اللاجئ إلى الله
2/3/1423 هـ, 02:35 صباحاً
بسم الله الرحمن الرحيم
قال ابن كثير - رحمه الله تعالى - :
( ثم دخلت سنة إحدى عشرة وأربعمائة )
فيها عُدم الحاكم العبيدي صاحب مصر ، وذلك أنه لما كان ليلة الثلاثاء لليلتين بقيتا من شوال فُقِد الحاكم بن العزيز بن المعز الفاطمي صاحب مصر ، فاستبشر المؤمنون والمسلمون بذلك ؛ وذلك لأنه كان جبارًا عنيدًا ، وشيطانًا مريدًا ، ولنذكر شيئًا من صفاته القبيحة وسيرته الملعونة :
كان قبحه الله كثير التلون في أفعاله وأقواله ، جائرًا في كيفية بلوغه ما يأمله من ضميره الملعون ؛ لأنه كان يروم أن يدَّعي الألوهية كما ادعاها فرعون في زمان موسى - عليه السلام - .
وكان قد أمر الرعية إذا ذكره الخطيب على المنبر أن يقوم الناس على أقدامهم صفوفًا ؛ إعظامًا لذكره واحترامًا لاسمه ، فكان يُفْعلُ هذا في سائر ممالكه حتى في الحرمين الشريفين ، وكان أهل مصر على الخصوص إذا قاموا خروا سجودًا ، حتى إني ليسجد بسجودهم من في الأسواق من الرعاع وغيرهم .
وقد أمر في وقتٍ أهل الكتابين بالدخول في دين الإسلام كرهًا ، ثم أذن لهم في العود إلى أديانهم ، وخرَّب الكنائس ، ثم عمرها ، وخرَّب قمامة ثم أعادها ، وابتنى المدارس وجعل فيها الفقهاء والمشايخ ثم قتلهم وخربها .
وألزم الناس بإغلاق الأسواق نهارًا وفتحها ليلاً ، فامتثلوا ذلك دهرًا طويلاً حتى اجتاز مرة بشيخ يعمل النجارة في أثناء النهار ، فوقف عليه فقال : ألم ننهكم عن هذا ؟ فقال : يا سيدي ، أما كان الناس يسهرون لمَّا كانوا يتعيشون بالنهار ، فهذا من جملة السهر . فتبسم وتركه ، وأعاد الناس إلى أمرهم الأول ، وكل هذا تغيير للرسوم ، واختبار لطاعة العامة ، ليرقى في ذلك إلى ما هو أطم من ذلك لعنه الله ، وقد كان يعمل الحسبة بنفسه ، يدور في الأسواق على حمار له ، وكان لا يركب إلا حمارًا ، فمن وجده قد غش في معيشته أمر عبدًا أسودًا مع يقال له : مسعود ، أن يفعل به الفاحشة العظمي جهارًا ، وهذا أمر منكر معلون ، لم يسبق إليه ، وكان كان منع النساء من الخروج من منازلهن ، وقطع الأعناب حتى لا يتخذ الناس خمرًا ، ومنعهم من طبخ الملوخية ، وأشياء من الرُّعُونات التي لا تنضبط ولا تنحصر ، وكانت العامة موتورين منه يبغضونه كثيرًا ، ويكتبون له الأوراق التي فيها الشتيمة البليغة له ولأسلافه وحريمه في صورة قصص ، فإذا قرأها ازداد حنقًا عليهم ، حتى إن أهل مصر عملوا صورة امرأة من ورق بخفيها وإزارها ، وفي يدها قصة فيها الشتم واللعن والمخالفة له شيء كثير ، فلما رآها ظنها امرأة ، فذهب من ناحيتها ، وأخذ القصة من يدها ، فقرأها فرأى ما فيها ، فأغضبه ذلك ، فأمر بقتل تلك المرأة ، فلما تحققها من ورق ازداد أيضًا غضبًا على غضبه ، ثم لما وصل إلى القاهرة أمرَ العبيد من السودان أن يذهبوا إلى مصر فيحرقوها وينهبوا ما فيها من الأموال والحريم ، فذهبت العبيد فامتثلوا ما أمرهم به ، فقاتلهم أهل مصر قتالاً عظيمًا ثلاثة أيام ، والنار تَعمل في الدور والحريم في كل يوم ، يخرج هو بنفسه - قبحه الله - فيقف من بعيد ويبكي ويقول : من أمر هؤلاء العبيد بهذا ؟ ثم اجتمع الناس في الجوامع ، ورفعوا المصاحف وجأروا إلى الله عز وجل ، واستغاثوا به ، فرقَّ لهم الترك والمشارقة وانحازوا إليهم ، فقاتلوا معهم عن حريمهم ودورهم ، وتفاقم الحال جدًا ، ثم ركب الحاكم - لعنه الله - يفصل بين الفريقين ، وكف العبيد عنهم وقد كان يُظهر التنصل من القصة ، وأن العبيد ارتكبوا ذلك عن غير علمه وإذنه ، وكان يُنْفِذُ السلاح ويحثهم على ذلك في الباطن - لعنه الله تعالى - فما انجلى الحال حتى أحرق من مصر نحو من ثلثها ، ونهب قريب من نصفها ، وسبيت حريم خلق كثير ففعل بهن الفواحش والمنكرات ، حتى إن منهن من قتلت نفسها خوفًا من العار ، واشترى الرجال منه من سُبي لهم من النساء والحريم من أيدي العبيد .
