبه ذلك ; لأن هذا بدعة .
ويحرم خروج النساء مع الجنائز , لحديث أم عطية : نهينا عن اتباع الجنائز ولم تكن النساء يخرجن مع الجنائز على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم , فتشييع الجنائز خاص بالرجال.
ويسن أن يعمق القبر ويوسع , لقوله صلى الله عليه وسلم : احفروا وأوسعوا وعمقوا قال الترمذي : " حسن صحيح " .
ويسن ستر قبر المرأة عند إنزالها فيه لأنها عورة .
ويسن أن يقول من ينزل الميت في القبر : " بسم الله , وعلى ملة رسول الله " لقوله صلى الله عليه وسلم إذا وضعتم موتاكم في القبور , فقولوا : بسم الله , وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الخمسة إلا النسائي , وحسنه الترمذي .
ويوضع الميت في لحده على شقه الأيمن مستقبل القبلة , لقوله صلى الله عليه وسلم في الكعبة : قبلتكم أحياء وأمواتا رواه أبو داود وغيره .
ويجعل تحت رأسه لبنة أو حجر أو تراب , ويدنى من حائط القبر الأمامي , ويجعل خلف ظهره ما يسنده من تراب , حتى لا ينكب على وجهه , أو ينقلب على ظهره . ثم تسد عليه فتحة اللحد باللبن والطين حتى يلتحم , ثم يهال عليه التراب , ولا يزاد عليه من غير ترابه .
ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر , ويكون مسنما - أي : محدبا كهيئة السنام - لتنزل عنه مياه السيول , ويوضع عليه حصباء , ويرش بالماء ليتماسك ترابه ولا يتطاير , والحكمة في رفعه بهذا المقدار , ليعلم أنه قبر فلا يداس , ولا بأس بوضع النصائب على طرفيه لبيان حدوده , وليعرف بها , من غير أن يكتب علمها .
ويستحب إذا فرغ من دفنه أن يقف المسلمون على قبره ويدعوا له ويستغفروا له لأنه عليه الصلاة والسلام كان إذا فرغ من دفن الميت , وقف عليه , وقال : استغفروا لأخيكم , واسألوا له التثبيت , فإنه الآن يسأل رواه أبو داود , وأما قراءة شيء من القرآن عند القبر , فإن هذا بدعة ; لأنه لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحابته الكرام , وكل بدعة ضلالة .
ويحرم البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها , لقول جابر : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر , وأن يقعد عليه , وأن يبنى عليه رواه مسلم , وروى الترمذي وصححه من حديث جابر مرفوعا : نهى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن توطأ ولأن هذا من وسائل الشرك والتعلق بالأضرحة ; لأن الجهال إذا رأوا البناء والزخرفة على القبر , تعلقوا به .
ويحرم إسراج القبور - أي : إضاءتها بالأنوار الكهربائية وغيرها , ويحرم اتخاذ المساجد عليها - أي : ببناء المساجد عليها - , والصلاة عندها أو إليها , وتحرم زيارة النساء للقبور لقوله صلى الله عليه وسلم لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج رواه أهل السنن , وفي " الصحيح " لعن الله اليهود والنصارى , اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ولأن تعظيم القبور بالبناء عليها ونحوه هو أصل شرك العالم .
وتحرم إهانة القبور بالمشي عليها ووطئها بالنعال والجلوس عليها وجعلها مجتمعا للقمامات أو إرسال المياه عليها , لما روى مسلم عن أبي هريرة مرفوعا : لأن يجلس أحدكم على جمرة , فتحرق ثيابه , فتخلص إلى جلده خير من أن يجلس على قبر
قال الإمام ابن القيم رحمه الله : " من تدبر نهيه عن الجلوس على القبر والاتكاء عليه والوطء عليه , علم أن النهي إنما كان احتراما لسكانها أن يوطأ بالنعال على رءوسهم " .
سادسا : أحكام التعزية وزيارة القبور
وتسن تعزية المصاب بالميت , وحثه على الصبر والدعاء للميت , لما روى ابن ماجه - وإسناده ثقات - عن عمرو بن حزم مرفوعا : ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة , إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة ووردت بمعناه أحاديث .ولفظ التعزية أن يقول : " أعظم الله أجرك , وأحسن عزاءك , وغفر لميتك "
ولا ينبغي الجلوس للعزاء والإعلان عن ذلك كما يفعل بعض الناس اليوم , ويستحب أن يعد لأهل الميت طعامًا يبعثه إليهم لقوله صلى الله عليه وسلم : اصنعوا لآل جعفر طعاما , فقد جاءهم ما يشغلهم رواه أحمد والترمذي وحسنه .
أما ما يفعله بعض الناس اليوم من أن أهل البيت يهيئون مكانا لاجتماع الناس عندهم , ويصنعون الطعام , ويستأجرون المقرئين لتلاوة القرآن , ويتحملون في ذلك تكاليف مالية , فهذا من المآتم المحرمة المبتدعة , لما روى الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله , قال : " كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة " إسناده ثقات .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " جمع أهل المصيبة الناس على طعامهم ليقرئوا ويهدوا له ليس معروفا عند السلف , وقد كرهه طوائف من أهل العلم من غير وجه " , انتهى .
وقال الطرطوشي : " فأما المآتم , فممنوعة بإجماع العلماء , والمأتم هو الاجتماع على المصيبة , وهو بدعة منكرة , لم ينقل فيه شيء , وكذا ما بعده من الاجتماع في الثاني والثالث والرابع والسابع والشهر والسنة , فهو طامة , وإن كان من التركة وفي الورثة محجور عليه أو من لم يأذن , حرم فعله , وحرم الأكل منه " انتهى .
وتستحب زيارة القبور للرجال خاصة , لأجل الاعتبار والاتعاظ , ولأجل الدعاء للأموات والاستغفار لهم , لقوله صلى الله عليه وسلم : كنت نهيتكم عن زيارة القبور , فزوروها رواه مسلم والترمذي , وزاد : فإنها تذكركم الآخرة , , ويكون ذلك بدون سفر , فزيارة القبور تستحب بثلاث شروط :
1 - أن يكون الزائر من الرجال لا النساء ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لعن الله زوارات القبور
2- أن تكون بدون سفر , لقوله صلى الله عليه وسلم : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد
3- أن يكون القصد منها الاعتبار والاتعاظ والدعاء للأموات , فإن كان القصد منها التبرك بالقبور والأضرحة وطلب قضاء الحاجات وتفريج الكربات من الموتى فهذه زيارة بدعية شركية .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " زيارة القبور على نوعين : شرعية وبدعية , فالشرعية : المقصود بها السلام على الميت والدعاء له كما يقصد بالصلاة على جنازته من غير شد رحل , والبدعية : أن يكون قصد الزائر أن يطلب حوائجه من ذلك الميت , وهذا شرك أكبر , أو يقصد الدعاء عند قبره , أو الدعاء به , وهذا بدعة منكرة , ووسيلة إلى الشرك , وليس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم , ولا استحبه أحد من سلف الأمة وأئمتها , انتهى , والله تعالى أعلم , وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .
كتاب الزكاة
بسم الله الرحمن الرحيم
باب في مشروعية الزكاة ومكانتها
اعلموا وفقني الله وإياكم أنه لا بد من معرفة تفاصيل أحكام الزكاة وشروطها وبيان من تجب عليه ومن تجب له وما تجب فيه من الأموال .
فالزكاة أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام - كما تظاهرت بذلك دلالة الكتاب والسنة - , وقد قرنها الله تعالى بالصلاة في كتابه في اثنين وثمانين موضعا , مما يدل على عظم شأنها , وكمال الاتصال بينها وبين الصلاة , ووثاقة الارتباط بينهما , حتى قال صديق هذه الأمة وخليفة الرسول الأول أبو بكر الصديق : " لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة " قال الله تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وقال تعالى : فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ وقال النبي - صلى الله عليه وسلم : بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله , وإقام الصلاة , وإيتاء الزكاة . .. الحديث .
وأجمع المسلمون على فرضيتها , وأنها الركن الثالث من أركان الإسلام , وعلى كفر من جحد وجوبها , وقتال من منع إخراجها .
فرضت في السنة الثانية للهجرة النبوية , وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم السعاة لقبضها وجبايتها لإيصالها إلى مستحقيها , ومضت بذلك سنة الخلفاء الراشدين وعمل المسلمين .
وفي الزكاة إحسان إلى الخلق , وهي مطهرة للمال من الدنس , وحصانة له من الآفات , وعبودية للرب سبحانه , قال الله تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وبالتالي , فهي تطهير للنفوس من الشح والبخل , وامتحان للغني حيث يتقرب إلى الله بإخراج شيء من ماله المحبوب إليه .
وقد أوجبها الله في الأموال التي تحتمل المواساة . ويكثر فيها النمو والربح - ما ينمو فيها بنفسه كالماشية والحرث , وما ينمو بالتصرف وإدارته في التجارة كالذهب والفضة وعروض التجارة - , وجعل الله قدر المخرج في الزكاة على حسب التعب في المال الذي تخرج منه , . فأوجب في الركاز , وهو ما وجد من أموال الجاهلية - الخمس , وما فيه التعب من طرف واحد - وهو ما سقي بلا مؤنة - نصف الخمس , وما وجد فيه التعب من طرفين ربع الخمس , وفيما يكثر فيه التعب والتقلب - كالنقود - وعروض التجارة ثمن الخمس.
وقد سماها الله بالزكاة , لأنها تزكي النفس والمال , فهي ليست غرامة ولا ضريبة تنقص الحال وتضر صاحبه , بل هي على العكس تزيد المال نموا من حيث لا يشعر الناس , قال صلى الله عليه وسلم : ما - نقص مال من صدقة
والزكاة في الشرع حق واجب في مال خاص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص , هو تمام الحول في الماشية والنقود وعروض التجارة , وعند اشتداد الحب وبدو الصلاح في الثمار , وحصول ما تجب فيه من العسل , واستخراج ما تجب فيه من المعادن , وغروب الشمس ليلة العيد في زكاة الفطر .
وتجب الزكاة على المسلم إذا توفرت فيه شروط خمسة
أحدها : الحرية , فلا تجب على مملوك ; لأنه لا مال له , وما بيده ملك لسيده , فتكون زكاته على السيد .
الشرط الثاني : أن يكون صاحب المال مسلما , فلا تجب على كافر , بحيث لا يطالب بأدائها ; لأنها قربة وطاعة , والكافر ليس من أهل القربة والطاعة , ولأنها تحتاج إلى نية , ولا تتأتى من الكافر , أما وجوبها عليه بمعنى أنه مخاطب بها ويعاقب عليها في الآخرة عقابا خاصا , فمحل خلاف بين أهل العلم , وفي حديث معاذ رضي الله عنه : فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله , ثم ذكر الصلاة , ثم قال : " فإن هم أطاعوك , فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة , تؤخذ من أغنيائهم , فترد على فقرائهم " متفق عليه , فجعل الإسلام شرطا لوجوب الزكاة .
الشرط الثالث : امتلاك نصاب , فلا تجب فيما دون النصاب , وهو قدر معلوم من المال يأتي تفصيله , سواء كان مالك النصاب كبيرا أو صغيرا , عاقلا أو مجنونا , لعموم الأدلة .
الشرط الرابع : استقرار الملكية , بأن لا يتعلق بها حق غيره , فلا زكاة في مال لم تستقر ملكيته , كدين الكتابة ; لأن المكاتب يملك تعجيز نفسه , ويمتنع من الأداء .
الشرط الخامس : مضي الحول على المال , لحديث عائشة رضي الله عنها : لا زكاة قي مال حتى يحول عليه الحول رواه ابن ماجه , وروى الترمذي معناه .
وهذا في غير الخارج من الأرض كالحبوب والثمار , فأما الخارج من الأرض , فتجب فيه الزكاة عند وجوده فلا يعتبر فيه الحول , وإنما يبقى تمام الحول مشترطا في النقود والماشية وعروض التجارة رفقا بالمالك , ليتكامل النماء فيها .
ونتاج البهائم التي تجب فيها الزكاة وربح التجارة حولهما حول أصلهما , فلا يشترط أن يأتي عليهما حول مستقل إذا كان أصلهما ! قد بلغ النصاب , فإن لم يكن كذلك , ابتدئ الحول من تمامهما النصاب.
ومن له دين على معسر , فإنه يخرج زكاته إذا قبضه لعام واحد على الصحيح , وإن كان له دين على مليء باذل , فإنه يزكيه كل عام .
وما أعد من الأموال للقنية والاستعمال , فلا زكاة فيه , كدور السكنى , وثياب البذلة , وأثاث المنزل , والسيارات , والدواب المعدة للركوب والاستعمال .
وما أعد للكراء كالسيارات والدكاكين والبيوت , فلا " زكاة في أصله , وإنما تجب الزكاة في أجرته إذا بلغت النصاب بنفسها أو بضمها إلى غيرها وحال عليها الحول .
ومن وجبت عليه الزكاة , ثم مات قبل إخراجها , " وجب إخراجها من تركته , فلا تسقط بالموت , لقوله صلى الله عليه وسلم : فدين الله أحق بالوفاء رواه البخاري ومسلم وغيرهما , فيخرجهما الوارث أو غيره من تركة الميت ; لأنها حق واحب , فلا تسقط بالموت , وهي دين في " ذمة الميت , يجب إبراؤه منها .
باب في زكاة بهيمة الأنعام
اعلم أن من جملة الأموال التي أوجب الله فيها الزكاة بهيمة الأنعام , وهي : الإبل , والبقر , والغنم , بل هي في طليعة الأموال الزكوية , فقد دلت على وجوب الزكاة فيها الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم , وكتبه في شأنها وكتب خلفائه معروفة مشهورة في بيان فرائضها وبعث السعاة لجبايتها من قبائل العرب حول المدينة وغيرها على امتداد الساحة الإسلامية .
فتجب الزكاة في الإبل والبقر والغنم بشرطين
الشرط الأول: أن تتخذ لدر ونسل لا للعمل ; لأنها حينئذ تكثر منافعها ويطيب نماؤها بالكبر والنسل , فاحتملت المواساة .
الشرط الثاني : أن تكون سائمة - أي : راعية - , لقوله صلى الله عليه وسلم : في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون رواه أحمد وأبو داود والنسائي , والسوم : الرعي , فلا تجب الزكاة في دواب تعلف بعلف اشتراه لها أو جمعه من الكلأ أو غيره , هذا إذا كانت تعلف الحول كله أو أكثره .
أولا : زكاة الإبل
- وإذا توفرت الشروط , وجب في كل خمسة من الإبل شاة , وفي العشر شاتان , وفي خمس عشرة ثلاث شياه , وفي عشرين أربع شياه , كما دل على ذلك السنة والإجماع .
- فإذا بلغت خمسا وعشرين , ففيها بنت مخاض , وهي ما تم لها سنة ودخلت في السنة الثانية , سميت بذلك لأن أمها تكون في الغالب قد مخضت , أي : حملت , وليس كونها ماخضا شرطا , وإنما هذا تعريف لها بغالب أحوالها , فإن عدمها أجزأ عنها ابن لبون , لحديث أنس : فإن لم يكن فيها بنت مخاض ففيها ابن لبون ذكر رواه أبو داود , ويأتي بيان معنى ابن اللبون .
- وإذا بلغت الإبل ستا وثلاثين , وجب فيها بنت لبون , لحديث أنس , وفيه : فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين , ففيها بنت لبون أنثى وكما دل على ذلك الإجماع , وبنت اللبون هي ما تم لها سنتان , لهذا سميت بذلك ; لأن أمها تكون في الغالب قد وضعت حملها , فكانت ذات لبن , وليس هذا شرطا , لكنه تعريف لها بالغالب .
- فإذا بلغت الإبل ستا وأربعين , وجب فيها حقة , وهي ما تم لها ثلاث سنين , سميت بذلك لأنها بهذا السن استحقت أن يطرقها الفحل وأن يحمل عليها وتركب .
- فإذا بلغت الإبل إحدى وستين , وجب فيها جذعة , وهي ما تم لها أربع سنين , سميت بذلك لأنها إذا بلغت هذا السن تجذع , أي : يسقط سنها . والدليل على وجوب الجذعة في هذا المقدار من الإبل ما في " الصحيح " من قول الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين , ففيها جذعة وقد أجمع العلماء على ذلك .
- فإذا بلغ مجموع الإبل ستا وسبعين , وجب فيها بنتا لبون اثنتان للحديث الصحيح , وفيه : فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين , ففيها بنتا لبون "
- فإذا بلغت الإبل إحدى وتسعين , وجب فيها حقتان , للحديث الصحيح الذي جاء فيه : فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة , ففيها حقتان طروقتا الفحل وللإجماع على ذلك.
- فإذا زاد مجموع الإبل عن مائة وعشرين بواحدة , وجب فيها ثلاث بنات لبون , لحديث الصدقات الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم , ولفظه : فإذا زادت على عشرين ومائة " , ففي كل خمسين حقة , وفي كل أربعين بنت لبون , ثم يجب على كل أربعين بنت لبون وعن كل خمسين حقة
ثانيا : زكاة البقر
- وأما البقر , فتجب فيها الزكاة بالنص والإجماع , ففي " الصحيحين عن جابر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها , إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه , تنطحه بقرونها , وتطؤه بأخفافها . وقد ثبت عن معاذ رضي الله عنه , أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن , أمره أن يأخذ صدقة البقر : من كل ثلاثين تبيعا , ومن كل أربعين مسنة رواه أحمد والترمذي .
- فيجب فيها إذا بلغت ثلاثين تبيع أو تبيعة قد تم لكل منهما سنة ودخل في السنة الثانية , سمي بذلك لأنه يتبع أمه في السرح .
- ولا شيء فيما دون الثلاثين : لحديث معاذ , قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثني إلى اليمن أن لا آخذ من البقر شيئا حتى تبلغ ثلاثين
- فإذا بلغ مجموع البقر أربعين , وجب فيها بقرة مسنة , وهي ما تم لها سنتان , لحديث معاذ , قال : وأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا أو تبيعة , ومن كل أربعين مسنة رواه الخمسة , وصححه ابن حبان والحاكم .
- فإذا زاد مجموع البقر على أربعين , وجب قي كل ثلاثين منها تبيع , وفي كل أربعين مسنة .
والمسنة : هي التي قد صارت ثنية , سميت مسنة لزيادة سنها , ويقال لها : ثنية .

