أبو سليمان الحامد
كاتب مميّز
قال تعالى : {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا , الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا , أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا , ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا , إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا , خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا , قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا , قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} ( 103- 110 )سورة الكهف
تتحدث الآيات الكريمة عن فريقين من الناس , فريق في الجنة وفريق في السعير .
فأما فريق السعير فهم أكثر الناس خسارة يوم القيامة , ذلك لأنهم كانوا يعملون في الدنيا أعمالاً ظنوا أنهم سيُؤجرون عليها عند الله , وأن صنيعَهم حسنٌ وصوابٌ , فضَلُّوا سواء السبيل , ولم يكن عملهم صواباً , فكان جزاؤهم النار يوم القيامة , فجمعوا بين خسارة العمل , وخسارة الثواب فكانوا أكثر الناس خسارة .
ولهذا جاء فعل التفضيل : " بالأخسرين أعمالاً " أي أكثر الناس خسارة في أعمالهم .
وأسلوب الاستفهام قبل الجواب , أسلوب تعليمي عظيم , كثيرا ما ورد على لسان الشارع الحكيم , ليدل على عِظَمِ المسألة وجوابها , ولكي يتنبه لها المتلقي فيكون أدعى لبيانها عنده , وأحضرَ لذهنه وعقْلِه .
كما قال تعالى : {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ , تَنَزَّلُ على كُلِّ أفَّاكٍ أَثِيمٍ } (221) سورة الشعراء .
وقوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ , تُؤْمِنونَ ...} (10) سورة الصف
وفي الحديث الشريف : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ .. أتدرون من المفلس ؟ .. ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ؟ ... وغيرها كثير .
فمن هؤلاء الأخسرون أعمالا ؟
الجواب : " الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا "
أي أنهم سيعون في الدنيا إلى الآخرة , ولكنهم ضلوا الطريق , وهم في قرارة أنفسهم يظنون أنهم على هدى وصواب , وهم في الحقيقة على ضَلال وبَوار .
فما أعظم خسارة هؤلاء !
وما أشد ندمهم يوم لا ينفع الندم !
فمن كان يعمل عملا يعلم أنه على خطأ , فإنه مستعد للنتيجة مهما كانت قاسية , ولكن المصيبة كل المصيبة من يعمل عملا يظن أنه على صواب , فيتفاجأ بالنتيجة الْمُرَّة حين يدرك بعد فوات الأوان أن تعبَه ونصَبَه لم يكن على صواب , فأي خسارة أعظم من هذا ؟
والمراد بهم : قيل هم اليهود والنصارى , وقيل هم الخوارج , قال ابن كثير : " وإنما هي عامَّة في كلِّ من عَبَد الله على غير طريقة مَرْضِيّةٍ يحسَب أنه مصيبٌ فيها , وأن عملَه مقبول , وهو مخطئٌ وعملُهُ مردودٌ كما قال تعالى : {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ , عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ , تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} وقال تعالى {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} " [ تفسير ابن كثير : 3/144 ] .
فكأن سائلا يسأل عن هؤلاء الخاسرين , ولماذا خسروا وضلوا ؟ , فكان الجواب :
" أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا " , فهم كفروا بالله تعالى وآياته واليوم الآخر , فلقاء الله تعالى هو اليوم الموعود , يومُ الفصل , والتكذيب به كفرٌ محض .
فكانت النتيجة أن حَبِطَت أعمالهم وخَسِرت , فأصبحت موازينهم خاوية من الخير , خفيفة طائشة " {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ} (9) سورة الأعراف .
وأصل الحبَط : أن تأكل الدابة مرعى طيبا فتكثر منه , فتنتفخ بطونها حتى تهلك .
فاستعير الحبط للفساد والبطلان .
ثم إن نتيجة هؤلاء المجرمين ومآلهم , ونهاية خفة أعمالهم هو دخولهم النار عياذا بالله تعالى منها , " ذلك جزاؤهم جهنم "
لماذا كان جزاؤهم جهنم ؟
الجواب : بسبب كفرهم واستهزائهم بآيات الله ورُسُلِه .
