جاءت أربع كلمات في هذه السورة بتعبير مختلف في موضعين متشابهين :
وهذه الآيات هي قوله تعالى في قصة الخضر : {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} (78) سورة الكهف
ثم قال بعد ذلك في آخر القصة : { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} (82) سورة الكهف
فجاء في الأولى ( تستطع ) وفي الثانية ( تسْطِعْ ) فما الحكمة ؟
ومثلها الآية في قصة ذي القرنين : {فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} (97) سورة الكهف
ما الفرق بين ( اسطاعوا , واستطاعوا ) ؟
والجواب كما يلي :
أولاً : زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى , وهذه قاعدة لغوية مشهورة , فمثلاً : قتل , تدل على القتل فقط , لكن : قاتَلَ تدل على القتل والصراع بين طرفين .
ثانياً : نأتي لقصة موسى : في الموقف الأول قال الخضر لموسى : {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} (78) سورة الكهف
وفي الموقف الثاني قال له : { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} (82) سورة الكهف
فلدينا الفعلان : تستطِع , وتسطِع , فعلان مضارعان مجزومان , والفعل الماضي منهما ( استطاع واسطاع ) كما سيأتي في قصة ذي القرنين .
فالفعل : تستطع : فيه زيادة تاء الافتعال , وهي ليست موجودة في الفعل : تسطِع , وهذا يدل على أن ( تستطع ) فيه معنى ليس موجودا في ( تسطع ) , وهذا المعنى هو ما تؤديه تاء الافتعال من معنى , وهو قوة التحمل في الفعل , بمعنى : أن تاء الافتعال حينما تأتي تدل على أن الفاعل تحمل مشقة ما في أداء الفعل أو عاقبته , ولذلك تقول : حملتُ المتاع , واحتملت المتاع , فالفعل الثاني : احتملت تدل على وجود مشقة في الحدث وهو الحدث , وهي غير موجودة في الفعل الأول ( حملتُ ) .
وتقول : سمعت الكلام واستمعت الكلام , فدل ( استمعت ) على بذل جهد وتركيز أكثر من ( سمعت ) .
إذا فهمنا هذا المعنى فهمنا عدة آيات جاءت بهذا الاعتبار , منها آيتا الخضر هاتان , ومنها آية البقرة { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } (286) سورة البقرة .
نتكلم الآن عن آيتي الخضر .
فموسى عليه السلام كان في الموقف الأول حَرِج النفس , مُكَدَّر الخاطر من فعل الخضر , لأنه لم يجد له تفسيراً , فجاءه الخضر بالفعل الذي يدل على حالته النفسية وهو فعل الاحتمال والمشقة ( تستطع ) , ولما هدأت نفس موسى وعرف الجواب والحكمة من تصرفات الخضر جاءه الخَضر بالفعل الهادئ الذي ليس فيه تكلف في الحرف وهو ( تسطِع ) ليناسب حالته النفسية الهادئة .
ثالثاً : أما الآية في قصة ذي القرنين {فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} (97) سورة الكهف
فنحن الآن أمام فعلَيْن وحدَثيْن تحدى الله فيهما يأجوج ومأجوج وهما :
1. صعود السد .
2. نقب السد وخرقه من الوسط .
ولنتأمل أن السد مبني من الحديد , ووسطه رصاص ونحاس مذاب ( القطر ) يعني لو تساءلنا أي العملين أصعب على يأجوج ومأجوج :
صعود السد أم نقبه وخرقه ؟
الجواب لا شك أن النقب أصعب وأشق , لأن الصعود يمكن بالسلالم , أو على الأكتاف ( واحد فوق الآخر ) , أما النقب فهو صعب جداً .
وحينئذ نلحظ أن الآية جاءت بالفعل السهل مع الحدث السهل (فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ ) أي ما اسطاعوا أن يصعدوه .
وأتى بالفعل الدال على المشقة والتحمل بوجود تاء الافتعال مع الفعل الأصعب (وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ) .
والله تعالى أعلم .