حلقة بريدة ستي القرآنية ح ( أبن عباس ) ع5 - م 22 - رد344

الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.
قال تعالى : {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا , الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا , أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا , ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا , إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا , خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا , قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا , قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} ( 103- 110 )سورة الكهف

تتحدث الآيات الكريمة عن فريقين من الناس , فريق في الجنة وفريق في السعير .
فأما فريق السعير فهم أكثر الناس خسارة يوم القيامة , ذلك لأنهم كانوا يعملون في الدنيا أعمالاً ظنوا أنهم سيُؤجرون عليها عند الله , وأن صنيعَهم حسنٌ وصوابٌ , فضَلُّوا سواء السبيل , ولم يكن عملهم صواباً , فكان جزاؤهم النار يوم القيامة , فجمعوا بين خسارة العمل , وخسارة الثواب فكانوا أكثر الناس خسارة .
ولهذا جاء فعل التفضيل : " بالأخسرين أعمالاً " أي أكثر الناس خسارة في أعمالهم .
وأسلوب الاستفهام قبل الجواب , أسلوب تعليمي عظيم , كثيرا ما ورد على لسان الشارع الحكيم , ليدل على عِظَمِ المسألة وجوابها , ولكي يتنبه لها المتلقي فيكون أدعى لبيانها عنده , وأحضرَ لذهنه وعقْلِه .
كما قال تعالى : {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ , تَنَزَّلُ على كُلِّ أفَّاكٍ أَثِيمٍ } (221) سورة الشعراء .
وقوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ , تُؤْمِنونَ ...} (10) سورة الصف
وفي الحديث الشريف : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ .. أتدرون من المفلس ؟ .. ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ؟ ... وغيرها كثير .
فمن هؤلاء الأخسرون أعمالا ؟
الجواب : " الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا "
أي أنهم سيعون في الدنيا إلى الآخرة , ولكنهم ضلوا الطريق , وهم في قرارة أنفسهم يظنون أنهم على هدى وصواب , وهم في الحقيقة على ضَلال وبَوار .
فما أعظم خسارة هؤلاء !
وما أشد ندمهم يوم لا ينفع الندم !
فمن كان يعمل عملا يعلم أنه على خطأ , فإنه مستعد للنتيجة مهما كانت قاسية , ولكن المصيبة كل المصيبة من يعمل عملا يظن أنه على صواب , فيتفاجأ بالنتيجة الْمُرَّة حين يدرك بعد فوات الأوان أن تعبَه ونصَبَه لم يكن على صواب , فأي خسارة أعظم من هذا ؟
والمراد بهم : قيل هم اليهود والنصارى , وقيل هم الخوارج , قال ابن كثير : " وإنما هي عامَّة في كلِّ من عَبَد الله على غير طريقة مَرْضِيّةٍ يحسَب أنه مصيبٌ فيها , وأن عملَه مقبول , وهو مخطئٌ وعملُهُ مردودٌ كما قال تعالى : {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ , عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ , تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} وقال تعالى {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} " [ تفسير ابن كثير : 3/144 ] .

فكأن سائلا يسأل عن هؤلاء الخاسرين , ولماذا خسروا وضلوا ؟ , فكان الجواب :
" أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا " , فهم كفروا بالله تعالى وآياته واليوم الآخر , فلقاء الله تعالى هو اليوم الموعود , يومُ الفصل , والتكذيب به كفرٌ محض .
فكانت النتيجة أن حَبِطَت أعمالهم وخَسِرت , فأصبحت موازينهم خاوية من الخير , خفيفة طائشة " {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ} (9) سورة الأعراف .

وأصل الحبَط : أن تأكل الدابة مرعى طيبا فتكثر منه , فتنتفخ بطونها حتى تهلك .
فاستعير الحبط للفساد والبطلان .

