قوله تعالى : {فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا , أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا}
الرجل المؤمن دعا على جنَّةِ صاحبه الكافر بأحد أمرين :
إما أن يأتيها مطر غزير فيغرقها ,, وإما أن يسلب منها الماء فتهلك عطشاً .
وهاتان حالتان للماء مهلكتان للأمم , فكثير من الأمم إما أن تهلك بالأول , وهو الطوفان والغرق , وإما أنه تهلك بالثاني وهو القحط والعطش وبعد الماء .
ومن كمال رحمة الله بعباده أن جعل الماء بِقَدَر , فلا ضرر ولا ضِرار , كما قال تعالى : {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} (18) سورة المؤمنون , وقوله سبحانه : {وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} (11) سورة الزخرف .
قوله تعالى : {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا} (45) سورة الكهف
الضرب في لغة العرب يأتي على عدة معانٍ :
1. الضرب المعروف , وهو ضرب الرجل دابّته أو ولدَه , ومنه قوله تعالى : " {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ } (44) سورة ص , وقوله تعالى : {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} (27) سورة محمد .
2. السير في الأرض , يقال : ضرب في الأرض أي سار , ومنه قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ } (156) سورة آل عمران , وقوله تعالى : {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ } (101) سورة النساء , وقوله تعالى : { أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ } (106) سورة المائدة .
3. طرح الأمثال وبيانها للناس , وهذا كثير في القرآن , وهو المعنى المراد هنا في سورة الكهف , ومنه قوله تعالى : {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا} (32) سورة الكهف , وقوله تعالى {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء} (24) سورة إبراهيم , {ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} (75) سورة النحل .
4. ضرب النقدين وسكّ الذهب , يقال نقد مضروب إذا كان مصاغاً .
5. والضَّرْب لدغة العقرب .
6. والضَّرْب : سفاد الإبل .
7. والضَّرَب بتحريك الراء : العسل الأبيض , ومنه قولهم : ارتشاف الضَّرَب , أي ارتشاف العسل .
وإنما يضرب الله الأمثال للناس ليعتبروا ويتذكروا , ويُعلموا عقولهم في معانيها كما قال سبحانه : {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ } (43) سورة العنكبوت
وقوله سبحانه : {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } (21) سورة الحشر .
وقوله سبحانه : " كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء " المراد بالسماء هنا هي السحاب , لأن كل ما علا وارتفع في كلام العرب فهو سَماء .
والسماء في القرآن جاءت لعدة معانٍ :
منها : مفرد السموات السبع كما قال تعالى : {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (29) سورة البقرة , وقوله تعالى : {وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} (32) سورة الأنبياء .
ومنها السحاب , وهو كثير في القرآن : {وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء } (99) سورة الأنعام , وقوله سبحانه : {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} (11) سورة الأنفال .
ويراد به المطر نفسه كقوله تعالى : { وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا } (6) سورة الأنعام , {يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا} (11) سورة نوح .
ويراد بها الفضاء والعلو : {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا } (144) سورة البقرة , وقوله سبحانه : {أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (79) سورة النحل
ويراد به سقف البيت كقوله تعالى : {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} (15) سورة الحـج ( كما قال أكثر المفسرين أن المراد بالسماء هنا سقف بيته ) . والله أعلم .