ثالثا : زكاة الغنم
- الأصل في وجوب الزكاة في الغنم السنة والإجماع , ففي الصحيح عن أنس أن أبا بكر كتب له : هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين والتي أمر الله بها رسوله . . . إلى أن قال : وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة . .. الحديث .
- فإذا بلغ مجموع الغنم أربعين ضأنا كانت أو معزا , ففيها شاة : واحدة , وهي جذع ضأن أو ثني معز , لحديث سويد بن غفلة , قال : أتانا مصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : أمرنا أن نأخذ الجذعة من الضأن , والثنية من المعز , وجذع الضأن ما تم له ستة أشهر , وثني المعز ما تم له سنة
- ولا زكـاة في الغنم إذا نقص عددها عن أربعين , لحديث أبي بكـر في " الصحيحين " , وفيه : فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاة شاة واحدة , فلا شيء فيها , إلا إن شاء ربها .
- فإذا بلغ مجموع الغنم مائة وإحدى - وعشرين , وجب فيها - شاتان , لحديث أبي بكر الذي مر معنا قريبا , وفيه : " فإذا زادت على عشرين ومائة , ففيها شاتان " .
- فإذا بلغت مائتين وواحدة , وجب فيها ثلاث شياه , لحديث أبي بكر , وفيه : فإذا زادت على مائتين , ففيها ثلاث شياه .
- ثم تستقر الفريضة فيها بعد هذا المقدار , فيتقرر في كل مائة شاة ففي أربع مائة أربع شياه , وفي خمس مائة خمس شياه , وفي ست مائة ست شياه . وهكذا , ففي كتاب الصدقات الذي عمل به أبو بكر رضي الله عنه حتى مات وعمر حتى توفي رضي الله عنه , فيه : وفي الغنم من أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة , فإذا زادت شاة , ففيها شاتان إلى مائتين , فإذا زادت واحدة , ففيها ثلاث شياه إلى ثلاث مائة , فإذا زادت بعد , فليس فيها شيء , حتى تبلغ أربع مائة , فإذا كثرت الغنم , ففي كل مائة شاة رواه الخمسة إلا النسائي .
ولا تؤخذ هرمة ولا معيبة لا تجزئ في الأضحية , إلا إذا كانت كل الغنم كذلك , ولا تؤخذ الحامل ولا الربي التي تربي ولدها ولا طروقة الفحل , أي : التي طرقها الفحل ; لأنها تحمل غالبا , لحديث أبي بكر في " الصحيحين " , قال : لا يخرج قي الصدقة هرمة , ولا ذات عوار , ولا تيس , إلا أن يشاء المصدق وقال تعالى : وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وقال عليه الصلاة والسلام : ولكن من أوسط أموالكم , فإن الله لم يسألكم خياره , ولم يأمركم بشراره ولا تؤخذ كريمة , وهي النفيسة التي تتعلق بها نفس صاحبها , ولا تؤخذ أكولة , وهي السمينة المعدة للأكل , أو هي كثيرة الأكل , فتكون سمينة بسبب ذلك , قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثه إلى اليمن : إياك وكرائم أموالهم متفق عليه .
والمأخوذ في الصدقات العدل , كما قال عليه الصلاة والسلام : ولكن من أوسط أموالكم وتؤخذ المريضة من نصاب كله مراض ; لأن الزكاة وجبت للمواساة , وتكليفه الصحيحة عن المراض إجحاف به , وتؤخذ الصغيرة من نصاب كله صغار من الغنم خاصة .
وإذا شاء صاحب المال أن يخرج أفضل مما وجب عليه , فهو أفضل وأكثر أجرا . وإن كان المال مختلطا من كبار وصغار أو صحاح ومعيبات أو ذكور وإناث , أخذت أنثى صحيحة كبيرة على قدر قيمة المالين , فيقوم - المال كبارا ويعرف ما يجب فيه ثم يقوم صغارا كذلك , ثم يؤخذ بالقسط , وهكذا الأنواع الأخرى من صحاح ومعيبات أو ذكور وإناث , فلو كانت قيمة المخرج من الزكاة إذا كان النصاب كبارا صحاحا عشرين , وقيمته إذا كان صغارا مراضا عشرة , فيخرج النصف من هذا والنصف من هذا , أي : ما يساوي خمسة عشر .
ومن مباحث زكاة الماشية معرفة حكم الخلطة فيها , بأن يكون مجموع الماشية المختلطة مشتركا بين شخصين فأكثر , والخلطة نوعان .
النوع الأول : خلطة أعيان : بأن يكون المال مشتركا - مشاعا بينهما , لم يتميز نصيب أحدهما عن الآخر , كأن يكون لأحدهما نصف هذه الماشية أو ربعها ونحوه .
النوع الثاني : خلطة أوصاف : بأن يكون نصيب كل منهما متميزا معروفا , لكنهما متجاوران .
وكل واحدة من الخلطتين تؤثر في الزكاة إيجابا وإسقاطا وتغليظا وتخفيفا , فالخلطة بنوعيها تصير الحالين المختلطين كالمال الواحد بشروط :
الأول : أن يكون المجموع نصابا , فإن نقص عن النصاب , لم يجب فيه شيء , والمقصود أن يبلغ المجموع النصاب , ولو كان ما لكل واحد ناقص عن النصاب .
الشرط الثاني : أن يكون الخليطان من أهل وجوب الزكاة , فلو كان أحدهما ليس من أهل الزكاة , كالكافر , لم تؤثر الخلطة , وصار لكل قسم حكمه .
الشرط الثالث : أن يشترك المالان المختلطان في المراح , وهو المبيت والمأوى , ويشتركا في المسرح , وهو المكان الذي تجتمع فيه لتذهب للمرعى , ويشتركا في المحلب , وهو موضع الحلب , فلو حلب أحد الشريكين ماشيته في مكان وحلب الآخر ماشيته في مكان آخر , لم تؤثر الخلطة , وأن يشتركا قي فحل , بأن لا يكون لكل نصيب فحل مستقل , بل لا بد أن يطرقها فحل واحد , وأن يشتركا في مرعى , بأن يرعى مجموع الماشية في مكان واحد , فإن اختلف المرعى , فرعى نصيب أحدهما في مكان غير المكان الذي يرعى فيه خليطه , لم تؤثر الخلطة .
فإذا تمت هذه الشروط , صار المالان المختلطان كالمال الواحد , لقوله صلى الله عليه وسلم : لا يجمع بين متفرق , ولا يفرق بين مجتمع , خشية الصدقة , وما كان من خليطين فإنهما يتراجعا بينهما بالسوية رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه , وحسنه الترمذي .
فلو كان لإنسان شاة ولآخر تسع وثلاثون , أو كان لأربعين رجلا أربعون شاة , لكل واحد شاة , واشتركا حولا تاما , مع توفر الشروط التي ذكرنا , فعليهم شاة واحدة على حسب ملكهم , ففي المثال الأول يكون على صاحب الشاة ربع عشر شاة , وعلى صاحب التسع والثلاثين باقيها , وفي المثال الثاني على كل واحد من الأربعين ربع عشر الشاة , ولو كان لثلاثة مائة وعشرون , لكل واحد أربعون , فعلى الجميع شاة واحدة أثلاثا .
وكما أن الخلطة تؤثر على النحو الذي رأيت , فكذلك التفريق يؤثر عند الإمام أحمد , فإذا كانت سائمة الرجل متفرقة , كل قسم منها يبعد عن الآخر فوق مسافة القصر , صار لكل منهما حكمه , ولا تعلق له بالآخر , فإن كان نصابا , وجبت فيه الزكاة , وإن نقص النصاب , فلا شيء فيه , فلا يضم كل قسم إلى الآخر , هذا قول الإمام أحمد .
وقال جمهور العلماء بعدم تأثير الفرقة في مال الشخص الواحد , فيضم بعضه إلى بعض الحكم , ولو كان متفرقا , وهذا هو الراجح . والله أعلم .
باب في زكاة الحبوب والثمار والعسل والمعدن والركاز
قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ .
والزكاة تسمى نفقة , كما قال تعالى : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي : لا يخرجون زكاتها .
وقد استفاضت السنة المطهرة بالأمر بإخراج زكاة الحبوب والثمار وبيان مقدارها , وأجمع المسلمون على وجوبها في البر والشعير والتمر والزبيب , فتجب الزكاة في الحبوب كلها , كالحنطة , والشعير , والأرز , والدخن , وسائر الحبوب , قال عليه الصلاة والسلام : ليس فيما دون خمسة أوساق من حب ولا تمر صدقة وقال عليه الصلاة والسلام : فيما سقت السماء والعيون العشر رواه البخاري .
وتجب الزكاة في الثمار كالتمر والزبيب ونحوهما من كل ما يكال ويدخر , ولا تجب الزكاة إلا فيما يبلغ النصاب , لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه يرفعه : ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة رواه الجماعة , والوسق ستون صاعا بالصاع النبوي , الذي مقداره أربع حفنات , بكفي الرجل المعتدل الخلقة .
ويشترط في زكاة الحبوب والثمار أن يكون النصاب مملوكا له وقت وجوب الزكاة , وهو بدو الصلاح في الثمر , واشتداد الحب في الزرع , فيشترط لوجوب الزكاة في الحبوب والثمار شرطان
الأول : بلوغ النصاب على ما سبق بيانه .
الثاني : أن يكون مملوكا له وقت وجوب الزكاة .
فلو ملك النصاب بعد ذلك , لم تجب عليه فيه زكاة , كما لو اشتراه , أو أخذه أجرة لحصاده , أو حصله باللقاط .
والقدر الواجب إخراجه في زكاة الحبوب والثمار , يختلف باختلاف وسيلة السقي :
- فإذا سقي بلا مؤنة من السيول والسيوح وما شرب بعروقه كالبعل , يجب فيه العشر , لما في " الصحيح " من حديث ابن عمر : فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر . ولمسلم عن جابر : فيما سقت الأنهار والغيم العشر .
- ويجب فيما سقي بمؤنة من الآبار وغيرها نصف العشر , لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر : وما سقي بالنضح نصف العشر رواه البخاري , والنضح : السقي بالسواني , ولمسلم عن جابر : وفيما سقي بالسانية نصف العشر .
ووقت وجوب الزكاة في الحبوب حين تشتد , وفي الثمر حينما يبدو صلاحه , بأن يحمر أو يصفر , فلو باعه بعد ذلك , وجبت زكاته عليه لا على المشتري .
ويلزم إخراج الحب مصفى , أي : منقى من التبن والقشر , ويعتبر إخراج الثمر يابسا ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بخرص العنب زبيبا , وتؤخذ زكاته زبيبا , كما تؤخذ زكاة النخل تمرا , ولا يسمى زبيبا وتمرا إلا اليابس .
وتجب الزكاة في العسل إذا أخذه من ملكه أو من الموات , كرءوس الجبال , إذا بلغ ما أخذه نصابا , ونصاب العسل ثلاثون صاعا بالصاع النبوي , ومقدار ما يجب فيه هو العشر .
وتجب الزكاة في المعدن , لقوله تعالى : أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ والمعدن هو المكان الذي عدن فيه شيء من جواهر الأرض , فهو مستفاد من الأرض , فوجبت فيه الزكاة , كالحبوب والثمار , فإن كان المعدن ذهبا أو فضة , ففيه ربع العشر إذا بلغ نصابا فأكثر , وإن كان غيرهما كالكحل والزرنيخ والكبريت والملح والنفط , فيجب فيه ربع عشر قيمته إن بلغت قيمته نصابا فأكثر من الذهب والفضة .
وتجب الزكاة في الركاز , وهو ما وجد مدفونا من أموال الكفار من أهل الجاهلية , سمي ركازا ; لأنه غيب في الأرض , كما تقول : ركزت الرمح , ويجب فيه الخمس في قليله وكثيره , لقوله صلى الله عليه وسلم : وفي الركاز الخمس متفق عليه .
- ويعرف كونه من أموال الكفار بوجود علامة الكفار عليه أو على بعضه , بأن يوجد عليه أسماء ملوكهم , أو عليه رسم صلبانهم , فإذا أخرج خمسه , فباقيه لواجده.
- وإن وجد على المال المدفون أو على بعضه علامة المسلمين , أو لم يجد عليه علامة أصلا , فحكمه حكم اللقطة .
- وما أخذ من زكاة الركاز يصرف في مصالح المسلمين كمصرف الفيء .
مما سبق يتبين لنا أن الخارج من الأرض أنواع هي :
1- الحبوب والثمار .
2- المعادن على اختلافها .
3- العسل .
4- الركاز .
وكل هذه الأنواع , داخلة في قوله تعالى : أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وقوله تعالى : وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ
إن الزكاة إنما تجب فيما يكال ويدخر من الحبوب والثمار , فما لا يكال ولا يدخر منها , لا تجب فيه الزكاة , كالجوز , والتفاح , والخوخ , والسفرجل , والرمان , ولا في سائر الخضروات والبقول , كالفجل , والثوم , والبصل , والجزر , والبطيخ , والقثاء , والخيار , والباذنجان , ونحوها , لحديث علي رضي الله عنه مرفوعا : ليس في الخضروات صدقة رواه الدارقطني , ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة فاعتبر الكيل لما تجب فيه الزكاة , فدل على عدم وجوبها فيما لا يكال ويدخر , وتركه صلى الله عليه وسلم هو وخلفاؤه لها وهي تزرع بجوارهم فلا تؤدى زكاتها لهم دليل على عدم وجوب الزكاة فيها , فترك أخذ الزكاة منها هو السنة المتبعة .
- قال الإمام أحمد : " ما كان مثل الخيار والقثاء والبصل والرياحين , فليس فيه زكاة , إلا أن يباع , ويحول على ثمنه الحول " .
باب في زكاة النقدين
اعلم وفقنا الله وإياك أن المراد بزكاة النقدين زكاة الذهب والفضة وما اشتق منهما من نقود وحلي وسبائك وغير ذلك .
والدليل على وجوب الزكاة في الذهب والفضة الكتاب والسنة والإجماع .
قال الله تعالى : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ففي الآية الكريمة الوعيد الشديد بالعذاب الأليم لمن لم يخرج زكاة الذهب والفضة .
وفي " الصحيحين " : ما من ذهب ولا فضة لا يؤدى حقها , إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار . . . الحديث .
واتفق الأئمة على أن المراد بالكنز المذكور في القرآن والحديث كل ما وجبت فيه الزكاة فلم تؤد زكاته , وأن ما أخرجت زكاته , فليس بكنز , والكنز : كل شيء مجموع بعضه على بعض , سواء كنزه في بطن الأرض أم على ظهرها .
فتجب الزكاة في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالا , وفي الفضة إذا بلغت مائتي درهم إسلامي , ربع العشر منهما , سواء كانا مضروبين أو غير مضروبين , لحديث ابن عمرو عن عائشة رضي الله عنهما مرفوعا : أنه كان يأخذ من كل عشرين مثقالا نصف مثقال رواه ابن ماجه , وفي حديث أنس رضي الله عنه مرفوعا : في الرقة ربع العشر متفق عليه . والرقة - بكسر الراء وتخفيف القاف - هي الفضة الخالصة , مضروبة كانت أو غير مضروبة . والمثقال في الأصل مقدار من الوزن . قال الفقهاء : " وزنه اثنتان وسبعون حبة شعير من الشعير الممتلئ معتدل المقدار.
ونصاب الذهب بالجنيه السعودي أحد عشر جنيها وثلاثة أسباع جنيه , ونصاب الفضة بالريال العربي السعودي ستة وخمسون ريالا أو ما يعادل صرفها من الورق النقدي المستعمل في هذا الزمان.
ويخرج من الذهب والفضة إذا بلغ كل منهما النصاب المحدد له فأكثر ربع العشر .
ما يباح للرجل لبسه من الذهب والفضة
- يباح للذكر أن يتخذ خاتما من الفضة ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ورق , متفق عليه .
- ويحرم عليه اتخاذ الخاتم من الذهب فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم الرجال عن التحلي بالذهب , وشدد النكير على من فعله , وقال صلى الله عليه وسلم : يعمد أحدكم إلى جمرة من نار جهنم , فيجعلها في يده .
- ويباح للذكر أيضا من الذهب ما دعت إليه حاجة , كأنف , ورباط أسنان , لأن عرفجة بن سعد قطع أنفه يوم الكلاب , فاتخذ أنفا من فضة , فأنتن عليه , فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذ أنفا من ذهب رواه أبو داود والحاكم وصححه .
ما يباح للنساء التحلي به من الذهب والفضة
- يباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلبسه ; لأن الشارع أباح لهن التحلي مطلقا , قال النبي صلى الله عليه وسلم : أحل الذهب والحرير لإناث أمتي , وحرم على ذكورها رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي , فدل على إباحة التحلي بالذهب والفضة للنساء , وأجمع العلماء على ذلك .
- ولا زكاة في حلي النساء من الذهب والفضة إذا كان معدا للاستعمال أو للإعارة , لقوله صلى الله عليه وسلم : ليس في الحلي زكاة رواه الطبراني عن جابر بسند ضعيف , لكن يعضده ما جرى العمل عليه , وقال به جماعة من الصحابة , منهم أنس , وجابر , وابن عمر , وعائشة , وأسماء أختها , قال أحمد : " فيه عن خمسة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم , ولأنه عدل به عن النماء إلى فعل مباح أشبه ثياب البذلة وعبيد الخدمة ودور السكنى .
- وإن أعد الحلي للكري , أو أعد لأجل النفقة - أي : اتخذ رصيدا للحاجة - , أو أعد للقنية , أو للادخار , أو لم يقصد به شيء مما سبق , فهو باق على أصله , تجب فيه الزكاة ; لأن الذهب والفضة تجب فيهما الزكاة , وإنما سقط وجوبها فيما أعد للاستعمال أو العارية , فيبقى وجوبها فيما عداه على الأصل إذا بلغ نصابا بنفسه أو بضمه إلى مال آخر , فإن كان دون النصاب , ولم يمكن ضمه إلى مال آخر , فلا زكاة فيه , إلا إذا كان معدا للتجارة , فإنها تجب الزكاة في قيمته.
حكم تمويه الحيطان وغيرها بالذهب والفضة واتخاذ الأواني منهما
- يحرم أن يموه سقف أو حائط بذهب أو فضة , أو يموه شيء من السيارة أو مفاتيحها بهما , كل ذلك حرام على المسلم , ويحرم تمويه قلم أو دواة بذهب أو فضة ; لأن ذلك سرف وخيلاء .
- ويحرم اتخاذ الأواني من الذهب والفضة , أو تمويه الأواني بذلك , قال صلى الله عليه وسلم : الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم .
- كما أنه يشتد الوعيد على من لبس خاتم الذهب من الرجال , ولكن مع الأسف ترى بعض المسلمين يلبسون خواتيم الذهب في أيديهم , غير مبالين بالوعيد , أو يجهلونه , فالواجب على هؤلاء التوبة إلى الله من التحلي بالذهب ,والاكتفاء بما أباح الله من خاتم الفضة , ففي الحلال غنية عن الحرام وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا .
نسأل الله للجميع البصيرة في دينه والعمل بشرعه والإخلاص لوجهه .
باب في زكاة عروض التجارة
العروض جمع عرض بإسكان الراء , وهو ما أعد لبيع وشراء لأجل الربح , سمي بذلك لأنه يعرض ليباع ويشترى , أو لأنه يعرض ثم يزول .
والدليل على وجوب الزكاة في عروض التجارة : قوله تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وقوله تعالى : وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وعروض التجارة هي أغلب الأموال , فكانت أولى بدخولها في عموم الآيات .
وروى أبو داود عن سمرة : كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع ولأنها أموال نامية , فوجبت فيها الزكاة كبهيمة الأنعام السائمة .
وقد حكى غير واحد إجماع أهل العلم على أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة إذا حال عليها الحول .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " الأئمة الأربعة وسائر الأمة إلا من شذ متفقون على وجوبها في عروض التجارة , سواء كان التاجر مقيما أو مسافرا , وسواء كان متربصا - وهو الذي يشتري التجارة وقت رخصها ويدخرها إلى وقت ارتفاع السعر - أو مديرا - كالتجار الذين في الحوانيت - , سواء كانت التجارة بزا من جديد أو لبيس أو طعاما من قوت أو فاكهة أو أدم أو غير ذلك , أو كانت آنية كالفخار ونحوه , أو حيوانا من رقيق أو خيل أو بغال أو حمير أو غنم معلفة أو غير ذلك , فالتجارات هي أغلب أموال أهل الأمصار الباطنة , كما أن الحيوانات الماشية هي أغلب الأموال الظاهرة " انتهى كلام الشيخ رحمه الله .
ويشترط لوجوب الزكاة في عروض التجارة شروط
الشرط الأول : أن يملكها بفعله , كالبيع , وقبول الهبة , والوصية , والإجارة , وغير ذلك من وجوه المكاسب .
الشرط الثاني : أن يملكها بنية التجارة , بأن يقصد التكسب بها ; لأن الأعمال بالنيات , والتجارة عمل , فوجب اقتران النية به كسائر الأعمال .
الشرط الثالث : أن تبلغ قيمتها نصابا من أحد النقدين .
الشرط الرابع : تمام الحول عليها , لقوله صلى الله عليه وسلم : لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول لكن لو اشترى عرضا بنصاب من النقود أو بعروض تبلغ قيمتها نصابا , بنى على حول ما اشترها به.
وكيفية إخراج زكاة العروض , أنها تقوم عند تمام الحول بأحد النقدين : الذهب أو الفضة , ويراعى في ذلك الأحظ للفقراء , فإذا قومت وبلغت قيمتها نصابا بأحد النقدين , أخرج ربع العشر من قيمتها , ولا يعتبر ما اشتريت به , بل يعتبر ما تساوي عند تمام الحول ; لأنه هو عين العدل بالنسبة للتاجر وبالنسبة لأهل الزكاة .
ويجب على المسلم الاستقصاء والتدقيق ومحاسبة نفسه في إخراج زكاة العروض , كمحاسبة الشريك الشحيح لشريكه , بأن يحصي جميع ما عنده من عروض التجارة بأنواعها , ويقومها تقييما عادلا , فصاحب البقالة مثلا يحصي جميع ما في بقالته من أنواع المعروضات للبيع من المعلبات وأصناف البضائع , وصاحب الآليات وقطع الغيار والمكائن والسيارات المعروضة للبيع يحصيها ويقومها , وصاحب الأراضي والعمارات المعروضة للبيع يقومها بما تساوي , أما العمارات والبيوت والسيارات المعدة للإيجار , فلا زكاة في ذواتها , وإنما تجب الزكاة فيما تحصل عليه صاحبها من إجارها إذا حال عليه الحول , والبيوت المعدة للسكنى والسيارات المعدة للركوب والحاجة لا زكاة فيها , وكذلك أثاث المنزل وأثاث الدكان وآلات التاجر , كالأذرع , والمكاييل , والموازين , وقوارير العطار , كل هذه الأشياء لا زكاة فيها ; لأنها لا تباع للتجارة .
أيها المسلم ! أخرج زكاة مالك عن طيب نفس واحتساب , واعتبرها مغنما لك في الدنيا والآخرة , ولا تعتبرها مغرما , قال الله تعالى : وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فكل من الصنفين يخرج الزكاة , ويعامل عند الله على حسب نيته وقصده , فهؤلاء أخرجوها ونووها مغرما يتسترون بها عن حكم الإسلام فيهم , وينتظرون أن تدور الدائرة على المسلمين , لينتقموا منهم , فصار جزاءهم أن عليهم دائرة السوء , وحرموا الثواب , وخسروا من أموالهم , والمؤمنون يعتبرون الزكاة حين يخرجونها قربات لهم , فهؤلاء يوفر لهم الأجر , ويخلف عليهم ما أنفقوا بخير منه أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ لنيتهم الحسنة ومقصدهم الأسمى .
فاتق الله أيها المسلم , واستشعر هذه المعاني وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
باب في زكاة الفطر
زكاة الفطر من رمضان المبارك تسمى بذلك ; لأن الفطر سببها , فإضافتها إليه من إضافة الشيء إلى سببه .
والدليل على وجوبها الكتاب والسنة والإجماع.
قال الله تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى قال بعض السلف : " المراد بالتزكي هنا إخراج زكاة الفطر " . وتدخل في عموم قوله تعالى : وَآتُوا الزَّكَاةَ
وفي " الصحيحين " وغيرهما : فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من بر أو صاعا من شعير , على العبد والحر , والذكر والأنثى , والصغير والكبير من المسلمين .
وقد حكى غير واحد من العلماء إجماع المسلمين على وجوبها .
والحكمة في مشروعيتها أنها طهرة للصائم من اللغو والرفث , وطعمة للمساكين , وشكر لله تعالى على إتمام فريضة الصيام .
وتجب زكاة الفطر على كل مسلم , ذكرا كان أو أنثى , صغيرا أو كبيرا , حرا كان أو عبدا , لحديث ابن عمر الذي ذكرنا قريبا , ففيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين وفرض بمعنى ألزم وأوجب.