ثم إن نتيجة هؤلاء المجرمين ومآلهم , ونهاية خفة أعمالهم هو دخولهم النار عياذا بالله تعالى منها , " ذلك جزاؤهم جهنم "
لماذا كان جزاؤهم جهنم ؟
الجواب : بسبب كفرهم واستهزائهم بآيات الله ورُسُلِه .
فقوله : بما كفروا .. الباء للسببية , ودخلت على ( ما ) المصدرية , أي بسبب كفرهم .
ومثل هذا كثير في القرآن كما قال تعالى : {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا} (160) سورة النساء
أي : فبسبب ظلمهم حرمنا ..
وقال تعالى : {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } (13) سورة المائدة
أي : فبسبب نقضهم ..
وقال تعالى : {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} (151) سورة آل عمران
أي بسبب إشراكهم بالله .
وحين نعود إلى آية الكهف نجد أن الله تعالى ذكر السبب وهو الكفر بالله وآياته ورسله , وذكر الْمُسبَّبَ والنتيجة وهي استحقاقهم جهنم .
وهنا يبرز سؤال : لماذا يذكر الله تعالى سبب استحقاقهم العذاب فيجمع بين السبب والمسبب ؟
الجواب والله أعلم لأمرين :
الأول : لبيان عدل الله تعالى , وأنه لم يعذبهم إلا بسبب ذنوبهم ومعاصيهم " ولا يظلم ربك أحداً .. وما ظلمهم الله ولكن أنفسَهم يظلمون .
الثاني : لبيان سوء مَسْلَكِم للمُكَلَّفِين المخاطبين فيجتنبوه , لأن العاقل حين يعلم مغبّة هذا العمل وسوء نتيجته فإنه يُعْرِض عنه ولا يغشاه .

فائدة لغوية :
قوله : ضَلَّ سعيهم .
هناك ثلاث كلمات يخطئ في التفريق بينهما كثير من الناس ( ضَلَّ , ظَلَّ , الظِّلّ )
فالأول : ضَلّ , بالضاد , من الضلال , وهو ضد الهدى , وتصريفه كالتالي : ضَلّ يضِّلُّ فهو ضالّ , وأضَلَّ يُضِّل فهو مُضِلٌّ ومصدره : الضَّلال .
وقد وردت في القرآن كثيرا جدا : " ولا الضالين " " ضلوا السبيل " من يضلل الله فلا هادي له " " أم هم ضلوا السبيل " " المضلين عضدا " " فما له من مُضِلِّ " " ما منعك إذ رأيتهم ضلُّوا ألا تتبعن ؟ "

أما ( ظَلَّ ) بالظاء , فهي من أخوات ( كان ) وتعنى : استمر على هذا العمل .
تقول : ظلَّ محمدٌ واقفاً , أي استمر على الوقوف فترة معينة , ومضارعُه : يَظَلّ
وهي تدخل على المبتدأ والخبر , فترفع المبتدأ ويسمى اسمها , وتنصب الخبر ويسمى خبرها .
وقد وردت قليلا في القرآن : {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} (4) سورة الشعراء , وقوله سبحانه : {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} (71) سورة الشعراء , وقوله تعالى : {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ } (51) سورة الروم , وقوله تعالى : {إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } (33) سورة الشورى , وقوله تعالى : {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} (17) سورة الزخرف .

أما الكلمة ثالثة فهي " الظِّلّ " بالظاء , وهي اسم , ومعناه : ضد الشمس , وهو معروف , ويجمع على : ظُلَل , ويقال : ظِلال , وظُلَّة , ويجيء منه الفعل : يُظِل , كما في الحديث الشريف : سبعة يُظلهم الله في ظِلِّه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه .. "
وقد ورد في القرآن كثيرا : كما في الآيات التالية :
{وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى } (57) سورة البقرة
{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ } (210) سورة البقرة
{ لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً} (57) سورة النساء
{وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ } (171) سورة الأعراف
{فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} (24) سورة القصص
{وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ} (21) سورة فاطر
{هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِؤُونَ} (56) سورة يــس
{وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ } (30) سورة الواقعة
{انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ , لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ} (30) سورة المرسلات
{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ} (41) سورة المرسلات

فيجب على المتعلم التفريق بين الكلمات السابقة لاختلاف المعنى رأسا على عقب لو وضعت الواحدة مكان الأخرى .