فقوله : بما كفروا .. الباء للسببية , ودخلت على ( ما ) المصدرية , أي بسبب كفرهم .
ومثل هذا كثير في القرآن كما قال تعالى : {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا} (160) سورة النساء
أي : فبسبب ظلمهم حرمنا ..
وقال تعالى : {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } (13) سورة المائدة
أي : فبسبب نقضهم ..
وقال تعالى : {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} (151) سورة آل عمران
أي بسبب إشراكهم بالله .
وحين نعود إلى آية الكهف نجد أن الله تعالى ذكر السبب وهو الكفر بالله وآياته ورسله , وذكر الْمُسبَّبَ والنتيجة وهي استحقاقهم جهنم .
وهنا يبرز سؤال : لماذا يذكر الله تعالى سبب استحقاقهم العذاب فيجمع بين السبب والمسبب ؟
الجواب والله أعلم لأمرين :
الأول : لبيان عدل الله تعالى , وأنه لم يعذبهم إلا بسبب ذنوبهم ومعاصيهم " ولا يظلم ربك أحداً .. وما ظلمهم الله ولكن أنفسَهم يظلمون .
الثاني : لبيان سوء مَسْلَكِم للمُكَلَّفِين المخاطبين فيجتنبوه , لأن العاقل حين يعلم مغبّة هذا العمل وسوء نتيجته فإنه يُعْرِض عنه ولا يغشاه .
فائدة لغوية :
قوله : ضَلَّ سعيهم .
هناك ثلاث كلمات يخطئ في التفريق بينهما كثير من الناس ( ضَلَّ , ظَلَّ , الظِّلّ )
فالأول : ضَلّ , بالضاد , من الضلال , وهو ضد الهدى , وتصريفه كالتالي : ضَلّ يضِّلُّ فهو ضالّ , وأضَلَّ يُضِّل فهو مُضِلٌّ ومصدره : الضَّلال .
وقد وردت في القرآن كثيرا جدا : " ولا الضالين " " ضلوا السبيل " من يضلل الله فلا هادي له " " أم هم ضلوا السبيل " " المضلين عضدا " " فما له من مُضِلِّ " " ما منعك إذ رأيتهم ضلُّوا ألا تتبعن ؟ "
أما ( ظَلَّ ) بالظاء , فهي من أخوات ( كان ) وتعنى : استمر على هذا العمل .
تقول : ظلَّ محمدٌ واقفاً , أي استمر على الوقوف فترة معينة , ومضارعُه : يَظَلّ
وهي تدخل على المبتدأ والخبر , فترفع المبتدأ ويسمى اسمها , وتنصب الخبر ويسمى خبرها .
وقد وردت قليلا في القرآن : {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} (4) سورة الشعراء , وقوله سبحانه : {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} (71) سورة الشعراء , وقوله تعالى : {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ } (51) سورة الروم , وقوله تعالى : {إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } (33) سورة الشورى , وقوله تعالى : {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} (17) سورة الزخرف .
أما الكلمة ثالثة فهي " الظِّلّ " بالظاء , وهي اسم , ومعناه : ضد الشمس , وهو معروف , ويجمع على : ظُلَل , ويقال : ظِلال , وظُلَّة , ويجيء منه الفعل : يُظِل , كما في الحديث الشريف : سبعة يُظلهم الله في ظِلِّه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه .. "
وقد ورد في القرآن كثيرا : كما في الآيات التالية :
{وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى } (57) سورة البقرة
{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ } (210) سورة البقرة
{ لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً} (57) سورة النساء
{وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ } (171) سورة الأعراف
{فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} (24) سورة القصص
{وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ} (21) سورة فاطر
{هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِؤُونَ} (56) سورة يــس
{وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ } (30) سورة الواقعة
{انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ , لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ} (30) سورة المرسلات
{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ} (41) سورة المرسلات
فيجب على المتعلم التفريق بين الكلمات السابقة لاختلاف المعنى رأسا على عقب لو وضعت الواحدة مكان الأخرى .