كما أن في الحديث أيضا بيان مقدار ما يخرج عن كل شخص , وجنس ما يخرج , فمقدارها صاع , وهو أربعة أمداد , وجنس ما يخرج هو من غالب قوت البلد , برا كان , أو شعيرا , أو تمرا , أو زبيبا , أو أقطا . .. أو غير هذه الأصناف مما اعتاد الناس أكله في البلد , وغلب استعمالهم له , كالأرز والذرة , وما يقتاته الناس في كل بلد بحسبه .
كما بين صلى الله عليه وسلم به وقت إخراجها , وهو أنه أمر بها أن تؤدى قبل صلاة العيد , فيبدأ وقت الإخراج الأفضل بغروب الشمس ليلة العيد , ويجوز تقديم إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين , فقد روى البخاري رحمه الله " أن الصحابة كانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين , فكان إجماعا منهم "
وإخراجها يوم العيد قبل الصلاة أفضل , فإن فاته هذا الوقت , فأخر إخراجها عن صلاة العيد , وجب عليه إخراجها قضاء , لحديث ابن عباس : من أداها قبل الصلاة , فهي زكاة مقبولة , ومن أداها بعد الصلاة , فهي صدقة من الصدقات ويكون آثما بتأخير إخراجه عن الوقت المحدد , لمخالفته أمر الرسول صلى الله عليه وسلم .
ويخرج المسلم زكاة الفطر عن نفسه وعمن يمونهم - أي : ينفق عليهم - من الزوجات والأقارب , لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم : أدوا الفطرة عمن تمولون . ويستحب إخراجها عن الحمل , لفعل عثمان رضي الله عنه .
ومن لزم غيره إخراج الفطرة عنه , فأخرج هو عن نفسه بدون إذن من تلزمه , أجزأت ; لأنها وجبت عليه ابتداء , والغير متحمل لها غير أصيل , وإن أخرج شخص عن شخص لا تلزمه نفقته بإذنه , أجزأت , وبدون إذنه لا تجزئ .
ولمن وجب عليه إخراج الفطرة عن غيره أن يخرج فطرة ذلك الغير مع فطرته في المكان الذي هو فيه , ولو كان المخرج عنه في مكان آخر .
ونحب أن ننقل لك كلاما لابن القيم في جنس المخرج في زكاة الفطر قال رحمه الله لما ذكر الأنواع الخمسة الواردة في الحديث : وهذه كانت غالب أقواتهم بالمدينة , فأما أهل بلد أو محلة قوتهم غير ذلك , فإنما عليهم صاع من قوتهم , فإن كان قوتهم من غير الحبوب كاللبن واللحم والسمك , أخرجوا فطرتهم من قوتهم كائنا ما كان , هذا قول جمهور العلماء , وهو الصواب الذي لا يقال بغيره , إذ المقصود سد خلة المساكين يوم العيد ومواساتهم من جنس ما يقتات أهل بلدهم , وعلى هذا فيجزئ الدقيق , وإن لم يصح فيه الحديث , وأما إخراج الخبز أو الطعام , فإنه وإن كان أنفع للمساكين , لقلة المؤونة والكلفة فيه , فقد يكون الحب أنفع لهم لطول بقائه " انتهى .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : " يخرج من قوت بلده مثل الأرز وغيره , ولو قدر على الأصناف المذكورة في الحديث - وهو رواية عن أحمد وقول أكثر العلماء , وهو أصح الأقوال - , فإن الأصل في الصدقات أنها تجب على وجه المواساة للفقراء , انتهى .
وأما إخراج القيمة عن زكاة الفطر , بأن يدفع بدلها دراهم , فهو خلاف السنة , فلا يجزئ ; لأنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه إخراج القيمة في زكاة الفطر.
قال الإمام أحمد : لا يعطي القيمة . قيل له : قوم يقولون : إن عمر بن عبد العزيز كان يأخذ القيمة , قال : يدعون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون : قال فلان , وقد قال ابن عمر : فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا . .. الحديث ؟
ولا بد أن تصل صدقة الفطر إلى مستحقها في الموعد المحدد لإخراجها , أو تصل إلى وكيله الذي عمده في قبضها نيابة عنه , فإن لم يجد الدافع من أراد دفعها إليه , ولم يجد له وكيلا في الموعد المحدد , وجب دفعها إلى آخر .
وهنا يغلط بعض الناس , بحيث يودع زكاة الفطر عند شخص لم يوكله المستحق , وهذا لا يعتبر إخراجا صحيحا لزكاة الفطر , فيجب التنبيه عليه .
باب في إخراج الزكاة
إن من أهم أحكام الزكاة معرفة مصرفها الشرعي , لتكون واقعة موقعها , وواصلة إلى مستحقها , حتى تبرأ بذلك ذمة الدافع . فاعلم أيها المسلم أنه تجب المبادرة بإخراج الزكاة فور وجوبها في المال , لقوله تعالى : وَآتُوا الزَّكَاةَ والأمر المطلق يقتضي الفورية , وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما خالطت الزكاة مالا إلا أهلكته ولأن حاجة الفقير تستدعي المبادرة بدفعها إليه , وفي تأخيرها إضرار به , ولأن من وجبت عليه عرضة لحلول العوائق الطارئة كالإفلاس والموت , وذلك يؤدي إلى بقائها في ذمته , ولأن المبادرة بإخراجها أبعد عن الشح وأخلص للذمة , وهو مرضاة للرب , فلهذه المعاني يجب المبادرة بإخراج الزكاة , وعدم تأخيرها إلا لضرورة , كما لو أخرها ليدفعها إلى من هو أشد حاجة , أو لغيبة الحال , ونحو ذلك .
وتجب الزكاة في مال صبي ومال مجنون , لعموم الأدلة , ويتولى إخراجها عنهما وليهما في الحال ; لأن ذلك حق وجب عليهما تدخله النيابة .
ولا يجوز إخراج الزكاة إلا بنية , لقوله صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات .
وإخراج الزكاة عمل , والأفضل أن يتولى صاحب المال توزيع الزكاة , ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقيها , وله أن يوكل من يخرجها عنه , كأن طلبها إمام المسلمين , دفعها إليه , أو يدفعها إلى الساعي , وهو العامل الذي يرسله الإمام لجباية الزكوات .
ويستحب عند دفع الزكاة أن يدعو الدافع والآخذ , فيقول الدافع : " اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما , ويقول الآخذ : " آجرك الله فيما أعطيت , وبارك لك فيما أبقيت , وجعله لك طهورا.
قال الله تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ أي : ادع لهم . قال عبد الله بن أبي أوفى : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم يصدقهم , قال : اللهم صل عليهم متفق عليه .
وإذا كان الشخص محتاجا , ومن عادته أخذ الزكاة , دفعها إليه دون أن يقول : هذه زكاة , لئلا يحرجه , وإن كان محتاجا , ولم يكن من عادته أخذ الزكاة , أعلمه بأنها زكاة .
والأفضل إخراج زكاة كل مال في بلده , بأن يوزعها على فقراء ذلك البلد الذي فيه المال , ويجوز نقلها إلى بلد آخر لمصلحة شرعية , كأن يكون له قرابة محتاجون ببلد آخر , أو من هم أشد حاجة ممن هم في البلد الذي فيه المال ; لأن الصدقات كانت تنقل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة , فيفرقها في فقراء المهاجرين والأنصار .
ويجب على إمام المسلمين بعث السعاة قرب زمن وجوب الزكاة لقبض زكاة الأموال الظاهرة كسائمة بهيمة الأنعام والزروع والثمار , لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعل خلفائه رضي الله عنهم من بعده , وجرى عليه عمل المسلمين , ولأن من الناس من لو ترك , لم يخرج الزكاة , ومنهم من يجهل وجوب الزكاة , فإرسال السعاة فيه تدارك لهذا الخطر , وفي بعث السعاة أيضا تخفيف على الناس , وإعانة لهم على أداء الواجب .
والواجب على المسلم إخراج الزكاة عند وجوبها كما سبق من غير تأخير ولا تردد , ويجوز تعجيل إخراج الزكاة قبل وجوبها لحولين فأقل , لأن النبي صلى الله عليه وسلم تعجل من العباس صدقة سنتين كما رواه أحمد وأبو داود , فيجوز تعجيل الزكاة قبل وجوبها إذا انعقد سبب الوجوب عند جمهور العلماء , سواء كانت زكاة ماشية أو حبوب أو نقدين أو عروض تجارة إذا ملك النصاب , وترك التعجيل أفضل , خروجا من الخلاف .
باب في بيان أهل الزكاة ومن لا يجوز دفع الزكاة لهم
واعلم أنه لا يجزئ دفع الزكاة إلا للأصناف التي عينها الله في كتابه الكريم , قال تعالى : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فهؤلاء المذكورون في هذه الآية الكريمة هم أهل الزكاة الذين جعلهم الله محلا لدفعها إليهم , لا يجوز صرف شيء منها إلى غيرهم إجماعا .
وأخرج أبو داود وغيره عن زياد بن الحارث مرفوعا : إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء . وقال النبي صلى الله عليه وسلم للسائل : إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك . وذلك أنه لما اعترض بعض المنافقين على النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقات , بين الله تعالى أنه هو الذي قسمها , وبين حكمها , وتولى أمرها بنفسه , ولم يكل قسمتها إلى أحد غيره .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " يجب صرفها إلى الأصناف الثمانية إن كانوا موجودين , وإلا , صرفت إلى الموجود منهم , ونقلها إلى حيث يوجدون ". وقال : " لا ينبغي أن يعطى منها إلا من يستعين بها على طاعة الله , فإن الله فرضها معونة على طاعته لمن يحتاج إليها من المؤمنين أو من يعاونهم , فمن لا يصلي من أهل الحاجات , لا يعطى منها , حتى يتوب ويلتزم بأداء الصلاة " انتهى .
ولا يجوز صرف الزكاة في غير هذه المصارف التي عينها الله من المشاريع الخيرية الأخرى , كبناء المساجد والمدارس , لقوله تعالى : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ الآية , و ( إنما ) تفيد الحصر , وتثبت الحكم لما بعدها , وتنفيه عما سواه , والمعنى : ليست الصدقات لغير هؤلاء , بل لهؤلاء خاصة , وإنما سمى الله الأصناف الثمانية , إعلاما منه أن الصدقة لا تخرج من هذه الأصناف إلى غيرها .
وهذه الأصناف تنقسم إلى قسمين :
القسم الأول : المحاويج من المسلمين .
القسم الثاني : من في إعطائهم معونة على الإسلام وتقوية له .
وقول الله تعالى : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ففي هذه الآية الكريمة حصر لأصناف أهل الزكاة الذين لا يجوز صرف الزكاة إلا لهم , ولا يجزئ صرفها في غيرهم , وهم ثمانية أصناف:
أحدهم : الفقراء , وهم أشد حاجة من المساكين , لأن الله تعالى بدأ بهم , وإنما يبدأ بالأهم فالأهم , والفقراء هم الذين لا يجدون شيئا يكتفون به في معيشتهم , ولا يقدرون على التكسب , أو يجدون بعض الكفاية , فيعطون من الزكاة كفايتهم إن كانوا لا يجدون منها شيئا , أو يعطون تمام كفايتهم إن كانوا يجدون بعضها لعام كامل .
الثاني : المساكين , وهم أحسن حالا من الفقراء , فالمسكين هو الذي يجد أكثر كفايته أو نصفها , فيعطى من الزكاة تمام كفايته لعام كامل .
الثالث : العاملون عليها , وهم العمال الذين يقومون بجمع الزكاة من أصحابها , ويحفظونها , ويوزعونها على مستحقيها بأمر إمام المسلمين , فيعطون من الزكاة قدر أجرة عملهم , إلا إن كان ولي الأمر قد رتب لهم رواتب من بيت المال على هذا العمل , فلا يجوز أن يعطوا شيئا من الزكاة , كما هو الجاري في هذا الوقت , فإن العمال يعطون من قبل الدولة , فيأخذون انتدابات على عملهم في الزكاة , فهؤلاء حرام عليهم أن يأخذوا من الزكاة شيئا عن عملهم ; لأنهم قد أعطوا أجرة عملهم من غيرها .
الرابع : المؤلفة قلوبهم : جمع مؤلف من التأليف وهو جمع القلوب , والمؤلفة قلوبهم قسمان : كفار ومسلمون , فالكافر يعطى من الزكاة إذا رجي إسلامه لتقوى نيته على الدخول في الإسلام وتشتد رغبته , أو إذا حصل بإعطائه كف شره عن المسلمين أو شر غيره , والمسلم المؤلف يعطى من الزكاة لتقوية إيمانه , أو رجاء إسلام نظيره . .. ونحو ذلك من الأغراض الصحيحة المفيدة للمسلمين , والإعطاء للتأليف إنما يعمل به عند الحاجة إليه فقط ; لأن عمر وعثمان وعليا رضي الله عنهم تركوا الإعطاء للتأليف , لعدم الحاجة إليه في وقتهم
الخامس : الرقاب , وهم الأرقاء المكاتبون الذين لا يجدون وفاء , فيعطى المكاتب ما يقدر به على وفاء دينه حتى يعتق ويخلص من الرق , ويجوز أن يشتري المسلم من زكاته عبدا فيعتقه , ويجوز أن يفتدى من الزكاة الأسير المسلم ; لأن في ذلك فك رقبة المسلم من الأسر .
السادس : الغارم , وانفراد بالغارم المدين , وهو نوعان :
أحدهما : غارم لغيره , وهو الغارم لأجل إصلاح ذات البين , بأن يقع بين قبيلتين أو قريتين نزاع في دماء أو أموال , ويحدث بسبب ذلك بينهم شحناء وعداوة , فيتوسط الرجل بالصلح بينهما , ويلتزم في ذمته مالا عوضا عما بينهم , ليطفئ الفتنة , فيكون قد عمل معروفا عظيما , من المشروع حمله عنه من الزكاة , لئلا تجحف الحمالة بماله , وليكون ذلك تشجيعا له ولغيره على مثل هذا العمل الجليل , الذي يحصل به كف الفتن والقضاء على الفساد , بل لقد أباح الشارع لهذا الغارم المسألة لتحقيق هذا الغرض بما ففي " صحيح مسلم " عن قبيصة , قال : تحولت حمالة , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها
الثاني : الغارم لنفسه , كأن يفتدي نفسه من كفار , أو يكون عليه دين لا يقدر على تسديده , فيعطى من الزكاة ما يسدد به دينه , لقوله تعالى : وَالْغَارِمِينَ
السابع : في سبيل الله , بأن يعطى من الزكاة الغزاة المتطوعة الذين لا رواتب لهم من بيت المال ; لأن المراد بسبيل الله عند الإطلاق الغزو , قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ وقال تعالى : وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
الثامن : ابن السبيل , وهو المسافر المنقطع به في سفره بسبب نفاد ما معه أو ضياعه ; لأن السبيل هو الطريق , فسمي من لزمه ابن السبيل , فيعطى ابن السبيل ما يوصله إلى بلده , وإن كان في طريقه إلى بلد قصده , أعطي ما يوصله ذلك البلد , وما يرجع به إلى بلده , ويدخل في ابن السبيل الضيف كما قال ابن عباس وغيره , وإن بقي مع ابن السبيل أو الغازي أو الغارم أو المكاتب شيء مما أخذوه من الزكاة زائدا عن حاجتهم , وجب عليهم رده ; لأنه لا يملك ما أخذه ملكا مطلقا , وإنما يملكه ملكا مراعى بقدر الحاجة , وتحقق السبب الذي أخذه من أجله , فإذا زال السبب , زال الاستحقاق .
واعلم أنه يجوز صرف جميع الزكاة في صنف واحد من هذه الأصناف المذكورة , قال تعالى : وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ولحديث معاذ حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن , فقال : أعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم متفق عليه , فلم يذكر في الآية والحديث إلا صنفا واحدا , فدل على جواز صرفها إليه .
ويجزئ الاقتصار على إنسان واحد , لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر رواه أحمد , وقال صلى الله عليه وسلم لقبيصة : أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة , فنأمر لك بها فدل الحديثان على جواز الاقتصار على شخص واحد من الأصناف الثمانية .
ويستحب دفعها إلى أقاربه المحتاجين الذين لا تلزمه نفقتهم الأقرب فالأقرب , لقوله صلى الله عليه وسلم : صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة رواه الخمسة وحسنه الترمذي .
ولا يجوز دفع الزكاة إلى بني هاشم , ويدخل فيهم : آل العباس , وآل علي , وآل جعفر , وآل عقيل , وآل الحارث بن عبد المطلب , وآل أبي لهب , لقوله صلى الله عليه وسلم إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد , وإنما هي أوساخ الناس أخرجه مسلم .
ولا يجوز دفع الزكاة إلى امرأة فقيرة إذا كانت تحت زوج غني ينفق عليها , ولا إلى فقير إذا كان له قريب غني ينفق عليه , لاستغنائهم بتلك النفقة عن الأخذ من الزكاة .
ولا يجوز للإنسان أن يدفع زكاة ماله إلى أقاربه الذين يلزمه الإنفاق عليهم , لأنه يقي بها ماله حينئذ , أما من كان ينفق عليه تبرعا , فإنه يجوز أن يعطيه من زكاته , ففي " الصحيح " أن امرأة عبد الله سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بني أخ لها أيتام في حجرها , أفتعطيهم زكاتها , قال : نعم
ولا يجوز دفع زكاته إلى أصوله , وهم آباؤه وأجداده , ولا إلى فروعه , وهم أولاده وأولاد أولاده . ولا يجوز له دفع زكاته إلى زوجته , لأنها مستغنية بإنفاقه عليها , ولأنه يقي بها ماله . ويجب على المسلم أن يتثبت من دفع الزكاة , فلو دفعها لمن ظنه مستحقا , فتبين أنه غير مستحق , لم تجزئه , أما إذا لم يتبين عدم استحقاقه , فالدفع إليه يجزئ , اكتفاء بغلبة الظن , ما لم يظهر خلافه , لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما أتاه رجلان يسألانه من الصدقة فقلب فيهما البصر , ورآهما جلدين , فقال : إن شئتما أعطيتكما منها , ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب
باب في الصدقة المستحبة
وإلى جانب الزكاة الواجبة في المال هناك صدقة مستحبة تشرع كل وقت لإطلاق الحث عليها في الكتاب والسنة والترغيب فيها , فقد حث الله عليها في كتابه العزيز في آيات كثيرة : قال تعالى : وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ ، وقال تعالى : وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ، وقال تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء رواه الترمذي وحسنه. وفي " الصحيحين " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله . .. وذكر منهم : ورجلا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ، والأحاديث قي هذا كثيرة .
وصدقة السر أفضل , لقوله تعالى : وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ولأنه أبعد عن الرياء , إلا أن يترتب على إظهار الصدقة وإعلانها مصلحة راجحة من اقتداء الناس به .
وينبغي أن تكون طيبة بها نفسه , غير ممتن بها على المحتاج , قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ، والصدقة في حال الصحة أفضل , قال صلى الله عليه وسلم لما سئل : أي الصدقة أفضل , قال : أن تصدق وأنت صحيح شحيح , تأمل الغنى وتخشى الفقر
والصدقة في الحرمين الشريفين أفضل , لأمر الله بها في قوله : فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ .
والصدقة في رمضان أفضل , لقول ابن عباس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس , وكان أجود ما يكون في رمضان , حين يلقاه جبريل , فكان أجود بالخير من الريح المرسلة .
والصدقة في أوقات الحاجة أفضل , قال تعالى : أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ .
كما أن الصدقة على الأقارب والجيران أفضل منها على الأبعدين , فقد أوصى الله بالأقارب , وجعل لهم حقا على قريبهم في كثير من الآيات , كقوله تعالى : وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وقال عليه الصلاة والسلام : الصدقة على المسكين صدقة , وعلى ذي الرحم اثنتان : صدقة وصلة رواه الخمسة وغيرهم , وفي " الصحيحين " : أجران : أجر القرابة , وأجر الصدقة .
ثم اعلم أن في المال حقوقا سوى الزكاة , نحو مواساة القرابة , وصلة الإخوان , لإعطاء سائل , وإعارة محتاج , وإنظار معسر , وإقراض مقترض , قال تعالى : وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ .
ويجب إطعام الجائع وقري الضيف وكسوة العاري وسقي الظمآن , بل ذهب الإمام مالك رحمه الله إلى أنه يجب على المسلمين فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم .
كما أنه يشرع لمن حصل على مال وبحضرته أناس من الفقراء والمساكين أن يتصدق عليهم منه , قال تعالى : وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وقال تعالى : وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا وهذه من محاسن دين الإسلام ; لأنه دين المواساة والرحمة , ودين التعاون والتآخي في الله , فما أجمله من دين وما أحكمه من تشريع. نسأل الله تعالى أن يرزقنا البصيرة في دينه والتمسك بشريعته , إنه سميع
كتاب الصيام
بسم الله الرحمن الرحيم
باب في وجوب الصيام ووقته
صوم شهر رمضان ركن من أركان الإسلام , وفرض من فروض الله , معلوم من الدين بالضرورة .
ويدل عليه الكتاب والسنة والإجماع :
قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ إلى قوله تعالى : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ الآية , ومعنى " كتب " : فرض , وقال : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ والأمر للوجوب .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : بني الإسلام على خمس وذكر منها صوم رمضان . والأحاديث في الدلالة على فرضيته وفضله كثيرة مشهورة .
وأجمع المسلمون على وجوب صومه , وأن من أنكره كفر .
والحكمة في شرعية الصيام أن فيه تزكية للنفس وتطهيرا وتنقية لها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة ; لأنه يضيق مجاري الشيطان في بدن الإنسان ; لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم , فإذا أكل أو شرب , انبسطت نفسه للشهوات , وضعفت إرادتها , وقلت رغبتها في العبادات , والصوم على العكس من ذلك .
وفي الصوم تزهيد في الدنيا وشهواتها , وترغيب في الآخرة , وفيه باعث على العطف على المساكين وإحساس بآلامهم , لما يذوقه الصائم من ألم الجوع والعطش , لأن الصوم في الشرع هو الإمساك بنية عن أشياء مخصوصة من أكل وشرب وجماع وغير ذلك مما ورد به الشرع , ويتبع ذلك الإمساك عن الرفث والفسوق .
ويبتدئ وجوب الصوم اليومي بطلوع الفجر الثاني , وهو البياض المعترض في الأفق , وينتهي بغروب الشمس , قال الله تعالى : فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ ( يعني الزوجات ) وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ومعنى : يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ أن يتضح بياض النهار من سواد الليل .
ويبدأ وجوب صوم شهر رمضان إذا علم دخوله وللعلم بدخوله ثلاث طرق :
الطريقة الأولى : رؤية هلاله , قال تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وقال النبي صلى الله عليه وسلم : صوموا لرؤيته فمن رأى الهلال بنفسه , وجب عليه الصوم .
الطريقة الثانية : الشهادة على الرؤية , أو الإخبار عنها , فيصام برؤية عدل مكلف , ويكفي إخباره بذلك , لقول ابن عمر : تراءى الناس الهلال , فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته , فصام , وأمر الناس بصيامه رواه أبو داود وغيره , وصححه ابن حبان والحاكم .