والله الهادي إلى سواء السبيل .

وللحديث بقية إن شاء الله .
 







ولو أني لم أبادر معكم من قبل , فإني أرمقكم من بعيد وفخراً ينتابني لأجلكم ()




أخي كبير المحايدين
اسأل ربي لك الأجر أطنانا ..
وأني أرقبك حتى التتمة !







 

ebfb461f93451cc75c14bb6428bfeb7e.jpg


الحمد لله الذي بعمته تتم الصالحات ... كم هي سعادتي كبيرة بأن وفقنا الله لإتمام حفظ سورة الكهف .
وبهذه المناسبة لا يسعني إلا أن أشكر أستاذي الفاظل كبير المحايدين على ما أتحفنا به من علم وفائدة فجزاه الله عنا خير الجزاء .
وأثني بالشكر لأخي الكاتب القدير أبو ريان على جهده معنا في تجهيز المادة الصوتية .
وأجد الشكر يسابقني إلى طلاب حلقة أبن عباس على جهدهم في اتمام هذه السورة ومن كان له مشاركات فعّالة .
وأخيراً :
أودعكم وأنا حزين لعدم تمكني من إتمام المسيرة وذلك لظروفي الصعبة ما بين العمل والدراسة والمستشفى كان هدفي أكبر من هذا الجهد ولكن الظروف كانت أقوى من أمنياتي .
ولكن ...
اتمنى من طلاب الحلقة أن يسعون في تحقيق أمنيتي بمواصلتهم .. فقد وضعتكم في أيدي أمينة تشتعل نشاطاً وإبداعاً
أعمالهن تتحدث عنهن .
قمت بالتنسيق مع أخواتي مشرفات بنت بريدة لإكمال المسيرة فلم يتأخرن في تلبية الدعوة . فجزاهم الله عنا كل خير .
ومن هذه اللحظة أنتم تحت إمارة قسم بنت بريدة .
طبعاً استسمحكم عذراً بسحب أخي ( وناسة ) من الحلقة لأن الحلقة ستنتقل إلى قسم مشفر عن الذكور :)
لكم مني خالص الدعوات ، ولا تنسوني من دعواتكم فالحاجة لا تكاد توصف .
 



ثم بين الله تعالى ثواب أهل الصلاح والتقوى بأن لهم الجنة ضيافة ونزلاً يوم القيامة , وسيخلدون فيها دون أن يرضوا عنها تحولاً وانصرافاً " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا , خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا "
وهنا ثنائية دائمة في مثل هذا الموضع " آمنوا وعملوا الصالحات "
( آمنوا ) بالقلوب , وصدقوا بالله تعالى وبأركان الإيمان الستة .
( عملوا الصالحات ) قاموا بأعمال الجوارح على الوجه الأكمل .
قوله ( الصالحات ) هذه الكلمة نعتٌ لمنعوت محذوف تقديره : عملوا الأعمال الصالحات .
س : ما الأعمال الصالحات ؟
الجواب : هي التي جمعت بين الإخلاص لله تعالى , والاقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم , كما سيأتي في آخر آية من السورة .
إذن , الجنة لا تنال إلا بتكامل الأمرين : أعمال القلوب من إيمان وتصديق , وأعمال الجوارح من الأعمال الصالحات .
والنُّزُل : هو ما يُعَدُّ للضيف من القرى والإكرام , وسبق معناها .
وكلمة الفردوس : هي أعلى الجنة , واختلف العلماء في أصلها : هل هي عربية أم سريانية أم رومية ؟
أقوال عدة , ورجح صاحب تاج العروس أن تكون عربية خالصة وأصلها من : الفردَسَة وهي السَّعَة , وفِرْدَوس : الجنة الواسعة المحيطة .

