- قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا , أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا} (31) سورة الكهف
- الآية الأولى دلَّتْ على أن حسن العمل مشروط بأمرين " الإيمان , وصلاح العمل " والإيمان يراد به الإخلاص لله تعالى , وصلاح العمل يراد به صوابه على سنة محمد صلى الله عليه وسلم .
- قوله سبحانه : " أولئك " الإشارة للبعد للتعظيم , كما قال سبحانه : " ذلك الكتاب لا ريب فيه "
- قوله سبحانه : " لهم جنات عدن " جملة اسمية مكونة من مبتدأ ( جنات ) وخبر ( الجار والمجرور لهم ) , والجملة الاسمية تدل على الثبات والدوام , أي أن هذه الجنات لا تنفك عنهم ولا يتحولون عنها , ولهذا سمى الله تعالى الجنة هنا بالعدن , والعدن في العربية هو طول المقام واللبث , يقال : عَدَنَ في البلاد إذا مكث فيها طويلا .
- قوله سبحانه :" يحلون ,,, ويلبسون " جعل الذهب هو الحلية , والثياب لباساً , ولعله قدم الحلية هنا على الثياب لأن الحلية غالبا ما تكون أنفس وأغلى فقدم النفيس , ولأنهم إذا حصلوا النفيس والغالي فهم لما دونه أسرع حصولاً , وربما لأن الحلية كانت محرمة عليهم في الدنيا ( للرجال ) فبدأ الله بها , لبيان عظم جزائهم في الجنة وأنهم سيدركون ما حُرموا منه في الدنيا .
- وثمة لطيفة أخرى , وهي أن قوله " يُحلَّون " بصيغة المبني للمجهول , والفاعل إما أن يكون هو الله تعالى , وإما أن تكون نساؤهم وإما أن يكون الخدم والغلمان , وعلى كلٍّ فالتحلية هنا للتكريم والتقدير .
- وأما اللباس فقال " ويلبَسون ثيابا " نسبها إليهم , لأن اللباس ضروري فهم يلبسون ثيابهم بأنفسهم بعد أن يحصل لهم التقدير بالتحلية .. والله أعلم وأحكم .
- قوله سبحانه : " كلتا الجنتين آتت أكلها " المبتدأ مثنى وهو كلمة ( كلتا ) والخبر جاء مفرداً وهو قوله " آتت " ولو تطابق الخبر مع المبتدأ لقال : آتتا , وعدم التطابق هنا مردُّه إلى أن ( كِلا , وكلتا ) لفظهما مفرد مثل : فتى , ومعناهما مثنى , فإذا أخبرت عنهما جاز لك مراعاة اللفظ ( الإفراد ) فتجعل الخبر مفردا , وجاز لك مراعاة المعنى ( التثنية ) فتجعل الخبر مثنى , وفي الآية هنا تمت مراعاة اللفظ , وهو الأفصح , فتقول مثلا : كلا الكتابين نافع , وكلتا النخلتين مثمرةٌ , ويجوز مراعاة المعنى فتقول : كلا الكتابين نافعان , وكلتا الجنيين مثمرتان , وقد جمع الشاعر بين الأمرين بقوله :
كلاهما حين جدَّ الجريُ بينهما ,,, قد أقلعا , وكلا أنفيهما رابي .
فقوله : كلاهما قد أقلعا ... مراعاة للمعنى
وقوله : وكلا أنفيهما رابي ... مراعاة للفظ .
وقصة صاحب الجنتين الأول , وهو الكافر بالله تعالى , فقد أنعم الله عليه بالنعم الوفيرة , ولكنه لم يحسن أداء حقها من شكر النعمة للمنعم سبحانه , فأول ما بدأ بالكبر والعجب : " أنا أكثر منك مالا , وأعز نفرا "
ثم استمر في زهوه وعجبه بما ليس من فعله , حين دخل الجنة قائلا : " ما أظن أن تبيد هذه أبدا " مع أن المحيي للجنة والمنْبِتَ لها هو الله تعالى , إلا أنه ما زال مستكبرا مُعْجَباً .
ثم أوصله كبره إلى إنكار البعث والجزاء والحساب : " وما أظن الساعة قائمة "
بل زاد به الطغيان والعجب أن قال متهكما : " ولئن رُدِدْت إلى ربي لأجدنَّ خيرا منها منقلبا " فهو ضامن أفضل منها إن كان هناك بعث .
قد يسأل سائل ويقول : كيف يقول رددت إلى ربي , وهو أنكر البعث بقوله : " وما أظن الساعة قائمة " ؟
فالجواب : أنه قال ذلك متهكماً ساخراً , فكأنه قال : إن حصل فعلا ذلك البعث الذي تدعونه , ورُدِدُت إلى ربي فإن لي أفضل مما حصلته في هذه الدنيا .
وهذا منطق أعوج يسير عليه أهل الأهواء والزخارف في الدنيا ظنا منهم أن عطاء الله لهم في دنيا دليل رضاً منه عليهم , فهم سيكسبون أفضل منه في الآخرة , وما علموا أن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب , ولكنه لا يعطي الآخرة إلا من يحب سبحانه , ونسوا أن الله تعالى يمتع الكافر في الدنيا ليزيد من عذابه في الآخرة بسبب كفره وطغيانه {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} (24) سورة لقمان .
ودل موقف الرجل الأول أن الكبر سبب للكفر والطغيان , فهو قد استكبر وأعجب بنفسه , ثم أخذته العزة بالإثم لينكر البعث والحساب .
وهذا موقف إبليس حين أمر بالسجود {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } (34) سورة البقرة .
ولأجل استكبار الرجل الأول الغني تعمَّد صاحبه المؤمن الفقير أن يذكره بأصله الذي خلق منه , وأنه كان ضعيفا حقيرا " {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا } (37) سورة الكهف , فأنت أصلك يا مستكبر تراب تداس بالأقدام , ثم أصبحت نطفةً من مَنِيٍّ يُمْنَى , ثم بعد ذلك سواك وصيرك بقدرته سبحانه رجلا ,,
وفي قوله : " خلقَك " تذكير بفضل الله عليه , وأنه هو الخالق له , ولولاه لما كان له وجود أصلا .
وجاء التعبير بحرف العطف ( ثم ) بين أطوار الخلق : من تراب ,,, النطفة ,,, الرجولة
للتباعد الزمني بينها .
وتدل الآية أيضا على أن الفرع سيظل يحمل جينات الأصل مهما تباعد الزمن , لأن المخلوق من تراب هو أبونا آدم عليه السلام فقط , وأما ذريته فقد خلقت من نطفة من ماء مهين إلى قيام الساعة ( ما عدا عيسى عليه السلام المخلوق بكلمة الله تعالى وروح منه )
فالإنسان مهما بعد عن آدم إلا أنه سيظل يحمل صفات التراب والطين , وقد صدق الشاعر النصراني ( إيليا أبو ماضي ) بقوله :
نَسِيَ الطينُ ساعة أنه طين ٌ ,,, حقير فصال تيهاً وعربَدْ
أنت مثلي من الثرى وإليه ,,, فلماذا يا صاحبي التِّيهُ والصدّ