والطريقة الثالثة : إكمال عدة شهر شعبان ثلاثين يوما , وذلك حينما لا يرى الهلال ليلة الثلاثين من شعبان مع عدم وجود ما يمنع الرؤية من غيم أو قتر أو مع وجود شيء من ذلك , لقوله صلى الله عليه وسلم : إنما الشهر تسعة وعشرون يوما , فلا تصوموا حتى تروا الهلال , ولا تفطروا حتى تروه , فإن غم عليكم , فاقدروا له ومعنى " اقدروا له " أي : أتموا شهر شعبان ثلاثين يوما , لما ثبت في حديث أبي هريرة : فإن غم عليكم , فعدوا ثلاثين
ويلزم صوم رمضان كل مسلم مكلف قادر , فلا يجب على كافر , ولا يصح منه , فإن تاب في أثناء الشهر , صام الباقي , ولا يلزمه قضاء ما سبق حال الكفر .
ولا يجب الصوم على صغير , ويصح الصوم من صغير مميز , ويكون في حقه نافلة .
ولا يجب الصوم على مجنون , ولو صام حال جنونه , لم يصح منه , لعدم النية .
ولا يجب الصوم أداء على مريض يعجز عنه ولا على مسافر , ويقضيانه حال زوال عذر المرض والسفر , قال تعالى : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ .
والخطاب بإيجاب الصيام يشمل المقيم والمسافر , والصحيح والمريض , والطاهر والحائض والنفساء , والمغزى عليه , فإن هؤلاء كلهم يجب عليهم الصوم في ذممهم , بحيث إنهم يخاطبون بالصوم , ليعتقدوا وجوبه في ذممهم , والعزم على فعله : إما أداء , وإما قضاء , فمنهم من يخاطب بالصوم في نفس الشهر أداء , وهو الصحيح المقيم , إلا الحائض والنفساء , ومنهم من يخاطب بالقضاء فقط , وهو الحائض والنفساء والمريض الذي لا يقدر على أداء الصوم ويقدر عليه قضاء , ومنهم من يخير بين الأمرين , وهو المسافر والمريض الذي يمكنه الصوم بمشقة من غير خوف التلف .
ومن أفطر لعذر ثم زال عذره في أثناء نهار رمضان , كالمسافر يقدم من سفره , والحائض والنفساء تطهران , والكافر إذا أسلم , والمجنون إذا أفاق من جنونه , والصغير يبلغ , فإن كلا من هؤلاء يلزمه الإمساك بقية اليوم ويقضيه , وكذا إذا قامت البينة بدخول الشهر في أثناء النهار , فإن المسلمين يمسكون بقية اليوم ويقضون اليوم بعد رمضان .
باب في بدء صيام اليوم ونهايته
قال الله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ
قال الإمام ابن كثير رحمه الله : " هذه رخصة من الله تعالى للمسلمين , ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام , فإنه كان إذا أفطر أحدهم , إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك , فمتى نام أو صلى العشاء , حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة , فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة , فنزلت هذه الآية , ففرحوا بها فرحا شديدا , حيث أباح الله الأكل والشرب والجماع في أي الليل شاء الصائم , إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل .
فتبين من الآية الكريمة تحديد الصوم اليومي بداية ونهاية , فبدايته من طلوع الفجر الثاني , ونهايته إلى غروب الشمس .
وفي إباحته تعالى الأكل والشرب إلى طلوع الفجر دليل على استحباب السحور .
وفي " الصحيحين " عن أنس , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تسحروا , فإن السحور بركة
وقد ورد في الترغيب بالسحور آثار كثيرة , ولو بجرعة ماء , ويستحب تأخيره إلى وقت انفجار الفجر. ولو استيقظ الإنسان وعليه جنابة أو طهرت الحائض قبل طلوع الفجر , فإنهم يبدءون بالسحور , ويصومون , ويؤخرون الاغتسال إلى بعد طلوع الفجر .
وبعض الناس يبكرون بالتسحر لأنهم يسهرون معظم الليل ثم يتسحرون وينامون قبل الفجر بساعات , وهؤلاء قد ارتكبوا عدة أخطاء :
أولا : لأنهم صاموا قبل وقت الصيام .
ثانيا : يتركون صلاة الفجر مع الجماعة , فيعصون الله بترك ما أوجب الله عليهم من صلاة الجماعة .
ثالثا : ربما يؤخرون صلاة الفجر عن وقتها , فلا يصلونها إلا بعد طلوع الشمس , وهذا أشد جرما وأعظم إثما , قال الله تعالى : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ
ولا بد أن ينوي الصيام الواجب من الليل , فلو نوى الصيام ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر , فإنه يمسك , وصيامه صحيح تام إن شاء الله .
ويستحب تعجيل الإفطار إذا تحقق غروب الشمس بمشاهدتها أو غلب على ظنه بخبر ثقة بأذان أو غيره : فعن سهل بن سعد رضي الله عنه , أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر متفق عليه , وقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل : إن أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا
والسنة أن يفطر على رطب , فإن لم يجد , فعلى تمر , فإن لم يجد , فعلى ماء , لقول أنس رضي الله عنه : كان النبي صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات , فإن لم تكن رطبات , فتمرات , فإن لم تكن تمرات , حسا حسوات من ماء . .. رواه أحمد وأبو داود والترمذي , فإن لم يجد رطبا ولا تمرا ولا ماء أفطر على ما تيسر من طعام وشراب .
وهنا أمر يجب التنبيه عليه , وهو أن بعض الناس قد يجلس على مائدة إفطاره ويتعشى ويترك صلاة المغرب مع الجماعة في المسجد , فيرتكب بذلك خطأ عظيما , وهو التأخر عن الجماعة في المسجد , ويفوت على نفسه ثوابا عظيما , ويعرضها للعقوبة , والمشروع للصائم أن يفطر أولا , ثم يذهب للصلاة , ثم يتعشى بعد ذلك.
ويستحب أن يدعو عند إفطاره بما أحب , قال صلى الله عليه وسلم : إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد ومن الدعاء الوارد أن يقول : اللهم لك صمت , وعلى رزقك أفطرت وكان صلى الله عليه وسلم إذا أفطر يقول , ذهب الظمأ , وابتلت العروق , وثبت الأجر إن شاء الله .
وهكذا ينبغي للمسلم أن يتعلم أحكام الصيام والإفطار وقتا وصفة حتى يؤدي صيامه على الوجه المشروع الموافق لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم , وحتى يكون صيامه صحيحا وعمله مقبولا عند الله , فإن ذلك من أهم الأمور , قال الله تعالى : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا
باب في مفسدات الصوم
للصيام مفسدات يجب على المسلم أن يعرفها , ليتجنبها , ويحذر منها ; لأنها تفطر الصائم , وتفسد عليه صيامه , وهذه المفطرات منها :
1 - الجماع : فمتى جامع الصائم , بطل صيامه , ولزمه قضاء ذلك اليوم الذي جامع فيه , ويجب عليه مع قضائه الكفارة , وهي : عتق رقبة , فإن لم يجد الرقبة أو لم يجد قيمتها , فعليه أن يصوم شهرين متتابعين , فإن لم يستطع صيام شهرين متتابعين , بأن لم يقدر على ذلك لعذر شرعي , فعليه أن يطعم ستين مسكينا , لكل مسكين نصف صاع من الطعام المأكول في البلد .
2 - إنزال المني : بسبب تقبيل أو لمس أو استمناء أو تكرار نظر , فإذا حصل شيء من ذلك , فسد صومه , وعليه القضاء فقط بدون كفارة ; لأن الكفارة تختص بالجماع . والنائم إذا احتلم فأنزل , فلا شيء عليه , وصيامه صحيح ; لأن ذلك وقع بدون اختياره , لكن يجب عليه الاغتسال من الجنابة .
3 - الأكل أو الشرب متعمدا: , لقوله تعالى : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ
أما من أكل وشرب ناسيا , فإن ذلك لا يؤثر على صيامه , وفي الحديث : من أكل أو شرب ناسيا , فليتم صومه , فإنما أطعمه الله وسقاه ومما يفطر الصائم إيصال الماء ونحوه إلى الجوف عن طريق الأنف , وهو ما يسمى بالسعوط , وأخذ المغذي عن طريق الوريد , وحقن الدم في الصائم , كل ذلك يفسد صومه ; لأنه تغذية له , ومن ذلك أيضا حقن الصائم بالإبر المغذية ; لأنها تقوم مقام الطعام , وذلك يفسد الصيام , أما الإبر غير المغذية , فينبغي للصائم أيضا أن يتجنبها محافظة على صيامه , ولقوله صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ويؤخرها إلى الليل .
4 - إخراج الدم من البدن : بحجامة أو فصد أو سحب دم ليتبرع به لإسعاف مريض , فيفطر بذلك كله .
أما إخراج دم قليل كالذي يستخرج للتحليل , فهذا لا يؤثر على الصيام , وكذا خروج الدم بغير اختياره برعاف أو جرح أو خلع سن , فهذا لا يؤثر على الصيام .
5 - ومن المفطرات التقيؤ : , وهو استخراج ما في المعدة من طعام أو شراب عن طريق الفم متعمدا , فهذا يفطر به الصائم , أما إذا غلبه القيء , وخرج بدون اختياره , فلا يؤثر على صيامه , لقوله صلى الله عليه وسلم : من ذرعه القيء , فليس عليه قضاء , ومن استقاء عمدا , فليقض ومعنى " ذرعه القيء " أي : خرج بدون اختياره , ومعنى قوله : " استقاء " أي : تعمد القيء .
وينبغي أن يتجنب الصائم الاكتحال ومداواة العينين بقطرة أو بغيرها وقت الصيام , محافظة على صيامه .
ولا يبالغ في المضمضة والاستنشاق ; لأنه ربما ذهب الماء إلى جوفه , قال صلى الله عليه وسلم : وبالغ بالاستنشاق إلا أن تكون صائما
والسواك لا يؤثر على الصيام , بل هو مستحب ومرغب فيه للصائم وغيره في أول النهار وآخره على الصحيح .
ولو طار إلى حلقه غبار أو ذباب , لم يؤثر على صيامه . ويجب على الصائم اجتناب كذب وغيبة وشتم , وإن سابه أحد أو شتمه , فليقل إني صائم , فإن بعض الناس قد يسهل عليه ترك الطعام والشراب , ولكن لا يسهل عليه ترك ما اعتاده من الأقوال والأفعال الرديئة , ولهذا قال بعض السلف : أهون الصيام ترك الطعام والشراب .
فعلى المسلم أن يتقي الله ويخافه ويستشعر عظمة ربه واطلاعه عليه في كل حين وعلى كل حال , فيحافظ على صيامه من المفسدات والمنقصات , ليكون صيامه صحيحا .
وينبغي للصائم أن يشتغل بذكر الله وتلاوة القرآن والإكثار من النوافل , فقد كان السلف إذا صاموا , جلسوا في المساجد , وقالوا . نحفظ صومنا ولا نغتاب أحدا , وقال - صلى الله عليه وسلم : من لم يدع قول الزور والعمل به , فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه وذلك لأنه لا يتم التقرب إلى الله تعالى بترك هذه الشهوات المباحة في غير حالة الصيام إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرم الله عليه في كل حال من الكذب والظلم والعدوان على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم , روي عن أبي هريرة مرفوعا : الصائم في عبادة ما لم يغتب مسلما أو يؤذه وعن أنس : ما صام من ظل يأكل لحوم الناس فالصائم يترك أشياء كانت مباحة في غير حالة الصيام , فمن باب أولى أن يترك الأشياء التي لا تحل له في جميع الأحوال , ليكون في عداد الصائمين حقا.
باب ما جاء في بيان أحكام القضاء للصيام
من أفطر في رمضان بسبب مباح , كالأعذار الشرعية التي تبيح الفطر , أو بسبب محرك , كمن أبطل صومه بجماع أو غيره , وجب عليه القضاء , لقوله تعالى : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ .
ويستحب له المبادرة بالقضاء , لإبراء ذمته , ويستحب أن يكون القضاء متتابعا ; لأن القضاء يحكي الأداء , وإن لم يقض على الفور , وجب العزم عليه , ويجوز له التأخير ; لأن وقته موسع , وكل واجب موسع يجوز تأخيره مع العزم عليه , كما يجوز تفرقته , بأن يصومه متفرقا , لكن إذا لم يبق من شعبان إلا قدر ما عليه , فإنه يجب عليه التتابع إجماعا , لضيق الوقت , ولا يجوز تأخيره إلى ما بعد رمضان الآخر لغير عذر , لقول عائشة رضي الله عنها : " كان يكون علي الصوم من رمضان , فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان , لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم " متفق عليه , فدل هذا على أن وقت القضاء موسع , إلى أن لا يبقى من شعبان إلا قدر الأيام التي عليه , فيجب عليه صيامها قبل دخول رمضان الجديد .
فإن أخر القضاء حتى أتى عليه رمضان الجديد , فإنه يصوم رمضان الحاضر , ويقضي ما عليه بعده , ثم إن كان تأخيره لعذر لم يتمكن معه من القضاء في تلك الفترة , فإنه ليس عليه إلا القضاء , وإن كان لغير عذر , وجب عليه مع القضاء إطعام مسكين عن كل يوم نصف صاع من قوت البلد .
وإذا مات من عليه القضاء قبل دخول رمضان الجديد , فلا شيء عليه ; لأن له تأخيره في تلك الفترة التي مات فيها , وإن مات بعد رمضان الجديد : فإن كان تأخيره القضاء لعذر - كالمرض والسفر - حتى أدركه رمضان الجديد , فلا شيء عليه أيضا , وإن كان تأخيره لغير عذر , وجبت الكفارة في تركته , بأن يخرج عنه إطعام مسكين عن كل يوم .
وإن مات من عليه صوم كفارة كصوم كفارة الظهار والصوم الواجب عن دم المتعة في الحج , فإنه يطعم عنه عن كل يوم مسكينا , ولا يصام عنه , ويكون الإطعام من تركته ; لأنه صيام لا تدخله النيابة في الحياة , فكذا بعد الموت , وهذا هو قول أكثر أهل العلم .
وإن مات من عليه صوم نذر , استحب لوليه أن يصوم عنه , لما ثبت في " الصحيحين " , أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فقالت : إن أمي ماتت وعليها صيام نذر , أفأصوم عنها , قال : " نعم " والولي هو الوارث .
قال ابن القيم رحمه الله : يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي , وهذا مذهب أحمد وغيره , والمنصوص عن ابن عباس وعائشة , وهو مقتضى الدليل والقياس ; لأن النذر ليس واجبا بأصل الشرع , وإنما أوجبه العبد على نفسه , فصار بمنزلة الدين , ولهذا شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بالدين , وأما الصوم الذي فرضه الله عليه ابتداء , فهو أحد أركان الإسلام , فلا تدخله النيابة بحال , كما لا تدخل الصلاة والشهادتين , فإن المقصود منهما طاعة العبد بنفسه , وقيامه بحق العبودية التي خلق لها وأمر بها , وهذا لا يؤديه عنه غيره , ولا يصلي عنه غيره .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " يطعم عنه كل يوم مسكين , وبذلك أخذ أحمد وإسحاق وغيرهما , وهو مقتضى النظر كما هو موجب الأثر , فإن النذر كان ثابتا في الذمة فيفعل بعد الموت , وأما صوم رمضان , فإن الله لم يوجبه على العاجز عنه , بل أمر العاجز بالفدية طعام مسكين , والقضاء إنما على من قدر عليه لا على من عجز عنه , فلا يحتاج إلى أن يقضي أحد عن أحد , وأما الصوم لنذر وغيره من المنذورات , فيفعل عنه بلا خلاف , للأحاديث الصحيحة .
باب في ما يلزم من أفطر لكبر أو مرض
الله سبحانه وتعالى أوجب صوم رمضان على المسلمين , أداء في حق غير ذوي الأعذار , وقضاء في حق ذوي الأعذار , الذين يستطيعون القضاء في أيام أخر , وهناك صنف ثالث لا يستطيعون الصيام أداء ولا قضاء كالكبير الهرم والمريض الذي لا يرجى برؤه , فهذا الصنف قد خفف الله عنه , فالواجب عليه بدل الصيام إطعام مسكين عن كل يوم نصف صاع من الطعام .
قال الله تعالى : لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وقال تعالى : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ قال ابن عباس رضي الله عنهما : " هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم " رواه البخاري .
والمريض الذي لا يرجى برؤه من مرضه في حكم الكبير , فيطعم عن كل يوم مسكينا .
وأما من أفطر لعذر يزول كالمسافر والمريض مرضا يرجى زواله والحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو على ولديهما , والحائض والنفساء , فإن كلا من هؤلاء يتحتم عليه القضاء , بأن يصوم من أيام أخر بعدد الأيام التي أفطرها , قال تعالى : وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ .
وفطر المريض الذي يضره الصوم والمسافر الذي يجوز له قصر الصلاة سنة , لقوله تعالى في حقهم : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ أي : فليفطر وليقض عدد ما أفطره , قال تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ والنبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين , إلا اختار أيسرهما , وفي " الصحيحين " : ليس من البر الصيام في السفر .
وإن صام المسافر أو المريض الذي يشق عليه الصوم , صح صومهما مع الكراهة , وأما الحائض والنفساء , فيحرم في حقها الصوم حال الحيض والنفاس , ولا يصح.
والمرضع والحامل يجب عليهما قضاء ما أفطرتا من أيام أخر , ويجب مع القضاء على من أفطرت للخوف على ولدها إطعام مسكين عن كل يوم أفطرته .
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله : " أفتى ابن عباس وغيره من الصحابة في الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أن تفطرا وتطعما عن كل يوم مسكينا , إقامة للإطعام مقام الصيام " , يعني : أداء , مع وجوب القضاء عليهما .
ويجب الفطر على من احتاج إليه لإنقاذ من وقع في هلكة , كالغريق ونحوه .
وقال ابن القيم : " وأسباب الفطر أربعة : السفر , والمرض , والحيض , والخوف من هلاك من يخشى عليه الهلاك بالصوم كالمرضع والحامل , ومثله مسألة الغريق " .
ويجب على المسلم تعيين نية الصوم الواجب من الليل , كصوم رمضان , وصوم الكفارة , وصوم النذر , بأن يعتقد أنه يصوم من رمضان أو قضائه أو يصوم نذرا أو كفارة , لقوله صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات , وإنما لكل امرئ ما نوى وعن عائشة مرفوعا : من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر , فلا صيام له فيجب أن ينوي الصوم الواجب في الليل , فمن نوى الصوم من النهار , كمن أصبح ولم يطعم شيئا بعد طلوع الفجر , ثم نوى الصيام , لم يجزئه , إلا في التطوع , وأما الصوم الواجب , فلا ينعقد بنيته من النهار ; لأن جميع النهار يجب فيه الصوم , والنية لا تنعطف على الماضي .
أما صوم النقل , فيجوز بنية من النهار , لحديث عائشة رضي الله عنها : دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم , فقال : هل عندكم من شيء , فقلنا : لا , قال : فإني إذا صائم رواه الجماعة إلا البخاري , ففي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان مفطرا لأنه طلب طعاما , وفيه دليل على جواز تأخير نية الصوم إذا كان تطوعا , فتخصص به الأدلة المانعة .
فشرط صحة صوم النفل بنية من النهار أن لا يوجد قبل النية مناف للصيام من أكل وشرب ونحوهما , فإن فعل قبل النية ما يفطره , لم يصح الصيام بغير خلاف .
كتاب الحج
بسم الله الرحمن الرحيم
باب في الحج وعلى من يجب
الحج هو أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام . قال الله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ أي : لله على الناس فرض واجب هو حج البيت ; لأن كلمة " على " للإيجاب , وقد أتبعه بقوله جل وعلا : وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ فسمى تعالى تاركه كافرا , وهذا مما يدل على وجوبه وآكديته , فمن لم يعتقد وجوبه , فهو كافر بالإجماع .
وقال تعالى لخليله . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ، وللترمذي وغيره وصححه عن علي رضي الله عنه مرفوعا من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله , ولم يحج , فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا ، وقال صلى الله عليه وسلم : بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله , وإقام الصلاة , وإيتاء الزكاة , وصوم رمضان , وحج البيت من استطاع إليه سبيلا والمراد ب ( السبيل ) توفر الزاد ووسيلة النقل التي توصله إلى البيت ويرجع بها إلى أهله .
والحكمة في مشروعية الحج هي كما بينها الله تعالى بقوله : لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ إلى قوله : ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ فالمنفعة من الحج ترجع للعباد ولا ترجع إلى الله تعالى ; لأنه غني عن العالمين فليست به حاجة إلى الحجاج كما يحتاج المخلوق إلى من يقصده ويعظمه , بل العباد بحاجة إليه , فهم يفدون إليه لحاجتهم إليه .
والحكمة في تأخير فرضية الحج عن الصلاة والزكاة والصوم , لأن الصلاة عماد الدين , ولتكررها في اليوم والليلة خمس مرات , ثم الزكاة لكونها قرينة لها في كثير من المواضع , ثم الصوم لتكرره كل سنة .
وقد فرض الحج في الإسلام سنة تسع من الهجرة كما هو قول الجمهور , ولم يحج النبي صلى الله عليه وسلم إلا حجة واحدة هي حجة الوداع , وكانت سنة عشر من الهجرة , واعتمر صلى الله عليه وسلم أربع عمر .
والمقصود من الحج والعمرة عبادة الله في البقاع التي أمر الله بعبادته فيها , قال صلى الله عليه وسلم : إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله والحج فرض بإجماع المسلمين , وركن من أركان الإسلام , وهو فرض في العمر مرة على المستطيع , وفرض كفاية على المسلمين كل عام , وما زاد على حج الفريضة في حق أفراد المسلمين , فهو تطوع .
وأما العمرة , فواجبة على قول كثير من العلماء , بدليل قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل : هل على النساء من جهاد , قال : نعم , عليهن جهاد لا قتال فيه : الحج والعمرة رواه أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح , وإذا ثبت وجوب العمرة على النساء , فالرجال أولى , وقال صلى الله عليه وسلم للذي سأله , فقال : إن أبي شيخ كبير , لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن , فقال : حج عن أبيك واعتمر رواه الخمسة وصححه الترمذي .
فيجب الحج والعمرة على المسلم مرة واحدة في العمر , لقوله صلى الله عليه وسلم : الحج مرة , فمن زاد , فهو تطوع رواه أحمد وغيره , وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا : أيها الناس ! قد فرض عليكم الحج , فحجوا , فقال رجل : أكل عام , فقال : " لو قلت : نعم , لوجبت , ولما استطعتم
ويجب على المسلم أن يبادر بأداء الحج الواجب مع الإمكان , ويأثم إن أخره بلا عذر , لقوله - صلى الله عليه وسلم : تعجلوا إلى الحج ( يعني : الفريضة ) , فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له رواه أحمد .
وإنما يجب الحج بشروط خمسة الإسلام , والعقل , والبلوغ , والحرية , والاستطاعة , فمن توفرت فيه هذه الشروط , وجب عليه المبادرة بأداء الحج .
ويصح فعل الحج والعمرة من الصبي نفلا لحديث ابن عباس : أن امرأة رفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم صبيا , فقالت : ألهذا حج , قال : نعم , ولك أجر رواه مسلم .
وقد أجمع أهل العلم على أن الصبي إذا حج قبل أن يبلغ , فعليه الحج إذا بلغ واستطاع , ولا تجزئه تلك الحجة عن حجة الإسلام , وكذا عمرته.