حِولا : أي تحوُّلاً وانتقالا .
فأهل الجنة لا يريدون أن يتحوَّلوا عنها إلى غيرها , لأنهم راضون بها تمام الرضا , كما قال تعالى : " {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ , فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} ( 21-22 ) سورة الحاقة , { {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ , فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } (6- 7) سورة القارعة .

قال تعالى : " قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا "
قال ابن كثير في تفسير الآية : " يقول تعالى : قل يا محمد لو كان ماء البحر مداداً للقلم الذي يُكْتَب به كلمات الله وحُكْمِه وآياتِه الدالّ عليه , لنفد البحر قبل أن يفرغَ كتابة ذلك " ولو جئنا بمثله " أي بمثل البحر آخر , ثم آخر , وهلُمّ جرا بحور تمده ويكتب بها , لما نفدت كلمات الله كما قال تعالى : {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (27) سورة لقمان , قال الربيع بن أنس : إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها " ا.هـ [ تفسير ابن كثير : 3/145 ] .
ومعنى الآية بشكل أوضح : أن البحر لو كان حبراً , وهناك أقلام تستمد حبرها من هذا البحر , وهذه الأقلام تكتب كلماتِ الله وآياتِه لانتهى البحر ( الحِبر ) وانتهت الأقلام , وكلمات الله تعالى لم تنتهِ بعد , ولم تنفد , ولو جئنا ببحر آخر يمد ذلك البحر .

فائدة لغوية : [ نفد – ونفذ ]
كلمتان يخطئ في التفريق بينهما كثير من الناس .
فالأولى : نفدَ بالدال , بمعنى انتهى وفَنِيَ .
يقال : نفدَ الزاد إذا فَنِيَ وانتهى
ومنه قوله تعالى : {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ } (96) سورة النحل
وقوله تعالى : {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ} (54) سورة ص .

أما ( نفذَ ) بالذال ,, فهو بمعنى جَاوَز إلى الجهة الأخرى , ونَفَّذَ الأمر أي خَلُص منه إلى غيره , يقال : سهم نافذ , أي أنه ينفذ في جسد الطريدة بكل قوة ليخرج من الجهة الأخرى , ومن قوله تعالى : {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} (33) سورة الرحمن .

ثم قال تعالى : " قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا "

لما كانت سورة الكهف إجابة لأسئلة طرحها المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم بإيعاز من أهل الكتاب , وجاءت الأجوبة بأكمل وجه , جاء الختام ببيان أن هذا النبي الذي أردتم اختباره وامتحانَه إنما هو بشر مثلكم , ولكن الفرق بينه وبينكم أنه يوحى إليه من عند الله تعالى , وأعظم الوحي هو ما جاء بالتوحيد وألوهية الله تعالى وحده , فيا أيها المشركون , ويا أهل الكتاب , الآن علمتم الأجوبة , ونجح هذا النبي في الامتحان , فتعالوا إلى ما يدعو إليه هذا النبي الكريم بوحي من الله تعالى وهو التوحيد وعبودية الله وحده لا شريك له .
ومثل هذا قوله تعالى : {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ} (6) سورة فصلت .

فمن كان يرجو لقاء الله تعالى وثوابَه , فليؤدِّ الشروط المطلوبة , وهما شرطان فقط :
الأول : العمل الصالح : وهو ما كان صوابا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
لأن من عمل عملا ليس على هدي النبي صلى الله عليه وسلم فهو مردود " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " رواه مسلم .
الثاني : الإخلاص لله تعالى والابتعاد عن الشرك : " ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " , لأن الشرك يحبط العمل " {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (65) سورة الزمر

بهذه الكلمات نكون قد انتهينا من تفسير سورة الكهف أو أكثرها , ونسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه , وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد , وعلى آله وصحبه أجمعين .


