بين صبغة الله مجددي وشريف أحمد
لم يستطع أحد أن يخفي إعجابه بما أنجزته المحاكم الإسلامية في الصومال من قضاء على التمرد وتوحيد للبلاد ونشر للأمن في معظم ربوع الصومال , حتى أعداء الحركات الإسلامية أسقط في أيديهم ولم يستطيعوا أن يكتبوا في حقها ما كانوا يتمنون كتابته لأن كل حرف كان يكتب في حق تلك المحاكم يقابل بتكذيب الواقع المشرف الذي استطاعت المحاكم إذ ذاك تحقيقه .
وحين هاجمت أثيوبيا الصومال توقع أعداء الحركات الإسلامية أن تقوم الحركة بمجابهة الاحتلال بإمكانياتها الضعيفة ليقع الصومال في مستنقع جديد من الدماء , لكن المحاكم فوتت الفرصة على طلاب النقد وحقنت دماء أهل البلاد بالانسحاب السريع والعودة للتحرك سياسيا من الخارج .
وفي هذه الأيام جنت المحاكم في ظل قيادتها المتمثلة بالشيخ شريف ثمار حكمتها وبعد نظرها حين استطاعت بالسياسة واستغلال مناطق القوة للوصول إلى سدة الرئاسة في الصومال .
لكن هذه الحكمة لم تعجب الكثيرين الذين كانوا بالأمس تحت لواء الشيخ شريف واليوم يعبرون عن آرائهم في التكتيك السياسي لأخيهم وقائدهم عن طريق قصف قصر الرئاسة بمدافع الهاون واستقباله في الصومال لا بلقب الرئاسة بل بلقب الخيانة والعمالة .
أين تكمن المشكلة ؟
تكمن المشكلة في تقديري في إفراط الكثيرين في تقدير آرائهم لدرجة تجعلهم يحتكرون الحق فيما يرونه هم , ويسترخصون الفوضى والدماء في سبيل أن تكون آراؤهم وحدهم هي المهيمنة على أفكار الناس وعلى حياتهم .
من لا يأخذ برأيي فهو عميل حتى لو تذرع بأن حقن الدماء وإنهاء النزاع هو مقصده في هذه الطريق التي يسلكها .
يعتقد البعض ومنهم معارضوا شيخ شريف أن دولة الإسلام ودولة الشريعة ليس لها طريق إلا القتال حتى لو كان هذا القتال بين إخوة الأمس , وحتى لو كان القتال خيارا ثانيا أو ثالثا أو رابعا , لابد أن نجعله هو الخيار الأول لنتخلص من تهمة العمالة والانصياع للأعداء والردة والخضوع للمرتدين ..
إن تهمة العمالة والردة أصبحت عند الكثيرين من قادة الفصائل الإسلامية في الصومال سيفا مسلطا على كل من اجتهد في البحث عن طريق آخر غير الحرب لحل مشكلات الصومال وتحقيق دولة الشريعة فيه .
وهذا المرض للأسف ليس خاصا بالقيادات الإسلامية في الصومال , بل هو مرض مستشر في أكثر القيادات العسكرية الإسلامية في دول العالم , بل حتى الدول التي يعاني فيها المسلمون مشكلات إنمائية أو إدارية أوعليها ملاحظات في سياستها الخارجية قامت فيها فصائل تريد التغيير عسكريا ويتهمون من سواهم بالعمالة والمداهنة بل والردة .
إذاًَ هناك فكر قائم يرى أن الحسم العسكري هو الحل في جميع قضايا الأمة وأن مجرد التفكير بحلول خارج النطاق العسكري تعد هذيانا وخداعا للأمة , والانفصاليون عن الشيخ شريف جزء من حملة هذا الفكر في العالم .
ولن أستغرب وجود مثل هذا الفكر في اليهودية أو النصرانية لأن الأنموذج الوحيد للحسم في كلا الديانتين عسكري وحسب , كما في كتابهما المقدس , ولا يوجد لديهما أنموذج مسالم أو مصلحي , فإذا تبنى اليهود والنصارى كون الحسم العسكري هو علاج كل ما يحيط بهم من مشكلات فذلك لأنهم لا يجدون في تراثهم الديني سوى سيرة يوشع بن نون أنموذجا ناجحا لعلاج مآسي بني إسرائيل , أما من سواه كدانيال وحزقيال فلم يستطيعوا بدعواتهم التعايشية تحقيق الخلاص والعزة لبني إسرائيل فبقي أنموذج يوشع بن نون وحيدا يحتذيه أكثر المفكرين اليهود والنصارى للوصول إلى تمكين ديانتيهما في الأرض .
أما المسلمون فمن أين استقوا هذا الفكر الذي يرى المدفع حلا أولاً وأخيرا , ومادة لا نقاش عليها لحسم الخلافات والترجيح بين الاجتهادات ؟
جميع النماذج التي تصدت لعلاج مشكلات الأمة في تحقيق التمكين لدين الله في الأرض لم يكن السيف لديها خيارا أولا أو وحيد .
بل كان السيف أحد الخيارات ولم يكن الرجوع إليه يمثل المادة الأولى لترجيح الاجتهادات .
أول وأعظم من سعى لتمكين كلمة الله تعالى في الأرض هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عقد مع المشركين صلح الحديبية الذي يمثل قمة العبقرية في تقديم الحلول المصلحية لتحقيق تمكين كلمة الله في الأرض على الحل العسكري .
ولست في معرض استعراض التاريخ الإسلامي للتأكيد على إمكانية الاجتهاد لتجنيب الأمة القتال مع الأعداء إذا كانت الأغلب على الظن أن القتال لن يحقق المراد منه , هذا إذا كان القتال مع الأعداء فكيف إذا كان الاجتهاد لتجنيب الأمة الاقتتال فيما بينها كما هو الحال في الصومال .
ولنفرض أن شريف أحمد باع مبادئة وأصبح عميلا للأجنبي , فإن الأمر هناك لا يعدو أن يكون فرضا ولا ينبغي مصادرة اجتهاد رجل عرفت سابقته في الجهاد من أجل فرضية لا تجد ما يدعمها من حقائق الواقع .
ولو تحقق ما يدعم فرضية عمالة شريف أحمد , فيبقى هل مقاتلة هذا العميل هي التي ستؤدي إلى حل مشكلات الصومال , أم بالإمكان أن يجارى هذا العميل ويضغط عليه لنحقق من وراء وجوده مكاسب للصوماليين لن نستطيع تحقيق معشارها في حال إشعال الحرب معه ومع من وراءه .
في الجهاد الأفغاني حين اتفقت الفصائل ورأت تنصيب صبغة الله مجددي ثار قلب الدين حكمتيار بمزاعم كثيرة جدا صدقها الكثيرون في العالم الإسلامي وقد تكون صحيحة إلا أن الخروج عن الصف من أجلها أدى إلى خسارة الشعب الأفغاني كله ثمار خروج المحتل من بلادهم .
وهذا حادث قريب كان ينبغي على شركاء شريف بالأمس اتخاذه درسا , والوقف مع شريف وتعزيره بدلا من قصف قصره بالهاونات تعبيرا عن سوء الأدب وقلة الاعتبار للدم المعصوم .