قال الله تعالى : {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا , إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا , فَأَتْبَعَ سَبَبًا , حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا , قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا , وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا}
( 83 – 88 ) سورة الكهف .
انتقلت الآيات الكريمة إلى الحديث عن ملك عظيم مَلَك الأرض , وكان مؤمنا بالله تعالى , وفي حديث عند ابن أبي شيبة أنه أحد أربعة ملوك ملكوا الأرض , اثنان مؤمنان , واثنان كافران :
فأما المؤمنان : فذو القرنين , وسليمان عليه السلام , وأما الكافران : فبختنصر , والنمرود .
وقوله تعالى : ويسألونك ,, أي يسألك المشركون أو أهل الكتاب , لأن المشركين أرسلوا لأهل الكتاب أن يمتحنوا النبي صلى الله عليه وسلم ببعض الحوادث التاريخية , فقالوا : سلوه عن رجل طوّافٍ في الأرض , وسلُوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم .. وسلُوه عن الروح ... فنزلت سورة الكهف ... رواه ابن إسحاق [ تفسير ابن كثير : 3/98 ] .
سأتلوا عليكم منه ذكرا : أي سآتيكم بخبر يُتْلَى عليكم , وفي قوله : ( سأتلوا ) إشارة إلى أن هذا الخبر الذي سآتيكم به عن ذي القرنين ليس من عندي , وإنما هو وحي من الله يُتلى عليكم .
( إنّا مكنّا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا )
هنا تحوُّلٌ في الخطاب , من المخاطب إلى المتكلم , لأن الآية التي قبلها خطاب من الله تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم , ثم انتقل من الخطاب إلى التكلم , فالمتكلم في ( إنّا مكنّا .. ) هو الله تعالى , وليس من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم , لأن التمكين لا يكون إلا من الله تعالى , وهذا يسمى التفاتاً .
وقوله : " مكّنَّا " دليل على أن تمكين الملوك والقادة والساسة والعساكر في الدنيا إنما هو من عند الله تعالى , إن شاء الله بسط الله لهم الأرض فتمكنوا منها , وظفروا بالغلبة فيها , وإن شاء نزعها منهم فكانوا مستضعَفين .
والأدلة على هذا المعنى من القرآن أظهر من الحصر , ومن ذلك قوله تعالى : {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ } (6) سورة الأنعام
فالتمكين من عند الله تعالى , ولذلك قال : مكنّاهم .... نمكّن .
وقال تعالى : {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ} (6) سورة القصص
وقال تعالى : { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (57) سورة القصص .
وقال تعالى : { وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ } (21) سورة يوسف .
وقال تعالى : {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ } (26) سورة الأحقاف
فالتمكين في الأرض والقوة والظفر والغلبة , إنما هي من عند الله تعالى , وأي أمة تبارز ربها بالعصيان , وتفاخر الله تعالى بقوتها وبأسها فإنَّ مردَّها إلى الهلاك والزوال كما أهلك الله عاداً حين قالوا : { مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ , فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ}
( 15 – 16 ) سورة فصلت .
وكما أهلك قارونَ حين قال : {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} (78) سورة القصص
ثم قال الله تعالى بعد ذلك جزاء وفاقاً : {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ} (81) سورة القصص .
قوله " وآتيناه من كل شيء سبباً " أي جعلنا له من كل شيء يحتاج إليه الخلق سببا وعلما وقدرة يصل بها إلى ما يريد .
قال ابن كثير : " وهكذا ذو القرنين , يسّرَ الله له من الأسباب , أي الطرق والوسائل إلى فتح الأقاليم والرساتيق والبلاد والأراضي , وكسر الأعداء وكبت ملوك الأرض وإذلال أهل الشرك , قد أوتي من كل شيء مما يحتاج إليه مثلُه سببا " 3/137 .
( فأتبعَ سببا ) أي سلك طريقاً , وسار في الأرض , والسبب هنا هو الطريق .
فنحن عندنا سببان في الآيتين : السبب في الآية الأولى " وآتيناه من كل شيء سببا " المراد به الوسائل والقوى التي تساعده على التمكين .
والسبب الثاني " فأتبعَ سببا " هو الطريق والمسير . [ ينظر تفسير البغوي : 3/57 ]
قوله : " مغرب الشمس " أي مكان غروبها , ولعلها أقصى مكان في المغرب مما يلي سواحل أفريقية وأوروبا , لأنه كان آخر الأرض قبل المحيط الأطلسي , وكان ما وراء المحيط إذ ذاك مجهولا ,, والعلم عند الله .
وقوله : " تغرب في عينٍ حمئة " قرئت بوجهين : حَمِئة , أي ذات حمأة ,, وهي الطينة السوداء , وقرئت : حامية , أي حارة . وكلا القراءتين سبعيّة .
ولعل المراد بالعين هنا البحر الكبير ( المحيط الأطلسي ) لأن الشمس تغرب فيه للناظر وهو واقف على سواحل المحيط الشرقية مما يلي أوروبا أو أفريقيا .. فكأن الشمس قد غربت وسط هذه العين ( البحر الخضمّ ) والله تعالى أعلم .
ثم بين الله تعالى أنه أوحي لذي القرنين أن يعامل أهل تلك الديار بأحد الأمرين : إما أن يقاتلهم , وإما أن يأخذهم بالرفق واللين .
فأجاب ذو القرنين إلى ذلك , بأن من ظلم فلم يؤمن ولم يهتدِ , فمصير العذاب في الدنيا , ومصيره في الآخرة إلى الله تعالى حيث العذاب النكير .
وإما المؤمنون فسنقول لهم كلاما ميسورا , وجزاؤهم الحسنى عند الله .
قوله : " من ظلم " المراد به الظلم الأكبر وهو الكفر والشرك بالله تعالى " إن الشرك لظلم عظيم "
وقوله : " جزاءً الحسنى "
قرأ حمزة وحفص والكسائي بالنصب جزاءً , ويكون مفعولا مطلقاً , والتقدير : فله الحسنى جزاءً .
وقرأ الباقون بالرفع مع الإضافة " فله جزاءُ الحسنى " ويكون مرفوعا على الابتداء .
" وسنقول له من أمرنا يسرا " أي نلين له القول , ونعامله باليسر من أمرنا .