أخوكم : علي بن سليمان الحامد
3/1/1433 هـ
 
أسأل الرحمن بمنه وكرمه أنّ يوسّع عليكم ماضاق ,
وأن ييسر لكم أموركم ويمدّ عمركم على عملٍ صالح وأن يجعل خِتام قولكم من الدنيا لاإله إلا الله ,
ويجعل الجنة مستقرّنا ومستقركم .

جزى الله من شاركَ وقدّم لنا مايعيينا خير الجزاء , وحفظهم ويسر لهم أمرهم .

اللهم لكَ الحمد
 

ebfb461f93451cc75c14bb6428bfeb7e.jpg


الحمد لله الذي بعمته تتم الصالحات ... كم هي سعادتي كبيرة بأن وفقنا الله لإتمام حفظ سورة الكهف .
وبهذه المناسبة لا يسعني إلا أن أشكر أستاذي الفاظل كبير المحايدين على ما أتحفنا به من علم وفائدة فجزاه الله عنا خير الجزاء .
وأثني بالشكر لأخي الكاتب القدير أبو ريان على جهده معنا في تجهيز المادة الصوتية .
وأجد الشكر يسابقني إلى طلاب حلقة أبن عباس على جهدهم في اتمام هذه السورة ومن كان له مشاركات فعّالة .
وأخيراً :
أودعكم وأنا حزين لعدم تمكني من إتمام المسيرة وذلك لظروفي الصعبة ما بين العمل والدراسة والمستشفى كان هدفي أكبر من هذا الجهد ولكن الظروف كانت أقوى من أمنياتي .
ولكن ...
اتمنى من طلاب الحلقة أن يسعون في تحقيق أمنيتي بمواصلتهم .. فقد وضعتكم في أيدي أمينة تشتعل نشاطاً وإبداعاً
أعمالهن تتحدث عنهن .
قمت بالتنسيق مع أخواتي مشرفات بنت بريدة لإكمال المسيرة فلم يتأخرن في تلبية الدعوة . فجزاهم الله عنا كل خير .
ومن هذه اللحظة أنتم تحت إمارة قسم بنت بريدة .
طبعاً استسمحكم عذراً بسحب أخي ( وناسة ) من الحلقة لأن الحلقة ستنتقل إلى قسم مشفر عن الذكور :) لكم مني خالص الدعوات ، ولا تنسوني من دعواتكم فالحاجة لا تكاد توصف .



لابأس,, ولكن نتمنى حلقة تحفيظ القرآن للذكور كما للاناث ,,؟؟

أرجو منك أخي يحيى فقيه محاولة ايجاد حلقة للذكور,,!!
 

* الحمدلله *

شكر الله للجميع سعيهم وعملهم وأجزل لهم الأجر والمثوبة

أُستاذ يحيى فقيه/ أسأل الله أن يوفقك في الدارين ويجزيك عنّا خير الجزاء وأن ييسّر عليك كل عسر ماحييت ويحفظك أينما كنت
أُستاذ علي كبير المحايدين/ أسأل الله أن يزيدك من فضله وأن يُبارك لكَ في علمك ووقتك وينفع بك الإسلام والمسلمين ويجعل كل حرفٍ كتبته بميزان حسناتك ويوفقك لطريق الجنّة
أُستاذ عبدالرحمن أبو ريّان/ أسأل الله أن يبارك بك وبعملك ويوفقك لما فيه خيرًا لكَ وللمسلمين ويجزل لك الأجر
أخواتي وأخي وناسه/ أسأل الله أن يعينكم ويسهّل عليكم حِفظ كتاب الله وتُلبِسونَ والديكم تاج الوقار ويكثّر من أمثالكم

اللهم آمين
 
^^

الحمدالله الذي بنعمتة تتم الصالحات

الله يجعل ماحظناة حجةً لنا لاعلينا

كبير المحايدين +يحي فقية +ابو ريان >> طبتم وطآب مسعاكم لنشر الخير ورزقكم من خيري الدارين ..

 
الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.
عودة
أعلى