وإن كان الصبي دون التمييز , عقد عنه الإحرام وليه , بأن ينويه عنه , ويجنبه المحظورات , ويطوف ويسعى به محمولا , ويستصحبه في عرفة ومزدلفة ومنى , ويرمي عنه الجمرات. وإن كان الصبي مميزا , نوى الإحرام بنفسه بإذن وليه , ويؤدي ما قدر عليه من مناسك الحج , وما عجز عنه , يفعله عنه وليه , كرمي الجمرات , ويطاف ويسعى به راكبا أو محمولا إن عجز عن المشي .
وكل ما أمكن الصغير - مميزا كان أو دونه - فعله بنفسه كالوقوف والمبيت , لزمه فعله , بمعنى أنه لا يصح أن يفعل عنه , لعدم الحاجة لذلك , ويجتنب في حجه ما يجتنب الكبير من المحظورات .
والقادر على الحج هو الذي يتمكن من أدائه جسميا وماديا , بأن يمكنه الركوب , ويتحمل السفر , ويجد من المال بلغته التي تكفيه ذهابا وإيابا , ويجد أيضا ما يكفي أولاده ومن تلزمه نفقتهم إلى أن يعود إليهم , ولا بد أن يكون ذلك بعد قضاء الديون والحقوق التي عليه , وبشرط أن يكون طريقه إلى الحج آمنا على نفسه وماله .
فإن قدر بماله دون جسمه , بأن كان كبيرا هرما أو مريضا مرضا مزمنا لا يرجى برؤه , لزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر حجة وعمرة الإسلام من بلده أو من البلد الذي أيسر فيه , لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما , أن امرأة من خثعم قالت : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة , أفأحج عنه , قال : حجي عنه متفق عليه .
ويشترط في النائب عن غيره في الحج أن يكون قد حج عن نفسه حجة الإسلام , لحديث ابن عباس رضي الله عنهما , أنه صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول : لبيك عن شبرمة , قال : حججت عن نفسك ؟ , قال : لا , قال : حج عن نفسك إسناده جيد , وصححه البيهقي .
ويعطى النائب من المال ما يكفيه تكاليف السفر ذهابا وإيابا , ولا تجوز الإجارة على الحج , ولا أن يتخذ ذريعة لكسب المال , وينبغي أن يكون مقصود النائب نفع أخيه المسلم , وأن يحج بيت الله الحرام ويزور تلك المشاعر العظام , فيكون حجه لله لا لأجل الدنيا , فإن حج لقصد المال فحجه غير صحيح .
باب في شروط وجوب الحج على المرأة وأحكام النيابة
الحج يجب على المسلم ذكرا كان أم أنثى , لكن يشترط لوجوبه على المرأة زيادة عما سبق من الشروط وجود المحرم الذي يسافر معها لأدائه ; لأنه لا يجوز لها السفر لحج ولا لغيره بدون محرم : لقوله صلى الله عليه وسلم : لا تسافر المرأة إلا مع محرم , ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم رواه أحمد بإسناد صحيح .
وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : إني أريد أن أخرج في جيش كذا , وامرأتي تريد الحج , فقال : " اخرج معها وفي " الصحيحين " : إن امرأتي خرجت حاجة , وإني اكتتبت في غزوة كذا , قال : " انطلق فحج معها " وفي " الصحيح " وغيره : لا يحل لامرأة تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها محرم
فهذه جملة نصوص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحرم على المرأة أن تسافر بدون محرم يسافر معها , سواء كان السفر للحج أو لغيره , وذلك لأجل سد الذريعة عن الفساد والافتتان منها وبها .
قال الإمام أحمد رحمه الله : ( المحرم من السبيل , فمن لم يكن لها محرم , لم يلزمها الحج بنفسها ولا بنائبها )، ومحرم المرأة هو : زوجها , أو من يحرم عليه نكاحها تحريما مؤبدا بنسب , كأخيها وأبيها وعمها وابن أخيها وخالها , أو حرم عليه بسبب مباح , كأخ من رضاع أو بمصاهرة كزوج أمها وابن زوجها , لما في " صحيح مسلم " : لا يحل لامرأة تؤمن بالله أن تسافر إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو ذو محرم منها ونفقة محرمها في السفر عليها , فيشترط لوجوب الحج عليها أن تملك ما ينفق عليها وعلى محرمها ذهابا وإيابا .
ومن وجدت محرما , وفرطت بالتأخير حتى فقدته مع قدرتها المالية , انتظرت حصوله , فإن أيست من حصوله , استنابت من يحج عنها .
ومن وجب عليه الحج ثم مات قبل الحج , أخرج من تركته من رأس المال المقدار الذي يكفي للحج , واستنيب عنه من يؤديه عنه , لما روى البخاري عن ابن عباس , أن امرأة قالت : يا رسول الله إن أمي نذرت أن تحج , فلم تحج حتى ماتت , أفأحج عنها , قال : نعم , حجي عنها , أرأيت لو كان على أمك دين , أكنت قاضيته , اقضوا الله , فالله أحق بالوفاء فدل الحديث على أن من مات وعليه حج , وجب على ولده أو وليه أن يحج عنه أو يجهز من يحج عنه من رأس مال الميت , كما يجب على وليه قضاء ديونه , وقد أجمعوا على أن دين الآدمي يقضى من رأس ماله , فكذا ما شبه له في القضاء , وفي حديث آخر : إن أختي نذرت أن تحج وفي " سنن الدارقطني " : إن أبى مات وعليه حجة الإسلام وظاهره أنه لا فرق بين الواجب بأصل الشرع والواجب بإيجابه على نفسه , سواء أوصى به أم لا .
والحج عن الغير يقع عن المحجوج عنه كأنه فعله بنفسه , ويكون الفاعل بمنزلة الوكيل , والنائب ينوي الإحرام عنه , ويلبي عنه , ويكفيه أن ينوي النسك عنه , ولو لم يسمه في اللفظ , وإن جهل اسمه أو نسبه , لبى عمن سلم إليه المال ليحج عنه به . ويستحب للمسلم أن يحج عن أبويه إن كانا ميتين أو حيين عاجزين عن الحج , ويقدم أمه ; لأنها أحق بالبر .
باب في فضل الحج والاستعداد له
الحج فيه فضل عظيم وثواب جزيل :
روى الترمذي وصححه عن ابن مسعود مرفوعا : تابعوا بين الحج والعمرة ; فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة , وليس للحج المبرور ثواب إلا الجنة
وفي " الصحيح " عن عائشة , قالت : نرى الجهاد أفضل العمل , أفلا نجاهد , قال : لكن أفضل الجهاد حج مبرور والحج المبرور هو الذي لا يخالطه شيء من الإثم , وقد كملت أحكامه , فوقع على الوجه الأكمل , وقيل : هو المتقبل . فإذا استقر عزمه على الحج , فليتب من جميع المعاصي , ويخرج من المظالم بردها إلى أهلها , ويرد الودائع والعواري والديون التي عنده للناس , ويستحل من بينه وبينه ظلامة , ويكتب وصيته , ويوكل من يقضي ما لم يتمكن من قضائه من الحقوق التي عليه , ويؤمن لأولاده ومن تحت يده ما يكفيهم من النفقة إلى حين رجوعه , ويحرص أن تكون نفقته حلالا , ويأخذ من الزاد والنفقة ما يكفيه , ليستغني عن الحاجة إلى غيره ويكون زاده طيبا , قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ويجتهد في تحصيل رفيق صالح عونا له على سفره وأداء نسكه , يهديه إذا ضل , ويذكره إذا نسي . ويجب تصحيح النية بأن يريد بحجه وجه الله , ويستعمل الرفق وحسن الخلق , ويجتنب المخاصمة ومضايقة الناس في الطرق , ويصون لسانه عن الشتم والغيبة وجميع ما لا يرضاه الله ورسوله .
باب في مواقيت الحج
المواقيت : جمع ميقات , وهو لغة : الحد , وشرعا : هو موضع العبادة أو زمنها .
وللحج مواقيت زمنية ومكانية :
فالزمنية ذكرها الله بقوله : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وهذه الأشهر هي : شوال , وذو القعدة , وعشر من ذي الحجة , أي : من أحرم بالحج في هذه الأشهر , فعليه أن يتجنب ما يخل بالحج من الأقوال والأفعال الذميمة , وأن يشتغل في أفعال الخير , ويلازم التقوى .
- وأما المواقيت المكانية , فهي الحدود التي لا يجوز للحاج أن يتعداها إلى مكة بدون إحرام , وقد بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم , كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما , قال : وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة , ولأهل الشام الجحفة , ولأهل نجد قرن المنازل , ولأهل اليمن يلملم , هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة , ومن كان دون ذلك , فمن حيث أنشأ , حتى أهل مكة من مكة متفق عليه , ولمسلم من حديث جابر : ومهل أهل العراق ذات عرق والحكمة من ذلك أنه لما كان بيت الله الحرام معظما مشرفا , جعل الله له حصنا وهو مكة , وحمى وهو الحرم , وللحرم حرم وهو المواقيت التي لا يجوز تجاوزها إليه إلا بإحرام , تعظيما لبيت الله الحرام .
وأبعد هذه المواقيت ذو الحليفة , ميقات أهل المدينة , فبينه وبين مكة مسيرة عشرة أيام , وميقات أهل الشام ومصر والمغرب الجحفة قرب رابغ , وبينها وبين مكة ثلاث مراحل , وبعضهم يقول أكثر من ذلك , وميقات أهل اليمن يلملم , بينه وبين مكة مرحلتان , وميقات أهل نجد قرن المنازل , ويعرف الآن بالسيل , وهو مرحلتان عن مكة , وميقات أهل العراق وأهل المشرق ذات عرق , بينه وبين مكة مرحلتان .
فهذه المواقيت يحرم منها أهلها المذكورون , ويحرم منها من مر بها من غيرهم وهو يريد حجا أو عمرة .
ومن كان منزله دون هذه المواقيت , فإنه يحرم من منزله للحج والعمرة , ومن حج من أهل مكة , فإنه يحرم من مكة , فلا يحتاجون إلى الخروج للميقات للإحرام منه بالحج , وأما العمرة , فيخرجون للإحرام بها من أدنى الحل .
ومن لم يمر بميقات في طريقه من تلك المواقيت , أحرم إذا علم أنه حاذى أقربها منه , يقول عمر رضي الله عنه : " انظروا إلى حذوها من طريقكم " , رواه البخاري .
وكذا من ركب طائرة , فإنه يحرم إذا حاذى أحد هذه المواقيت من الجو , فينبغي له أن يتهيأ بالاغتسال والتنظف قبل ركوب الطائرة , فإذا حاذى الميقات , نوى الإحرام , ولبى وهو في الجو , ولا يجوز له تأخير الإحرام إلى أن يهبط في مطار جدة , فيحرم من جدة أو من بحرة كما يفعل بعض الحجاج , فإن جدة ليست ميقاتا وليست محلا للإحرام , إلا لأهلها أو من نوى الحج أو العمرة منها , فإن أحرم منها من غيرهم , فقد ترك واجبا هو الإحرام من الميقات , فيكون عليه فدية .
وهذا مما يخطئ فيه كثير من الناس , فيجب التنبيه عليه , فبعضهم يظن أنه لا بد من الاغتسال للإحرام , فيقول : أنا لا أتمكن من الاغتسال في الطائرة , ولا أتمكن من كذا وكذا . .. والواجب أن يعلم هؤلاء بأن الإحرام معناه نية الدخول في المناسك مع تجنب محظورات الإحرام حسب الإمكان , والاغتسال والتطيب ونحوهما إنما هي سنن , وبإمكان المسلم أن يفعلها قبل ركوب الطائرة , وإن أحرم بدونها , فلا بأس , فينوي الإحرام , ويلبي وهو على مقعده قي الطائرة إذا حاذى الميقات أو قبله بقليل , ويعرف ذلك بسؤال الملاحين والتحري والتقدير , فإذا فعل ذلك , فقد أدى ما يستطيع , لكن إذا تساهل ولم يبال , فقد أخطأ وترك الواجب من غير عذر , وهذا ينقص حجه وعمرته .
باب في مواقيت الحج (تابع)
ويجب على من تعدى الميقات بدون إحرام أن يرجع إليه ويحرم منه ; لأنه واجب يمكنه تداركه , فلا يجوز تركه , فإن لم يرجع , فأحرم من دونه من جدة أو غيرها , فعليه فدية , بأن يذبح شاة , أو يأخذ سبع بدنة , أو سبع بقرة , ويوزع ذلك على مساكين الحرم , ولا يأكل منه شيئا .
فيجب على المسلم أن يهتم بأمور دينه , بأن يؤدي كل عبادة على الوجه المشروع , ومن ذلك الإحرام للحج والعمرة , يجب أن يكون من المكان الذي عينه رسول الله صلى الله عليه وسلم , فيتقيد به المسلم , ولا يتعداه غير محرم .
باب في كيفية الإحرام
أول مناسك الحج هو الإحرام , وهو نية الدخول في النسك , سمي بذلك لأن المسلم يحرم على نفسه بنيته ما كان مباحا له قبل الإحرام من النكاح والطيب وتقليم الأظافر وحلق الرأس وأشياء من اللباس .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " لا يكون الرجل محرما بمجرد ما في قلبه من قصد الحج ونيته , فإن القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده , بل لا بد من قول أو عمل يصير به محرما " انتهى .
وقبل الإحرام يستحب التهيؤ له بفعل أشياء يستقبل بها تلك العبادة العظيمة , وهي :
أولا : الاغتسال بجميع بدنه , فإنه صلى الله عليه وسلم اغتسل لإحرامه , ولأن ذلك أعم وأبلغ في التنظيف وإزالة الرائحة , والاغتسال عند الإحرام مطلوب , حتى من الحائض والنفساء ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل , رواه مسلم , وأمر صلى الله عليه وسلم عائشة أن تغتسل للإحرام بالحج وهي حائض , والحكمة في هذا الاغتسال هي التنظيف وقطع الرائحة الكريهة وتخفيف الحدث من الحائض والنفساء .
ثانيا : يستحب لمن يريد الإحرام التنظيف , بأخذ ما يشرع أخذه من الشعر , كشعر الشارب والإبط والعانة , مما يحتاج إلى أخذه , لئلا يحتاج إلى أخذه في إحرامه فلا يتمكن منه , فإن لم يحتج إلى أخذ شيء من ذلك , لم يأخذه ; لأنه إنما يفعل عند الحاجة , وليس هو من خصائص الإحرام , لكنه مشروع بحسب الحاجة .
ثالثا : يستحب لمن يريد الإحرام أن يتطيب في بدنه بما تيسر من أنواع الطيب , كالمسك , والبخور , وماء الورد , والعود , لقول عائشة رضي الله عنها : كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " إن شاء المحرم أن يتطيب في بدنه , فهو حسن , ولا يؤمر المحرم قبل الإحرام بذلك , فإن النبي صلى الله عليه وسلم فعله ولم يأمر به الناس " .
رابعا: يستحب للذكر قبل الإحرام أن يتجرد من المخيط , وهو كل ما يخاط على قدر الملبوس عليه أو على بعضه كالقميص والسراويل ; لأنه صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله , ويستبدل الملابس المخيطة بإزار ورداء أبيضين نظيفين , ويجوز بغير الأبيضين مما جرت عادة الرجال بلبسه .
والحكمة في ذلك أنه يبتعد عن الترفه , ويتصف بصفة الخاشع الذليل , وليتذكر بذلك أنه محرم في كل وقت , فيتجنب محظورات الإحرام , وليتذكر الموت , ولباس الأكفان , ويتذكر البعث والنشور . .. إلى غير ذلك من الحكم .
والتجرد عن المخيط قبل نية الإحرام سنة , أما بعد نية الإحرام , فهو واجب .
ولو نوى الإحرام وعليه ثيابه المخيطة , صح إحرامه , ووجب عليه نزع المخيط .
فإذا أتم هذه الأعمال , فقد تهيأ للإحرام , وليس فعل هذه الأمور إحراما كما يظن كثير من العوام ; لأن الإحرام هو نية الدخول والشروع في النسك , فلا يصير محرما بمجرد التجرد من المخيط ولبس ملابس الإحرام من غير نية الدخول في النسك , لقوله صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات
أما الصلاة قبل الإحرام , فالأصح أنه ليس للإحرام , صلاة تخصه , لكن إن صادف وقت فريضة , أحرم بعدها ; لأنه صلى الله عليه وسلم أهلّ دبر الصلاة , وعن أنس أنه صلى الظهر ثم ركب راحلته .
قال العلامة ابن القيم رحمه الله : " ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر " . وهنا تنبيه لا بد منه , وهو أن كثيرا من الحجاج يظنون أنه لا بد أن يكون الإحرام من المسجد المبني في الميقات , فتجدهم يهرعون إليه رجالا ونساء , ويزدحمون فيه , وربما يخلعون ثيابهم ويلبسون ثياب الإحرام فيه , وهذا لا أصل له , والمطلوب من المسلم أن يحرم من الميقات , في أي بقعة منه , لا في محل معين , بل يحرم حيث تيسر له , وما هو أرفق به وبين معه , وفيما هو أستر له وأبعد عن مزاحمة الناس , وهذه المساجد التي في المواقيت لم تكن موجودة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم , ولم تبن لأجل الإحرام منها , وإنما بنيت لإقامة الصلاة فيها ممن هو ساكن حولها , هذا ما أردنا التنبيه عليه , والله الموفق .
ويخير أن يحرم بما شاء من الأنساك الثلاثة , وهي : التمتع , والقران , والإفراد
- ف ( التمتع ) : أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج , ويفرغ منها , ثم يحرم بالحج في عامه .
- و ( الإفراد ) : أن يحرم بالحج فقط من الميقات , ويبقى على إحرامه حتى يؤدى أعمال الحج .
- و ( القران ) : أن يحرم بالعمرة والحج معا , أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل شروعه في طوافها , فينوي العمرة والحج من الميقات أو قبل الشروع في طواف العمرة , ويطوف لهما ويسعى .
وعلى المتمتع والقارن فدية إن لم يكن من حاضري المسجد الحرام . وأفضل هذه الأنساك الثلاثة التمتع , لأدلة كثيرة .
فإذا أحرم بأحد هذه الأنساك , لبى عقب إحرامه , فيقول : لبيك اللهم لبيك , لبيك لا شريك لك لبيك , إن الحمد والنعمة لك والملك , لا شريك لك , ويكثر من التلبية , ويرفع بها صوته .
باب في محظورات الإحرام
محظورات الإحرام هي المحرمات التي يجب على المحرم تجنبها بسبب الإحرام , وهذه المحظورات تسعة أشياء :
المحظور الأول : حلق الشعر : فيحرم على المحرم إزالته من جميع بدنه بلا عذر بحلق أو نتف أو قلع , لقوله تعالى : وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فنص تعالى على حلق الرأس , ومثله شعر البدن وفاقا ; لأنه في معناه , ولحصول الترفه بإزالته , فإن حلق الشعر يؤذن بالرفاهية , وهي تنافي الإحرام ; لأن المحرم يكون أشعث أغبر , فإن خرج بعينه شعر , أزاله ولا فدية عليه ; لأنه شعر في غير محله , ولأنه أزال مؤذيا .
المحظور الثاني : تقليم الأظافر أو قصها من يد أو رجل بلا عذر : فإن انكسر ظفره فأزالها أو زال مع جلد , فلا فدية عليه ; لأنه زال بالتبعية لغيره , والتابع لا يفرد بحكم .
بخلاف ما إذا حلق شعره لقمل أو صداع , لقوله تعالى : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ولحديث كعب بن عجرة , قال : كان بي أذى من رأسي , فحملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهه , فقال : ما كنت أرى الجهد يبلغ بك ما أرى , تجد شاة ؟ , قلت : لا , فنزلت : فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ قال : هو صوم ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة متفق عليه , وذلك لأن الأذى حصل من غير الشعر , وهو القمل .
ويباح للمحرم غسل شعره بسدر ونحوه , ففي " الصحيحين " عنه صلى الله عليه وسلم أنه غسل رأسه وهو محرم , ثم حرك رأسه بيديه , فأقبل بهما وأدبر .
قال الشيخ تقي الدين رحمه الله : " له أن يغتسل من الجنابة بالاتفاق ( يعني : إذا احتلم وهو محرم ) , وكذا لغير الجنابة " .
المحظور الثالث : تغطية رأس الذكر , لنهيه صلى الله عليه وسلم عن لبس العمائم والبرانس .
قال العلامة ابن القيم رحمه الله : " كل متصل ملامس يراد لستر الرأس كالعمامة والقبع والطاقية وغيرها ممنوع بالاتفاق " انتهى . وسواء كان الغطاء معتادا كعمامة أم لا كقرطاس وطين وحناء أو عصابة .
وله أن يستظل بخيمة أو شجرة أو بيت ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضربت له خيمة فنزل بها وهو محرم , وكذا يجوز للمحرم الاستظلال بالشمسية عند الحاجة , ويجوز له ركوب السيارة المسقوفة , ويجوز له أن يحمل على رأسه متاعا لا يقصد به التغطية .
المحظور الرابع : لبس الذكر المخيط على بدنه أو بعضه من قميص أو عمامة أو سراويل , وما عمل على قدر العضو , كالخفين والقفازين والجوارب , لما في " الصحيحين " , أنه صلى الله عليه وسلم سئل : ما يلبس المحرم ؟ قال : لا يلبس القميص , ولا العمامة , ولا البرانس , ولا السراويل , ولا ثوبا مسه ورس ولا زعفران , ولا الخفين
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : النبي صلى الله عليه وسلم نهى المحرم أن يلبس القميص والبرانس والسراويل والخف والعمامة , ونهاهم أن يغطوا رأس المحرم بعد الموت , وأمر من أحرم في جبة أن ينزعها عنه , فما كان من هذا الجنس , فهو ذريعة في معنى ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم , فما كان في معنى القميص , فهو مثله , وليس له أن يلبس القميص بكم ولا بغير كم , وسواء أدخل يديه أو لم يدخلها , وسواء كان سليما أو مخروقا , وكذلك لا يلبس الجبة ولا العباء الذي يدخل فيه يديه . .. " . إلى أن قال : " وهذا معنى قول الفقهاء : لا يلبس المخيط , والمخيط ما كان من اللباس على قدر العضو , ولا يلبس ما كان في معنى السراويل , كالتبان ونحوه " انتهى .
وإذا لم يجد المحرم نعلين , لبس خفين , أو لم يجد إزارا , لبس السراويل , إلى أن يجده , فإذا وجد إزارا , نزع السراويل , ولبس الإزار ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في عرفات في لبس السراويل لمن لم يجد إزارا . وأما المرأة , فتلبس من الثياب ما شاءت حال الإحرام , لحاجتها إلى الستر , إلا أنها لا تلبس البرقع , وهو لباس تغطي به المرأة وجهها فيه نقبان على العينين , فلا تلبسه المحرمة وتغطي وجهها بغيره من الخمار والجلباب , ولا تلبس القفازين على كفيها , لقوله عليه الصلاة والسلام : لا تنتقب المرأة , ولا تلبس القفازين رواه البخاري وغيره . قال الإمام ابن القيم رحمه الله : " نهيه أن تنتقب المرأة وتلبس القفازين دليل على أن وجهها كبدن الرجل لا كرأسه , فيحرم عليها فيه ما وضع وفصل على قدر الوجه كالنقاب والبرقع , لا على عدم ستره بالمقنعة والجلباب ونحوهما , وهذا أصح القولين " انتهى . والقفازان شيء يعمل لليدين يدخلان فيه يسترهما من البرد . وتغطي وجهها عن الرجال وجوبا بغير البرقع , لقول عائشة رضي الله عنها : " كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , فإذا حاذونا , سدلت إحدانا جلبابها على وجهها , فإذا جاوزونا , كشفناه " , رواه أحمد وأبو داود وغيرهما . ولا يضر مس المسدول بشرة وجهها ; لأنها إنما منعت من البرقع والنقاب فقط , لا من ستر الوجه بغيرهما . قال شيخ الإسلام : " لا تكلف المرأة أن تجافي سترتها عن الوجه لا بعود ولا بيدها ولا بغير ذلك , فإن النبي صلى الله عليه وسلم سوّى بين وجهها ويديها , وكلاهما كبدن الرجل لا كرأسه , وأزواجه صلى الله عليه وسلم يسدلن على وجوههن من غير مراعاة المجافاة " . وقال : " يجوز لها تغطية وجهها بملاصق , خلا النقاب والبرقع " انتهى .
الخامس من محظورات الإحرام : الطيب فيحرم على المحرم تناول الطيب واستعماله في بدنه أو ثوبه , أو استعماله في أكل أو شرب , لأنه صلى الله عليه وسلم أمر يعلى بن أمية بغسل الطيب , وقال في المحرم الذي وقصته راحلته : ولا تحنطوه متفق عليهما , ولمسلم : ولا تمسوه بطيب
والحكمة في منع المحرم من الطيب : أن يبتعد عن الترفه وزينة الدنيا وملاذها , ويتجه إلى الآخرة .
ولا يجوز للمحرم قصد شم الطيب ولا الادهان بالمواد المطيية .