والله الهادي إلى سواء السبيل .
وللحديث بقية إن شاء الله .
تتحدث الآيات الكريمة عن فريقين من الناس , فريق في الجنة وفريق في السعير .
فأما فريق السعير فهم أكثر الناس خسارة يوم القيامة , ذلك لأنهم كانوا يعملون في الدنيا أعمالاً ظنوا أنهم سيُؤجرون عليها عند الله , وأن صنيعَهم حسنٌ وصوابٌ , فضَلُّوا سواء السبيل , ولم يكن عملهم صواباً , فكان جزاؤهم النار يوم القيامة , فجمعوا بين خسارة العمل , وخسارة الثواب فكانوا أكثر الناس خسارة .
ولهذا جاء فعل التفضيل : " بالأخسرين أعمالاً " أي أكثر الناس خسارة في أعمالهم .
وأسلوب الاستفهام قبل الجواب , أسلوب تعليمي عظيم , كثيرا ما ورد على لسان الشارع الحكيم , ليدل على عِظَمِ المسألة وجوابها , ولكي يتنبه لها المتلقي فيكون أدعى لبيانها عنده , وأحضرَ لذهنه وعقْلِه .
كما قال تعالى : {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ , تَنَزَّلُ على كُلِّ أفَّاكٍ أَثِيمٍ } (221) سورة الشعراء .
وقوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ , تُؤْمِنونَ ...} (10) سورة الصف
وفي الحديث الشريف : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ .. أتدرون من المفلس ؟ .. ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ؟ ... وغيرها كثير .
فمن هؤلاء الأخسرون أعمالا ؟
الجواب : " الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا "
أي أنهم سيعون في الدنيا إلى الآخرة , ولكنهم ضلوا الطريق , وهم في قرارة أنفسهم يظنون أنهم على هدى وصواب , وهم في الحقيقة على ضَلال وبَوار .
فما أعظم خسارة هؤلاء !
وما أشد ندمهم يوم لا ينفع الندم !
فمن كان يعمل عملا يعلم أنه على خطأ , فإنه مستعد للنتيجة مهما كانت قاسية , ولكن المصيبة كل المصيبة من يعمل عملا يظن أنه على صواب , فيتفاجأ بالنتيجة الْمُرَّة حين يدرك بعد فوات الأوان أن تعبَه ونصَبَه لم يكن على صواب , فأي خسارة أعظم من هذا ؟
والمراد بهم : قيل هم اليهود والنصارى , وقيل هم الخوارج , قال ابن كثير : " وإنما هي عامَّة في كلِّ من عَبَد الله على غير طريقة مَرْضِيّةٍ يحسَب أنه مصيبٌ فيها , وأن عملَه مقبول , وهو مخطئٌ وعملُهُ مردودٌ كما قال تعالى : {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ , عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ , تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} وقال تعالى {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} " [ تفسير ابن كثير : 3/144 ] .
فكأن سائلا يسأل عن هؤلاء الخاسرين , ولماذا خسروا وضلوا ؟ , فكان الجواب :
" أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا " , فهم كفروا بالله تعالى وآياته واليوم الآخر , فلقاء الله تعالى هو اليوم الموعود , يومُ الفصل , والتكذيب به كفرٌ محض .
فكانت النتيجة أن حَبِطَت أعمالهم وخَسِرت , فأصبحت موازينهم خاوية من الخير , خفيفة طائشة " {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ} (9) سورة الأعراف .
وأصل الحبَط : أن تأكل الدابة مرعى طيبا فتكثر منه , فتنتفخ بطونها حتى تهلك .
فاستعير الحبط للفساد والبطلان .
ثم إن نتيجة هؤلاء المجرمين ومآلهم , ونهاية خفة أعمالهم هو دخولهم النار عياذا بالله تعالى منها , " ذلك جزاؤهم جهنم "
لماذا كان جزاؤهم جهنم ؟
الجواب : بسبب كفرهم واستهزائهم بآيات الله ورُسُلِه .