السادس من محظورات الإحرام : قتل صيد البر واصطياده لقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ أي : محرمون بالحج أو العمرة , وقوله تعالى : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا أي : يحرم عليكم الاصطياد من صيد البر ما دمتم محرمين , فالمحرم لا يصطاد صيدا بريا , ولا يعين على صيد , ولا يذبحه .
ويحرم على المحرم الأكل مما صاده أو صيد لأجله أو أعان على صيده ; لأنه كالميتة .
ولا يحرم على المحرم صيد البحر , لقوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ .
ولا يحرم عليه ذبح الحيوان الإنسي كالدجاج وبهيمة الأنعام ; لأنه ليس بصيد .
ولا يحرم عليه قتل محرم الأكل , كالأسد والنمر مما فيه أذى للناس , ولا يحرم عليه قتل الصائل دفعا عن نفسه أو ماله .
وإذا احتاج المحرم إلى فعل محظور من محظورات الإحرام , فعله , وفدى , لقوله تعالى : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ
السابع من محظورات الإحرام : عقد النكاح فلا يعقد النكاح لنفسه ولا لغيره بالولاية أو الوكالة , لما روى مسلم عن عثمان : لا ينكح المحرم ولا ينكح
الثامن من محظورات الإحرام : الوطء لقوله تعالى : فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ قال ابن عباس : " هو الجماع " .
فمن جامع قبل التحلل الأول , فسد نسكه , ويلزمه المضي فيه وإكمال مناسكه , لقوله تعالى : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ويلزمه أيضا أن يقضيه ثاني عام , وعليه ذبح بدنة , وإن كان الوطء بعد التحلل الأول , لم يفسد نسكه , وعليه ذبح شاة .
التاسع من محظورات الإحرام : المباشرة دون الفرج فلا يجوز للمحرم مباشرة المرأة ; لأنه وسيلة إلى الوطء المحرم , والمراد بالمباشرة ملامسة المرأة بشهوة .
فعلى المحرم أن يتجنب الرفث والفسوق والجدال , قال الله تعالى : فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ والمراد بالرفث الجماع , ويطلق أيضا على دواعي الجماع من المباشرة والتقبيل والغمز والكلام الذي فيه ذكر الجماع , والفسوق هو المعاصي ; لأن المعاصي في حال الإحرام أشد وأقبح ; لأنه في حالة تضرع , والجدال هو المماراة فيما لا يعني والخصام مع الرفقة والمنازعة والسباب , أما الجدال لبيان الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , فهو مأمور به , قال تعالى : وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
ويسن للمحرم قلة الكلام إلا فيما ينفع , وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر , فليقل خيرا أو ليصمت وعنه مرفوعا : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه
ويستحب للمحرم أن يشتغل بالتلبية , وذكر الله , وقراءة القرآن , والأمر بالمعروف , والنهي عن المنكر , وحفظ وقته عما يفسده , وأن يخلص النية لله , ويرغب فيما عند الله , لأنه في حالة إحرام واستقبال عبادة عظيمة , وقادم على مشاعر مقدسة ومواقف مباركة .
فإذا وصل إلى مكة , فإن كان محرما بالتمتع , فإنه يؤدي مناسك العمرة :
- فيطوف بالبيت سبعة أشواط .
- ويصلي بعدها ركعتين , والأفضل أداؤها عند مقام إبراهيم إن أمكن , وإلا , أداهما في أي مكان من المسجد .
- ثم يخرج إلى الصفا لأداء السعي بينه وبين المروة , فيسعى بينهما سبعة أشواط , يبدؤها بالصفا ويختمها بالمروة , ذهابه سعية ورجوعه سعية .
ويشتغل أثناء الأشواط في الطواف والسعى بالدعاء والتضرع إلى الله سبحانه .
- فإذا فرغ من الشوط السابع , قصر الرجل في جميع شعر رأسه , وتقص الأنثى من رءوس شعر رأسها قدر أنملة .
وبذلك تتم مناسك العمرة , فيحل من إحرامه , ويباح له ما كان محرما عليه بالإحرام من النساء والطيب ولبس المخيط وتقليم الأظافر وقص الشارب ونتف الآباط إذا احتاج إلى ذلك , ويبقى حلالا إلى يوم التروية ثم يحرم بالحج على ما يأتي تفصيله إن شاء الله .
وأما الذي يقدم مكة قارنا أو مفردا , فإنه يطوف طواف القدوم , وإن شاء قدم بعده سعي الحج , ويبقى على إحرامه إلى يوم النحر , كما يأتي تفصيله إن شاء الله .
باب في أعمال يوم التروية ويوم عرفة
إن الأنساك التي يحرم بها القادم عندما يصل إلى الميقات ثلاثة :
الإفراد : وهو أن ينوي الإحرام بالحج فقط , ويبقى على إحرامه إلى أن يرمي الجمرة يوم العيد , ويحلق رأسه , ويطوف طواف الإفاصة , ويسعى بين الصفا والمروة إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم .
والقران : وهو أن ينوي الإحرام بالعمرة والحج معا من الميقات , وهذا عمله كعمل المفرد , إلا أنه يجب عليه هدي التمتع .
والتمتع : وهو أن يحرم بالعمرة من الميقات , ويتحلل منها إذا وصل إلى مكة بأداء أعمالها من طواف وسعي وحلق أو تقصير , ثم يتحلل من إحرامه , ويبقى حلالا إلى أن يحرم بالحج .
وأفضل الأنساك هو التمتع , فيستحب لمن أحرم مفردا أو قارنا ولم يسق الهدي أن يحول نسكه إلى التمتع , ويعمل عمل المتمتع .
ويستحب لمتمتع أو مفرد أو قارن تحول إلى متمتع وحل من عمرته ولغيرهم من المحلين بمكة أو قربها : الإحرام بالحج يوم التروية , وهو اليوم الثامن من ذي الحجة , لقول جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم : " فحل الناس كلهم وقصروا , إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي , فلما كان يوم التروية , توجهوا إلى منى , فأهلوا بالحج "
ويحرم بالحج من مكانه الذي هو نازل فيه , سواء كان في مكة , أو خارجها , أو في منى , ولا يذهب بعد إحرامه فيطوف بالبيت .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " فإذا كان يوم التروية , أحرم , فيفعل كما فعل عند الميقات , إن شاء أحرم من مكة , وإن شاء من خارج مكة , هذا هو الصواب , وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إنما أحرموا كما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم من البطحاء , والسنة أن يحرم من الموضع الذي هو نازل فيه , وكذلك المكي يحرم من أهله , كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : من كان منزله دون مكة , فمهله من أهله , حتى أهل مكة يهلون من مكة انتهى .
وقال ابن القيم رحمه الله : " فلما كان يوم الخميس ضحى , توجه ( يعني : النبي صلى الله عليه وسلم ) بمن معه من المسلمين إلى منى , فأحرم بالحج من كان أحل منهم من رحالهم , ولم يدخلوا إلى المسجد ليحرموا منه , بل أحرموا ومكة خلف ظهورهم " انتهى .
وبعد الإحرام يشتغل بالتلبية , فيلبي عند عقد الإحرام , ويلبي بعد ذلك في فترات , ويرفع صوته بالتلبية , إلى أن يرمي جمرة العقبة يوم العيد .
ثم يخرج إلى منى من كان بمكة محرما يوم التروية , والأفضل أن يكون خروجه قبل الزوال , فيصلي بها الظهر وبقية الأوقات إلى الفجر , ويبيت ليلة التاسع , لقول جابر رضي الله عنه : " وركب النبي صلى الله عليه وسلم إلى منى , فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر , ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس " , وليس ذلك واجبا بل سنة , وكذلك الإحرام يوم التروية ليس واجبا , فلو أحرم بالحج قبله أو بعده , جاز ذلك .
وهذا المبيت بمنى ليلة التاسع , وأداء الصلوات الخمس فيها سنة , وليس بواجب . ثم يسيرون صباح اليوم التاسع بعد طلوع الشمس من منى إلى عرفة , وعرفة كلها موقف , إلا بطن عرنة , ففي أي مكان حصل الحاج من ساحات عرفة , أجزأه الوقوف فيه , ما عدا ما استثناه النبي صلى الله عليه وسلم , وهو بطن عرنة , وقد بينت حدود عرفة بعلامات وكتابات توضح عرفة من غيرها , فمن كان داخل الحدود الموضحة , فهو في عرفة , ومن كان خارجها , فيخشى أنه ليس في عرفة , فعلى الحاج أن يتأكد من ذلك , وأن يتعرف على تلك الحدود , ليتأكد من حصوله في عرفة .
فإذا زالت الشمس , صلوا الظهر والعصر قصرا وجمعا بأذان وإقامتين , وكذلك يقصر الصلاة الرباعية في عرفة ومزدلفة ومنى , لكن في عرفة ومنى ومزدلفة يجمع ويقصر , وفي منى يقصر ولا يجمع , بل يصلي كل صلاة في وقتها , لعدم الحاجة إلى الجمع .
ثم بعدما يصلي الحجاج الظهر والعصر قصرا وجمع تقديم في أول وقت الظهر , يتفرغون للدعاء والتضرع والابتهال إلى الله تعالى , وهم في منازلهم من عرفة , ولا يلزمهم أن يذهبوا إلى جبل الرحمة , ولا يلزمهم أن يروه أو يشاهدوه , ولا يستقبلونه حال الدعاء , وإنما يستقبلون الكعبة المشرفة .
وينبغي أن يجتهد في الدعاء والتضرع والتوبة في هذا الموقف العظيم , ويستمر في ذلك , وسواء دعا راكبا أو ماشيا أو واقفا أو جالسا أو مضطجعا , على أي حال كان , ويختار الأدعية الواردة والجوامع , لقوله صلى الله عليه وسلم : أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة , وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله وحده , لا شريك له , له الملك , وله الحمد , وهو على كل شيء قدير
ويستمر في البقاء بعرفة والدعاء إلى غروب الشمس ولا يجوز له أن ينصرف منها قبل غروب الشمس , فإن انصرف منها قبل الغروب , وجب عليه الرجوع , ليبقى فيها إلى الغروب , فإن لم يرجع , وجب عليه دم , لتركه الواجب , والدم ذبح شاة , يوزعها على المساكين في الحرم , أو سبع بقرة , أو سبع بدنة .
ووقت الوقوف يبدأ بزوال الشمس يوم عرفة على الصحيح , ويستمر إلى طلوع الفجر ليلة العاشر , فمن وقف نهارا , وجب عليه البقاء إلى الغروب , ومن وقف ليلا , أجزأه , ولو لحظة , لقول النبي صلى الله عليه وسلم : من أدرك عرفات بليل , فقد أدرك الحج
وحكم الوقوف بعرفة أنه ركن من أركان الحج , بل هو أعظم أركان الحج , لقوله صلى الله عليه وسلم : الحج عرفة ومكان الوقوف هو عرفة بكامل مساحتها المحددة , فمن وقف خارجها , لم يصح وقوفه .
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه من الأعمال والأقوال , إنه سميع مجيب .
باب في الدفع إلى مزدلفة والمبيت فيها والدفع من مزدلفة إلى منى وأعمال يوم العيد
بعد غروب الشمس يدفع الحجاج من عرفة إلى مزدلفة بسكينة ووقار , لقول جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص , وأردف أسامة خلفه , ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقد شنق للقصواء ( يعني : ناقته ) الزمام , حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله , ويقول بيده اليمنى : أيها الناس ! السكينة السكينة فهكذا ينبغي للمسلمين السكينة والرفق عند الانصراف من عرفة , وأن لا يضايقوا إخوانهم الحجاج في سيرهم , ويرهقوهم بمزاحمتهم , ويخيفوهم بسياراتهم , وأن يرحموا الضعفة وكبار السن والمشاة.
ويكون الحاج حال دفعه من عرفة إلى مزدلفة مستغفرا , لقوله تعالى : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وسميت مزدلفة بذلك من الازدلاف , وهو القرب ; لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات , ازدلفوا إليها , أي : تقربوا ومضوا إليها , وتسمى أيضا جمعا , لاجتماع الناس بها , وتسمى بالمشعر الحرام . قال في " المغني " : " وللمزدلفة ثلاثة أسماء : مزدلفة , وجمع , والمشعر الحرام " . ويذكر الله في مسيره إلى مزدلفة ; لأنه في زمن السعي إلى مشاعر والتنقل بينها .
فإذا وصل إلى مزدلفة , صلى بها المغرب والعشاء جمعا مع قصر العشاء ركعتين بأذان واحد وإقامتين , لكل صلاة إقامة , وذلك قبل حط رحله ; لقول جابر رضي الله عنه يصف فعل النبي صلى الله عليه وسلم : حتى أتى المزدلفة , فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين .
ثم يبيت بمزدلفة حتى يصبح ويصلي , لقول جابر : ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر , فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ومزدلفة كلها يقال لها : المشعر الحرام , وهي ما بين مأزمي عرفة إلى بطن محسر , وقال صلى الله عليه وسلم : ومزدلفة كلها موقف , وارفعوا عن بطن محسر والسنة أن يبيت بمزدلفة إلى أن يطلع الفجر , فيصلي بها الفجر في أول الوقت , ثم يقف بها ويدعو إلى أن يسفر , ثم يدفع إلى منى قبل طلوع الشمس . فإن كان من الضعفة كالنساء والصبيان ونحوهم , فإنه يجوز له أن يتعجل في الدفع من مزدلفة إلى منى إذا غاب القمر , وكذلك يجوز لمن يلي أمر الضعفة من الأقوياء أن ينصرف معهم بعد منتصف الليل , أما الأقوياء الذين ليس معهم ضعفة , فإنه ينبغي لهم أن لا يخرجوا من مزدلفة حتى يطلع الفجر , فيصلوا بها الفجر , ويقفوا بها إلى أن يسفروا .
فالمبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج , لا يجوز تركه لمن أتى إليها قبل منتصف الليل , أما من وصل إليها بعد منتصف الليل , فإنه يجزئه البقاء فيها ولو قليلا , وإن كان الأفضل له أن يبقى فيها إلى طلوع الفجر , ويصلي فيها الفجر , ويدعو بعد ذلك . قال في " المغني " : " ومن لم يواف مزدلفة إلا في النصف الأخير من الليل , فلا شيء عليه ; لأنه لم يدرك جزءا من النصف الأول , فلم يتعلق به حكمه " .
ويجوز لأهل الأعذار ترك المبيت بمزدلفة , كالمريض الذي يحتاج إلى تمريضه في المستشفى , ومن يحتاج إليه المريض لخدمته , وكالسقاة والرعاة ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاة في ترك المبيت .
فالحاصل أن المبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج لمن وافاها قبل منتصف الليل ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها , وقال : لتأخذوا عني مناسككم وإنما أبيح الدفع بعد منتصف الليل , لما ورد فيه من الرخصة .
ثم يدفع قبل طلوع الشمس إلى منى , لقول عمر : " كان أول الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس , ويقولون : أشرق ثبير كيما نغير ( وثبير اسم جبل يطل على مزدلفة يخاطبونه , أي : لتطلع عليك الشمس حتى ننصرف ) , فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم , فأفاض قبل طلوع الشمس " .
ويدفع وعليه السكينة , فإذا بلغ وادي محسر - وهو واد بين مزدلفة ومنى يفصل بينهما , وهو ليس منهما - , فإذا بلغ هذا الوادي , أسرع قدر رمية حجر .
ويأخذ حصى الجمار من طريقه قبل أن يصل منى , هذا هو الأفضل , أو يأخذه من مزدلفة , أو من منى , ومن حيث أخذ الحصى , جاز , لقول ابن عباس رضي الله عنهما : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على راحلته : القط لي الحصا فلقطت له سبع حصيات , هي حصا الخذف , فجعل ينفضهن في كفه , ويقول : أمثال هؤلاء فارموا ثم قال : يا أيها الناس ! إياكم والغلو في الدين , فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين فتكون الحصاة من حصى الجمار بحجم حبة الباقلاء , أكبر من الحمص قليلا .
ولا يجزئ الرمي بغير الحصى , ولا بالحصى الكبار التي تسمى حجرا ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بالحصى الصغار , وقال : خذوا عني مناسككم
فإذا وصل إلى منى - وهي ما بين وادي محسر إلى جمرة العقبة - , ذهب إلى جمرة العقبة , وهي آخر الجمرات مما يلي مكة , وتسمى الجمرة الكبرى , فيرميها بسبع حصيات , واحدة بعد واحدة , بعد طلوع الشمس , ويمتد زمن الرمي إلى الغروب .
ولا بد أن تقع كل حصاة في حوض الجمرة , سواء استقرت فيه أو سقطت بعد ذلك , فيجب على الحاج أن يصوب الحصا إلى حوض الجمرة , لا إلى العمود الشاخص , فإن هذا العمود ما بني لأجل أن يرمى , وليس هو موضع الرمي , وإنما بني ليكون علامة على الجمرة , ومحل الرمي هو الحوض , فلو ضربت الحصاة في العمود , وطارت , ولم تمر على الحوض , لم تجزئه .
والضعفة ومن في حكمهم يرمونها بعد منتصف الليل , وإن رمى غير الضعفة بعد منتصف الليل , أجزأهم ذلك , وهو خلاف الأفضل في حقهم .
ويسن أن لا يبدأ بشيء حين وصوله إلى منى قبل رمي جمرة العقبة ; لأنه تحية منى , ويستحب أن يكبر مع كل حصاة , ويقول : " اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا " , ولا يرمي في يوم النحر غير جمرة العقبة , وهذا مما اختصت به عن بقية الجمرات .
ثم بعد رمي جمرة العقبة الأفضل أن ينحر هديه إن كان يجب عليه هدي تمتع أو قران , فيشتريه , ويذبحه , ويوزع لحمه , ويأخذ منه قسما ليأكل منه . ثم يحلق رأسه أو يقصره , والحلق أفضل , لقوله تعالى : مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ولحديث ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلق رأسه في حجة الوداع متفق عليه , ودعاءه للمحلقين ثلاث مرات , وللمقصرين مرة واحدة , فإن قصر , وجب أن يعم جميع رأسه , ولا يجزئ الاقتصار على بعضه أو جانب منه فقط , لقوله تعالى : مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ فأضاف الحلق والتقصير إلى جميع الرأس .
والمرأة يتعين في حقها التقصير , بأن تقص من كل ضفيرة قدر أنملة , لحديث ابن عباس مرفوعا : ليس على النساء الحلق , إنها على النساء التقصير رواه أبو داود والطبراني والدارقطني , ولأن الحلق في حق النساء مثلة , وإن كان رأس المرأة غير مضفور , جمعته , وقصت من أطرافه قدر أنملة .
ويسن لمن حلق أو قصر أخذ أظفاره وشاربه وعانته وإبطه , ولا يجوز له أن يحلق لحيته أو يقص شيئا منها , لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتوفير اللحية , ونهى عن حلقها وعن أخذ شيء منها , والمسلم يمتثل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم , ويجتنب ما نهى عنه , والحاج أولى بذلك ; لأنه في عبادة . ومن كان رأسه ليس فيه شعر كالحليق أو الذي لم ينبت له شعر أصلا وهو الأصلع , فإنه يمر الموسى على رأسه , لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا أمرتكم بأمر , فأتوا منه ما استطعتم .
ثم بعد رمي جمرة العقبة وحلق رأسه أو تقصيره يكون قد حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام من الطيب واللباس وغير ذلك , إلا النساء , لحديث عائشة رضي الله عنها : " إذا رميتم وحلقتم , فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء , إلا النساء " , رواه سعيد , وعنها : " كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك " , متفق عليه.
وهذا هو التحلل الأول ويحصل باثنين من ثلاثة : رمي جمرة العقبة , وحلق أو تقصير , وطواف الإفاضة مع السعي بعده لمن عليه السعي . ويحصل التحلل الثاني - وهو التحلل الكامل - بفعل هذه الثلاثة كلها , فإذا فعلها , حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام , حتى النساء .
ثم بعد رمي جمرة العقبة ونحر هديه وحلقه أو تقصيره يفيض إلى مكة , فيطوف طواف الإفاضة , ويسعى بعده بين الصفا والمروة إن كان متمتعا أو قارنا أو مفردا ولم يكن سعى بعد طواف القدوم , أما إن كان القارن أو المفرد سعى بعد طواف القدوم , فإنه يكفيه ذلك السعي المقدم , فيقتصر على طواف الإفاضة .
وترتيب هذه الأمور الأربعة على هذا النمط : رمي جمرة العقبة , ثم نحر الهدي , ثم الحلق أو التقصير , ثم الطواف والسعي : هذا الترتيب سنة , ولو خالفه , فقدم بعض هذه الأمور على بعض , فلا حرج عليه ; لأنه صلى الله عليه وسلم ما سئل في هذا اليوم عن شيء قدم ولا أخر , إلا قال : افعل ولا حرج لكن ترتيبها أفضل , لأن النبي صلى الله عليه وسلم رتبها كذلك .
وصفة الطواف بالبيت أنه يبتدئ من الحجر الأسود , فيحاذيه , ويستلمه بيده , بأن يمسحه بيده اليمنى ويقبله إن أمكن , فإن لم يمكنه الوصول إلى الحجر لشدة الزحمة , فإنه يكتفي بالإشارة إليه بيده , ولا يزاحم لاستلام الحجر أو تقبيله , ويجعل البيت على يساره , ثم يبدأ الشوط الأول , ويشتغل بالذكر والدعاء أو تلاوة القرآن , فإذا وصل إلى الركن اليماني , استلمه إن أمكن , ولا يقبله , ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود : رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ فإذا وصل إلى الحجر الأسود , فقد تم الشوط الأول , فيستلم الحجر , أو يشير إليه , ويبدأ الشوط الثاني . .. وهكذا حتى يكمل سبعة أشواط .
ويشترط لصحة الطواف ثلاثة عشر شرطا هي : الإسلام , والعقل , والنية , وستر العورة , والطهارة , وتكميل السبعة , وجعل البيت عن يساره , والطواف بجميع البيت , بأن لا يدخل مع الحجر أو يطوف على جداره , وأن يطوف ماشيا مع القدرة , والموالاة بين الأشواط , إلا إذا أقيمت الصلاة أو حضرت جنازة , فإنه يصلي , ثم يبني على ما مضى من طوافه بعد أن يستأنف الشوط الذي صلى في أثنائه , وأن يطوف داخل المسجد , وأن يبتدئ من الحجر الأسود ويختم به .
ثم بعد تمام الطواف يصلي ركعتين , والأفضل كونهما خلف مقام إبراهيم , ويجوز أن يصليهما في أي مكان في المسجد أو في غيره من الحرم , وهما سنة مؤكدة , يقرأ في الأولى بعد الفاتحة : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وفي الثانية : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثم يخرج إلى الصفا ليسعى بينه وبين المروة , فيرقى على الصفا , ويكبر ثلاثا , ويقول : " لا إله إلا الله وحده , لا شريك له , له الملك , وله الحمد , يحيي ويميت , وهو حي لا يموت , بيده الخير , وهو على كل شيء قدير " , ثم ينزل من الصفا متجها إلى المروة , ويكون بذلك قد بدأ الشوط الأول , ويسعى بين الميلين الأخضرين سعيا شديدا , وفي خارج الميلين يمشي مشيا معتادا , حتى يصل المروة , فيرقى عليها , ويقول ما قاله على الصفا , ويكون بذلك قد أنهى الشوط الأول , فينزل من المروة متجها إلى الصفا , ويكون بذلك قد بدأ الشوط الثاني , يمشي في موضع مشيه , ويسعى في موضع سعيه . .. وهكذا حتى يكمل سبعة أشواط , يبدؤها من الصفا , ويختمها بالمروة , ذهابه من الصفا إلى المروة سعية , ورجوعه من المروة إلى الصفا سعية .
ويستحب أن يشتغل أثناء السعي بالدعاء والذكر أو تلاوة القرآن .
وليس للطواف والسعي دعاء مخصوص , بل يدعو بما تيسر له من الأدعية .
وشروط صحة السعي النية , واستكمال ما بين الصفا والمروة , وتقدم الطواف عليه .
باب في أحكام الحج التي تفعل في أيام التشريق وطواف الوداع
وبعد طواف الإفاضة يوم العيد يرجع إلى منى , فيبيت بها وجوبا , لحديث ابن عباس , قال : لم يرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد يبيت بمكة , إلا للعباس لأجل سقايته رواه ابن ماجه . فيبيت بمنى ثلاث ليال إن لم يتعجل , وإن تعجل , بات ليلتين : ليلة الحادي عشر , وليلة الثاني عشر . ويصلي الصلوات فيها قصرا بلا جمع , بل كل صلاة في وقتها .
ويرمي الجمرات الثلاث كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال , لحديث جابر رضي الله عنه : رمى رسول الله الجمرة يوم النحر ضحى , وأما بعد , فإذا زالت الشمس رواه الجماعة , وقال ابن عمر : " كنا نتحين , فإذا زالت الشمس , رمينا " , رواه البخاري وأبو داود , وقوله : " نتحين " , أي : نراقب الوقت المطلوب , ولقوله صلى الله عليه وسلم : لتأخذوا عني مناسككم
فالرمي في اليوم الحادي عشر وما بعده يبدأ وقته بعد الزوال , وقبله لا يجزئ , لهذه الأحاديث , حيث وقته النبي صلى الله عليه وسلم بذلك بفعله , وقال : خذوا عني مناسككم فكما لا تجوز الصلاة قبل وقتها , فإن الرمي لا يجوز قبل وقته , ولأن العبادات توقيفية .
قال الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله وهو يصف رمي النبي صلى الله عليه وسلم كما وردت به السنة المطهرة , قال : ثم رجع صلى الله عليه وسلم بعد الإفاضة إلى منى من يومه ذلك , فبات بها , فلما أصبح , انتظر زوال الشمس , فلما زالت , مشى من رحله إلى الجمار , ولم يركب , فبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف , فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة ويقول مع كل حصاة : " الله أكبر " , ثم يتقدم على الجمرة أمامها , حتى أسهل , فقام مستقبل القبلة , ثم رفع يديه , ودعا دعاء طويلا بقدر سورة البقرة , ثم أتى إلى الجمرة الوسطى , فرماها كذلك , ثم انحدر ذات اليسار مما يلي الوادي , فوقف مستقبل القبلة رافعا يديه , فاستبطن الوادي , واستعرض الجمرة , فجعل البيت عن يساره , ومنى عن يمينه , فرماها بسبع حصيات كذلك . .. "
إلى أن قال : " فلما أكمل الرمي , رجع من فوره , ولم يقف عندها ( يعني : جمرة العقبة ) , فقيل : لضيق المكان بالجبل , وقيل - وهو أصح - : إن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها , فلما رمى جمرة العقبة , فرغ الرمي , والدعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها أفضل منه بعد الفراغ منها , وهذا كما كانت سنته في دعائه في الصلاة , إذ كان يدعو في صلبها " انتهى .
ولا بد من ترتيب الجمرات على النحو التالي : يبدأ بالجمرة الأولى , وهي التي تلي منى قرب مسجد الخيف , ثم الجمرة الوسطى , وهي التي تلي الأولى , ثم الجمرة الكبرى , وتسمى جمرة العقبة , وهي الأخيرة مما يلي مكة , يرمي كل جمرة بسبع حصيات متوالية , يرفع مع كل حصوة يده , ويكبر , ولا بد أن تقع كل حصاة في الحوض , سواء استقرت فيه أو سقطت منه بعد ذلك , فإن لم تقع في الحوض , لم تجز .
ويجوز للمريض وكبير السن والمرأة الحامل أو التي يخاف عليها من شدة الزحمة في الطريق أو عند الرمي , يجوز لهؤلاء أن يوكلوا من يرمي عنهم . ويرمي النائب كل جمرة عن مستنيبه في مكان واحد , ولا يلزمه أن يستكمل رمي الجمرات على نفسه , ثم يبدأ برميها عن مستنيبه , لما في ذلك من المشقة والحرج في أيام الزحام , والله أعلم , وإن كان النائب يؤدي فرض حجه , فلا بد أن يرمي عن نفسه كل جمرة أولا , ثم يرميها عن موكله . ثم بعد رمي الجمرات الثلاث في اليوم الثاني عشر , إن شاء تعجل وخرج من منى قبل غروب الشمس , وإن شاء تأخر وبات ورمى الجمرات الثلاث بعد الزوال في اليوم الثالث عشر , وهو أفضل , لقوله تعالى : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وإن غربت عليه الشمس قبل أن يرتحل من منى , لزمه التأخر والمبيت والرمي في اليوم الثالث عشر ; لأن الله تعالى يقول : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ واليوم اسم للنهار , فمن أدركه الليل , فما تعجل في يومين .
والمرأة إذا حاضت أو نفست قبل الإحرام ثم أحرمت أو أحرمت وهي طاهرة ثم أصابها الحيض أو النفاس وهي محرمة , فإنها تبقى قي إحرامها , وتعمل ما يعمله الحاج من الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ورمي الجمار والمبيت بمنى , إلا أنها لا تطوف بالبيت ولا تسعى بين الصفا والمروة حتى تطهر من حيضها أو نفاسها . لكن لو قدر أنها طافت وهي طاهرة , ثم نزل عليها الحيض بعد الطواف , فإنها تسعى بين الصفا والمروة , ولا يمنعها الحيض من ذلك ; لأن السعي لا يشترط له الطهارة .
فإذا أراد الحاج السفر من مكة والرجوع إلى بلده أو غيره , لم يخرج حتى يطوف للوداع بالبيت سبعة أشواط إذا فرغ من كل أموره ولم يبق إلا الركوب للسفر , ليكون آخر عهده بالبيت , إلا المرأة الحائض , فإنها لا وداع عليها , فتسافر بدون وداع , كما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما , قال : " أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت , إلا أنه خفف عن المرأة الحائض " , متفق عليه , وفي رواية عنه , قال : كان الناس ينصرفون من كل وجه , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه , وعن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف بالبيت إذا كانت قد طافت للإفاضة رواه أحمد , وعن عائشة رضي الله عنها , قالت : حاضت صفية بنت حيي بعدما أفاضت , قالت : فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : أحابستنا هي ؟ . قلت : يا رسول الله ! إنها قد أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة , قال : فلتنفر إذا متفق عليه .
باب في أحكام الهدي والأضحية
الهدي : ما يهدى للحرم ويذبح فيه من نعم وغيرها , سمي بذلك لأنه يهدى إلى الله سبحانه وتعالى . والأضحية , بضم الهمزة وكسرها : ما يذبح في البيوت يوم العيد وأيام التشريق تقربا إلى الله .
وأجمع المسلمون على مشروعيتهما . قال العلامة ابن القيم : " القربان للخالق يقوم مقام الفدية للنفس المستحقة للتلف , وقال تعالى : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فلم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعا في جميع الملل , انتهى .
وأفضل الهدي الإبل , ثم البقر , إن أخرج كاملا , لكثرة الثمن , ونفع الفقراء , ثم الغنم . وأفضل كل جنس أسمنه ثم أغلاه ثمنا , لقوله تعالى : وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ
ولا يجزئ إلا جذع الضأن , وهو ما تم له ستة أشهر , والثني مما سواه من إبل وبقر ومعز , والثني من الإبل ما تم له خمس سنين , ومن البقر ما تم له سنتان , ومن المعز ما تم له سنة . وتجزئ الشاة في الهدي عن واحد , وفي الأضحية تجزئ عن الواحد وأهل بيته , وتجزئ البدنة والبقرة في الهدي والأضحية عن سبعة , لقول جابر : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة في واحد منهما رواه مسلم , وقال أبو أيوب رضي الله عنه : كان الرجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته , فيأكلون ويطعمون رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه , والشاة أفضل من سبع البدنة أو البقرة . ولا يجزئ في الهدي والأضحية إلا السليم من المرض ونقص الأعضاء ومن الهزال , فلا تجزئ العوراء بينة العور , ولا العمياء , ولا العجفاء - وهي الهزيلة التي لا مخ فيها - , ولا العرجاء التي لا تطيق المشي مع الصحيحة , ولا الهتماء التي ذهبت ثناها من أصلها , ولا الجداء التي نشف ضرعها من اللبن بسبب كبر سنها , ولا تجزئ المريضة البين مرضها , لحديث البراء بن عازب , قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : أربع لا تجوز في الأضاحي : العوراء البين عورها , والمريضة البين مرضها , والعرجاء البين ظلعها , والعجفاء التي لا تنقي رواه أبو داود والنسائي .
ووقت ذبح هدي التمتع والأضاحي بعد صلاة العيد إلى آخر أيام التشريق على الصحيح .
ويستحب أن يأكل من هديه إذا كان هدي تمتع أو قران ومن أضحيته ويهدي ويتصدق , أثلاثا , لقوله تعالى : فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا وأما هدي الجبران , وهو ما كان عن فعل محظور من محظورات الإحرام أو عن ترك واجب , قلا يأكل منه شيئا .
ومن أراد أن يضحي , فإنه إذا دخلت عشر ذي الحجة , لا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا إلى ذبح الأضحية , لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا دخل العشر , وأراد أحدكم أن يضحي , فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا , حتى يضحي رواه مسلم . فإن فعل شيئا من ذلك , استغفر الله , ولا فدية عليه .
باب في أحكام العقيقة
العقيقة من حق الولد على والده , وهي الذبيحة التي يذبحها عنه تقربا إلى الله سبحانه وتعالى , فهي سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقد عق عن الحسن والحسين , كما رواه أبو داود وغيره , وفعل ذلك صحابته الكرام , فكانوا يذبحون عن أولادهم , وفعله التابعون .
وذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها , لما رواه الحسن عن سمرة , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كل غلام مرتهن بعقيقته قال أحمد : " معناه : مرتهن عن الشفاعة لوالديه " , وقال ابن القيم : " إنها سبب في حسن سجاياه وأخلاقه إن عق عنه " .
والصحيح أنها سنة مؤكدة , وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها , وهي شكر لله على تجدد نعمته على الوالدين بولادة المولود , وفيها تقرب إلى الله تعالى , وتصدق على الفقراء , وفداء للمولود .
ومقدار ما يذبح عن الذكر شاتان متقاربتان سنا وشبها , وعن الأنثى شاة واحدة , لحديث أم كرز الكعبية , قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : عن الغلام شاتان متكافئتان , وعن الجارية شاة رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث عائشة .
والحكمة في الفرق بين الذكر والأنثى في مقدار العقيقة , أنها على النصف من أحكام الذكر , والنعمة على الوالد بالذكر أتم , والسرور والفرحة به أكمل , فكان الشكر عليه أكثر .
ووقت ذبح العقيقة ينبغي أن يكون في اليوم السابع من ولادته , ولو ذبحها قبل اليوم السابع أو بعده , جاز .
والأفضل أن يسمى في هذا اليوم , ففي " السنن " وغيرها : " يذبح عنه يوم سابعه ويسمى " , ومن سماه في يوم ولادته , فلا بأس , بل هو عند بعض العلماء أرجح من اليوم السابع .
ويسن تحسين الاسم , لقوله صلى الله عليه وسلم : إنكم تدعون بأسمائكم وأسماء آبائكم , فأحسنوا أسماءكم رواه أبو داود .
وكان صلى الله عليه وسلم يحب الاسم الحسن , ويحرم تعبيده لغير الله , كأن يسمى عبد الكعبة , وعبد النبي , وعبد المسيح , وعبد علي , وعبد الحسين .
قال الإمام ابن حزم رحمه الله : " اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله , كعبد عمر , وعبد الكعبة , وما أشبه ذلك , حاشا عبد المطلب ; لأنه إخبار , كبني عبد الدار وعبد شمس , ليس من باب إنشاء التسمية بذلك , وتكره التسمية بالأسماء غير المناسبة , كالعاصي , وكليب , وحنظلة , ومرة , وحزن , وقد كره النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة الاسم القبيح من الأشخاص والأماكن , وقال صلى الله عليه وسلم : إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن رواه مسلم وغيره , فينبغي الاهتمام باختيار الاسم الحسن للمولود , وتجنب الأسماء المحرمة والمكروهة ; لأن ذلك من حق الولد على والده .
ويجزئ في العقيقة ما يجزئ في الأضحية من حيث السن والصفة , فيختار السليمة من العيب والأمراض , والكاملة في خلقتها المناسبة في سنها وسمنها , ويستحب أن يأكل منها ويهدي ويتصدق , أثلاثا كالأضحية .
وتخالف العقيقة الأضحية في كونها لا يجزئ فيها شرك في دم , فلا تجزئ فيها بدنة ولا بقرة إلا كاملة ; لأنها فدية عن النفس , فلا تقبل التشريك , ولم يرد فيها تشريك , حيث لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم , ولا أحد من أصحابه .
وينبغي العناية بأمر المولود بما يصلحه وينشئه على الأخلاق الفاضلة ويكون سببا في صلاحه , فيحتاج الطفل إلى العناية بأمر خلقه , فإنه ينشأ على ما عوده المربي , قال الشاعر :
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه
فيصعب عليه في كبره تلافي ذلك , ولهذا تجد بعضا أو كثيرا من الناس منحرفة أخلاقهم بسبب التربية التي نشئوا عليها .
فيجب أن يجنب الطفل مجالس اللهو والباطل وقرناء السوء , ويجب أن يكون البيت الذي ينشأ فيه بيئة صالحة ; لأن البيت بمثابة المدرسة الأولى , بما فيه من الوالدين وأفراد الأسرة , فيجب إبعاد وسائل الشر والفساد عن البيوت , خصوصا في هذا الزمان الذي كثرت فيه وسائل الشر , وامتلأ بها غالب البيوت , إلا من رحمه الله , فيجب الحذر من ذلك .
كما يجب تنشئة الطفل على العبادة والطاعة واحترام الدين والعناية بالقرآن ومحبته ; لأنه من أعظم وسائل السعادة في الدنيا والآخرة . وبالجملة , يجب على والد الطفل والمتولي شأنه أن يكون قدوة صالحة في أخلاقه وسلوكه وعاداته , وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه .
كتاب الجهاد
باب في أحكام الجهاد
بسم الله الرحمن الرحيم
شرع الله الجهاد في سبيله لإعلاء كلمته ونصرة دينه ودحر أعدائه , وشرعه ابتلاء واختبارا لعباده , ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ والجهاد في سبيل الله له الأهمية العظيمة في الإسلام , فهو ذروة سنام الإسلام , وهو من أفضل العبادات , وقد عده بعض العلماء ركنا سادسا من أركان الإسلام . والجهاد في سبيل الله مشروع بالكتاب والسنة والإجماع , قال تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وفعله النبي صلى الله عليه وسلم وأمر به وقال صلى الله عليه وسلم : من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو , مات على شعبة من النفاق والجهاد مصدر جاهد ; أي : بالغ في قتال عدوه , وشرعا : قتال الكفار , ويطلق الجهاد على أعم من القتال . قال العلامة ابن القيم : " وجنس الجهاد فرض عين : إما بالقلب , وإما باللسان , وإما بالمال , وإما باليد ; فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع " انتهى . ويطلق الجهاد أيضا على مجاهدة النفس والشيطان والفساق : فأما مجاهدة النفس ; فعلى تعلم أمور الدين , ثم العمل بها , ثم تعليمها . وأما مجاهدة الشيطان ; فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات وما يزينه من الشهوات . وأما مجاهدة الكفار ; فتقع باليد والمال واللسان والقلب . وأما مجاهدة الفساق ; فباليد , ثم باللسان , ثم بالقلب ; حسب التمكن من درجات إنكار المنكر .
والجهاد فرض كفاية , إذا قام به من يكفي , سقط الوجوب عن الباقين , وبقي في حقهم سنة .
وهو أفضل متطوع به , وفضله عظيم , والنصوص في الأمر به والترغيب فيه من الكتاب والسنة كثيرة جدا , منها : قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
وهناك حالات يجب فيها الجهاد وجوبا عينيا وهي :
أولا : إذا حضر القتال , وجب عليه أن يقاتل , ولا يجوز له أن ينصرف .
ثانيا : إذا حصر بلده عدو . لأنه في هاتين الحالتين يكون جهاد دفع , لا جهاد طلب , فلو انصرف عنه , استولى الكفار على حرمات المسلمين .
ثالثا : إذا احتاج إليه المسلمون في القتال والمدافعة .
رابعا : إذا استنفره الإمام ; لقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا استنفرتم , فانفروا وقال تعالى : إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وقال تعالى : مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " الجهاد منه ما هو باليد , ومنه ما هو بالدعوة والحجة واللسان والرأي والتدبير والصناعة , فيجب بغاية ما يمكنه , ويجب على القعدة ; لعذر أن يخلفوا الغزاة في أهليهم ومالهم " انتهى .
ويجب على الإمام أن يتفقد الجيش عند المسير للجهاد , ويمنع من لا يصلح لحرب من رجال وخيل ونحوها , فيمنع المخذل الذي يخذل الناس عن القتال , ويزهدهم فيه , ويمنع المرجف الذي يخوف الغزاة , ويمنع من يسرب الأخبار إلى الأعداء أو يوقع الفتنة بين الغزاة , ويؤمر على الغزاة أميرا يسوس الجيش بالسياسة الشرعية .
ويجب على الجيش طاعته بالمعروف , والنصح له , والصبر معه ; لقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ إن الجهاد في الإسلام شرع لأهداف سامية وغاية نبيلة :
- شرع الله الجهاد لتخليص العباد من عبادة الطواغيت والأوثان لعبادة الله وحده لا شريك له , الذي خلقهم ورزقهم , قال تعالى : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ
- شرع الله الجهاد لإزالة الظلم وإعادة الحقوق إلى مستحقيها , قال تعالى : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ
- شرع الجهاد لإذلال الكفار والانتقام منهم وإضعاف شوكتهم , قال تعالى : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
والقتال إنما يكون بعد تبليغ الدعوة , كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الناس قبل القتال إلى الإسلام , ويكاتب الملوك بذلك , ويوصي قواد الجيوش الإسلامية بدعوة الناس إلى الإسلام قبل قتالهم , فإن استجابوا , وإلا قاتلوهم , وذلك لأن الغرض من القتال في الإسلام هو إزالة الكفر والشرك , والدخول في دين الله , فإذا حصل ذلك بدون قتال , لم يحتج إلى القتال , والله أعلم .
وللجهاد أحكام مفصلة موجودة في الكتب المطولة . وإذا كان أبواه مسلمين حرين أو أحدهما ; لم يجاهد تطوعا إلا بإذنهما ; لقوله صلى الله عليه وسلم : " ففيهما فجاهد " , صححه الترمذي , وذلك لأن برهما فرض عين , والجهاد فرض كفاية , وفرض العين مقدم على فرض الكفاية .
وعلى إمام المسلمين أن يتفقد الجيش عند المسير , ويمنع من لا يصلح للحرب من رجال وخيل كالمخذل والمرجف اللذين يثبطان الناس عن القتال , ويزهدان فيه , ويخوفان المسلمين , وينشران الأخبار والإشاعات التي تخوف الجند . وعلى الإمام أن يعين القادة للجيوش , وينفل من الغنيمة من في تنفيله مصلحة للجهاد , ويقسم بقية الغنائم في الجيش كله .
ويلزم الجيش طاعة أميرهم بالمعروف , والنصح له , والصبر معه , لقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ولا يجوز قتل صبي ولا امرأة وراهب وشيخ فان ومريض مزمن وأعمى لا رأي لهم , ولم يقاتلوا أو يحرضوا , ويكونون أرقاء بالسبي ; لأنه صلى الله عليه وسلم كان يسترق النساء والصبيان إذا سباهم.
وتملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب
- والغنيمة ما أخذ من مال حربي قهرا بقتال , وما ألحق به مما أخذ فداء - , وهي لمن شهد الوقعة من أهل القتال بقصد القتال , قاتل أو لم يقاتل ; لأنه ردء للمقاتلين , ومستعد للقتال , فأشبه المقاتلين , ولقول عمر رضي الله عنه : " الغنمية لمن شهد الوقعة "
وكيفية توزيع الغنيمة أن الإمام يخرج الخمس الذي لله ولرسوله , وسهم لقرابة الرسول صلى الله عليه وسلم واليتامى والفقراء والمساكين وأبناء السبيل , ثم يقسم الأخماس الأربعة الباقية على المقاتلين ; للراجل سهم , وللفارس ثلاثة أسهم , سهم له , وسهمان لفرسه ; لأنه صلى الله عليه وسلم أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم : سهمان لفرسه , وسهم له متفق عليه .
ويقوم مقام الإمام في توزيع الغنيمة نائبه .
ويحرم الغلول , وهو كتمان شيء مما غنمه المقاتل , قال تعالى : وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ويجب تعزير الغال بما يراه الإمام رادعا له ولأمثاله .
وإذا كانت الغنيمة أرضا ; خير الإمام بين قسمتها بين الغانمين , وبين وقفها لمصالح المسلمين , ويضرب عليها خراجا مستمرا يؤخذ ممن هي بيده .
وما تركه الكفار فزعا من المسلمين , ومال من لا وارث له , وخمس خمس الغنيمة - وهو سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - ; فهو فيء يصرف في مصالح المسلمين .
ويجوز لإمام المسلمين عقد الهدنة مع الكفار على ترك القتال مدة معلومة بقدر الحاجة إذا كان في عقدها مصلحة للمسلمين , وذلك إذا جاز تأخير الجهاد من أجل ضعف المسلمين , أما إن كان المسلمون أقوياء يقدرون على الجهاد , فلا يجوز عقد الهدنة ; لأنه صلى الله عليه وسلم عقد الهدنة مع الكفار في صلح الحديبية , وصالح اليهود في المدينة .
وإذا خاف الإمام منهم نقضا للهدنة ; أعلن لهم انتهاء الهدنة قبل قتالهم , لقوله تعالى : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ أي : أعلمهم بنقض العهد حتى تصير أنت وهم سواء في العلم بذلك .
ويجوز للإمام عقد الذمة مع أهل الكتاب والمجوس , ومعناه : إقرارهم على دينهم ; بشرط بذلهم الجزية , والتزام أحكام الإسلام , لقوله تعالى : قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ فالجزية هي مال يؤخذ منهم على وجه الصغار كل عام بدلا عن قتلهم وإقامتهم بدارنا .
ولا تؤخذ الجزية من صبي ولا امرأة ومجنون وزمن وأعمى وشيخ فان , ولا من فقير يعجز عنها .
ومتى بذلوا الجزية ; وجب قبولها منهم , وحرم قتالهم , ووجب دفع من قصدهم بأذى , لقوله تعالى : حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ فجعل إعطاء الجزية غاية لكف القتال عنهم , ولقوله صلى الله عليه وسلم : فاسألهم الجزية , فإن أجابوك ; فاقبل منهم , وكف عنهم والله أعلم .
ويجوز إعطاء الكافر المفرد الأمان من كل مسلم إذا لم يحصل منه ضرر على المسلمين , بدليل قوله تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ
ويجوز للإمام إعطاء الأمان لجميع المشركين ولبعضهم ; لأن ولايته عامة , وليس ذلك لآحاد الرعية ; إلا أن يجيزه الإمام , ويجوز للأمير في ناحية إعطاؤه لأهل بلدة قريبة منه .
تم بعون الله الجزء الأول
ويتلوه بإذن الله الجزء الثاني
وأوله أحكام البيع
__________________
((( أخـــلاقـــك مـــع الآخـــريـــن أجـــمـــل تــوقـــيــــع )))