فقوله : بما كفروا .. الباء للسببية , ودخلت على ( ما ) المصدرية , أي بسبب كفرهم .
ومثل هذا كثير في القرآن كما قال تعالى : {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا} (160) سورة النساء
أي : فبسبب ظلمهم حرمنا ..
وقال تعالى : {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } (13) سورة المائدة
أي : فبسبب نقضهم ..
وقال تعالى : {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} (151) سورة آل عمران
أي بسبب إشراكهم بالله .
وحين نعود إلى آية الكهف نجد أن الله تعالى ذكر السبب وهو الكفر بالله وآياته ورسله , وذكر الْمُسبَّبَ والنتيجة وهي استحقاقهم جهنم .
وهنا يبرز سؤال : لماذا يذكر الله تعالى سبب استحقاقهم العذاب فيجمع بين السبب والمسبب ؟
الجواب والله أعلم لأمرين :
الأول : لبيان عدل الله تعالى , وأنه لم يعذبهم إلا بسبب ذنوبهم ومعاصيهم " ولا يظلم ربك أحداً .. وما ظلمهم الله ولكن أنفسَهم يظلمون .
الثاني : لبيان سوء مَسْلَكِم للمُكَلَّفِين المخاطبين فيجتنبوه , لأن العاقل حين يعلم مغبّة هذا العمل وسوء نتيجته فإنه يُعْرِض عنه ولا يغشاه .
فائدة لغوية :
قوله : ضَلَّ سعيهم .
هناك ثلاث كلمات يخطئ في التفريق بينهما كثير من الناس ( ضَلَّ , ظَلَّ , الظِّلّ )
فالأول : ضَلّ , بالضاد , من الضلال , وهو ضد الهدى , وتصريفه كالتالي : ضَلّ يضِّلُّ فهو ضالّ , وأضَلَّ يُضِّل فهو مُضِلٌّ ومصدره : الضَّلال .
وقد وردت في القرآن كثيرا جدا : " ولا الضالين " " ضلوا السبيل " من يضلل الله فلا هادي له " " أم هم ضلوا السبيل " " المضلين عضدا " " فما له من مُضِلِّ " " ما منعك إذ رأيتهم ضلُّوا ألا تتبعن ؟ "
أما ( ظَلَّ ) بالظاء , فهي من أخوات ( كان ) وتعنى : استمر على هذا العمل .
تقول : ظلَّ محمدٌ واقفاً , أي استمر على الوقوف فترة معينة , ومضارعُه : يَظَلّ
وهي تدخل على المبتدأ والخبر , فترفع المبتدأ ويسمى اسمها , وتنصب الخبر ويسمى خبرها .
وقد وردت قليلا في القرآن : {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} (4) سورة الشعراء , وقوله سبحانه : {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} (71) سورة الشعراء , وقوله تعالى : {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ } (51) سورة الروم , وقوله تعالى : {إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } (33) سورة الشورى , وقوله تعالى : {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} (17) سورة الزخرف .
أما الكلمة ثالثة فهي " الظِّلّ " بالظاء , وهي اسم , ومعناه : ضد الشمس , وهو معروف , ويجمع على : ظُلَل , ويقال : ظِلال , وظُلَّة , ويجيء منه الفعل : يُظِل , كما في الحديث الشريف : سبعة يُظلهم الله في ظِلِّه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه .. "
وقد ورد في القرآن كثيرا : كما في الآيات التالية :
{وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى } (57) سورة البقرة
{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ } (210) سورة البقرة
{ لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً} (57) سورة النساء
{وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ } (171) سورة الأعراف
{فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} (24) سورة القصص
{وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ} (21) سورة فاطر
{هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِؤُونَ} (56) سورة يــس
{وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ } (30) سورة الواقعة
{انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ , لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ} (30) سورة المرسلات
{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ} (41) سورة المرسلات
فيجب على المتعلم التفريق بين الكلمات السابقة لاختلاف المعنى رأسا على عقب لو وضعت الواحدة مكان الأخرى .
والله الهادي إلى سواء السبيل .
وللحديث بقية إن شاء الله .