| يحيــى فقيـــه | غير متصل  
قديم(ـة) 6/8/1432 هـ, 09:37 صباحاً   #35
شمعة حنين
عـضـو
 
صورة شمعة حنين الرمزية
 
تاريخ التسجيل: رمضان 1431
البلد: عابرة سبيل ..
المشاركات: 5,867

الأوسمة





مسابقه رائعه
وفقكم الله و أعانكم

التقييم (5)
__________________
اللهم انصر سوريا و كل مغلوب يا رب
شمعة حنين غير متصل  
قديم(ـة) 6/8/1432 هـ, 04:59 مساءً   #36
ذكـريـات الصبـا
عـضـو
 
صورة ذكـريـات الصبـا الرمزية
 
تاريخ التسجيل: جمادى الأولى 1431
البلد: في بساتين الرضى }|..
المشاركات: 1,290

الأوسمة




بارك الله فيكم
ونفع بكم و جعله في موازين اعمالكم

+

التقييم [ 5 ]











ذكـريـات الصبـا غير متصل  
قديم(ـة) 6/8/1432 هـ, 07:59 مساءً   #37
roosh
عـضـو
 
تاريخ التسجيل: جمادى الأولى 1432
البلد: سوى آنـآ والحنين المميت<=$
المشاركات: 2,763
.





بوركت مسآعيكم ووفقكم الباري
+5




.
roosh غير متصل  
قديم(ـة) 7/8/1432 هـ, 12:48 صباحاً   #38
| يحيــى فقيـــه |
كاتب مميز
 
صورة | يحيــى فقيـــه | الرمزية
 
تاريخ التسجيل: رجب 1429
البلد: المدينة الحالمة الشقيق
المشاركات: 2,985

انتهى التقييم لهذه المشاركة بنهاية الساعة التاسعة مساءاً لهذا اليوم الخميس .

بالتوفيق للجميع .
__________________
((( أخـــلاقـــك مـــع الآخـــريـــن أجـــمـــل تــوقـــيــــع )))


| يحيــى فقيـــه | غير متصل  
قديم(ـة) 7/8/1432 هـ, 02:38 صباحاً   #39
الـدعساوي
أبتاه ، فقدك آلمني ..!
 
تاريخ التسجيل: 1428
البلد: لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء
المشاركات: 5,961
.

.

.

شغل والله شغل
الله ينفع بكم

.
.

.
الـدعساوي غير متصل  
قديم(ـة) 7/8/1432 هـ, 06:16 صباحاً   #40
#أعـتـرف بـعنـادي #
عـضـو
 
صورة #أعـتـرف بـعنـادي # الرمزية
 
تاريخ التسجيل: رجب 1431
البلد: على أديمك ياأرض ...
المشاركات: 198
طيب ..كيف طريقة المسابقة بالتفصيل الممل ؟؟وهل لها وقت ؟؟
وهل نقرأ الكتاب قبل والأسئلة نجيب عليها مباشرة ؟أم تطرحون الأسئلة ومن ثم نحن نبحث عنها في الكتاب ؟؟ثم نجيب ...
يعني هل يلزمني قراءة الكتاب الآن ..
__________________
لاتلتفت لأقوال الآخرين وكن واثقا بذاتك ..ولو قالوا عنك مجنون ؟؟!!

لأن ثقتك بنفســـــــــك هي طريقك نحو النجـــــــــــــــــاح !!
#أعـتـرف بـعنـادي # غير متصل  
قديم(ـة) 7/8/1432 هـ, 07:38 صباحاً   #41
ماكنتوشة
عـضـو
 
صورة ماكنتوشة الرمزية
 
تاريخ التسجيل: صفر 1431
البلد: بريدة
المشاركات: 838
نفع المولى بكم ,,,,
اولا \هل بامكاني التسجيل؟
ثانيا \هل وقت المسابقة محدد؟؟لان دخولي للمنتدى ليس له وقت محدد...
ثالثا\ الاجابة تكون على الخاص او هنا؟
رابعا\ هل الاجابة بالبحث من الكتاب ؟؟
__________________
ماكنتوشة غير متصل  
قديم(ـة) 7/8/1432 هـ, 10:07 صباحاً   #42
متى يحل السلام؟؟؟
عـضـو
 
صورة متى يحل السلام؟؟؟ الرمزية
 
تاريخ التسجيل: جمادى الأولى 1432
البلد: بريدة
المشاركات: 373
اقتباس
المشاركة الأساسية كتبها ماكنتوشة
نفع المولى بكم ,,,,
اولا \هل بامكاني التسجيل؟
ثانيا \هل وقت المسابقة محدد؟؟لان دخولي للمنتدى ليس له وقت محدد...
ثالثا\ الاجابة تكون على الخاص او هنا؟
رابعا\ هل الاجابة بالبحث من الكتاب ؟؟


نفس السؤااااااااااال
__________________
"
19-12-1433
بانتظــــآر ذآك اليـــــوم .. "



الحمد لله الحمد لله حتى يبلغ الحمد منتهاه !!
متى يحل السلام؟؟؟ غير متصل  
موضوع مغلق

الإشارات المرجعية

أدوات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة مواضيع
لا يمكنك إضافة ردود
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] متاح
رموز HTML مغلق

انتقل إلى


الساعة الآن +4: 01:44 صباحاً.


Powered by vBulletin® Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
هذا المنتدى يستخدم منتجات بلص

المنشور في بريدة ستي يعبر عن رأي كاتبها فقط
(RSS)-(RSS 2.0)-(XML)-(sitemap)-(HTML)