قال ابن الجوزي : ثم زاد ظلم الحاكم ، وعنَّ له أن يدعي الربوبية ، فصار قوم من الجهال إذا رأوه يقولون : يا واحد يا أحد ، يا محيي يا مميت .
يتبع : ( صفة مقتله - لعنه الله - ) ..
* البداية والنهاية ، لابن كثير ، 15/582-584 .
قال ابن كثير - رحمه الله تعالى - :
( ثم دخلت سنة إحدى عشرة وأربعمائة )
فيها عُدم الحاكم العبيدي صاحب مصر ، وذلك أنه لما كان ليلة الثلاثاء لليلتين بقيتا من شوال فُقِد الحاكم بن العزيز بن المعز الفاطمي صاحب مصر ، فاستبشر المؤمنون والمسلمون بذلك ؛ وذلك لأنه كان جبارًا عنيدًا ، وشيطانًا مريدًا ، ولنذكر شيئًا من صفاته القبيحة وسيرته الملعونة :
كان قبحه الله كثير التلون في أفعاله وأقواله ، جائرًا في كيفية بلوغه ما يأمله من ضميره الملعون ؛ لأنه كان يروم أن يدَّعي الألوهية كما ادعاها فرعون في زمان موسى - عليه السلام - .
وكان قد أمر الرعية إذا ذكره الخطيب على المنبر أن يقوم الناس على أقدامهم صفوفًا ؛ إعظامًا لذكره واحترامًا لاسمه ، فكان يُفْعلُ هذا في سائر ممالكه حتى في الحرمين الشريفين ، وكان أهل مصر على الخصوص إذا قاموا خروا سجودًا ، حتى إني ليسجد بسجودهم من في الأسواق من الرعاع وغيرهم .
وقد أمر في وقتٍ أهل الكتابين بالدخول في دين الإسلام كرهًا ، ثم أذن لهم في العود إلى أديانهم ، وخرَّب الكنائس ، ثم عمرها ، وخرَّب قمامة ثم أعادها ، وابتنى المدارس وجعل فيها الفقهاء والمشايخ ثم قتلهم وخربها .
وألزم الناس بإغلاق الأسواق نهارًا وفتحها ليلاً ، فامتثلوا ذلك دهرًا طويلاً حتى اجتاز مرة بشيخ يعمل النجارة في أثناء النهار ، فوقف عليه فقال : ألم ننهكم عن هذا ؟ فقال : يا سيدي ، أما كان الناس يسهرون لمَّا كانوا يتعيشون بالنهار ، فهذا من جملة السهر . فتبسم وتركه ، وأعاد الناس إلى أمرهم الأول ، وكل هذا تغيير للرسوم ، واختبار لطاعة العامة ، ليرقى في ذلك إلى ما هو أطم من ذلك لعنه الله ، وقد كان يعمل الحسبة بنفسه ، يدور في الأسواق على حمار له ، وكان لا يركب إلا حمارًا ، فمن وجده قد غش في معيشته أمر عبدًا أسودًا مع يقال له : مسعود ، أن يفعل به الفاحشة العظمي جهارًا ، وهذا أمر منكر معلون ، لم يسبق إليه ، وكان كان منع النساء من الخروج من منازلهن ، وقطع الأعناب حتى لا يتخذ الناس خمرًا ، ومنعهم من طبخ الملوخية ، وأشياء من الرُّعُونات التي لا تنضبط ولا تنحصر ، وكانت العامة موتورين منه يبغضونه كثيرًا ، ويكتبون له الأوراق التي فيها الشتيمة البليغة له ولأسلافه وحريمه في صورة قصص ، فإذا قرأها ازداد حنقًا عليهم ، حتى إن أهل مصر عملوا صورة امرأة من ورق بخفيها وإزارها ، وفي يدها قصة فيها الشتم واللعن والمخالفة له شيء كثير ، فلما رآها ظنها امرأة ، فذهب من ناحيتها ، وأخذ القصة من يدها ، فقرأها فرأى ما فيها ، فأغضبه ذلك ، فأمر بقتل تلك المرأة ، فلما تحققها من ورق ازداد أيضًا غضبًا على غضبه ، ثم لما وصل إلى القاهرة أمرَ العبيد من السودان أن يذهبوا إلى مصر فيحرقوها وينهبوا ما فيها من الأموال والحريم ، فذهبت العبيد فامتثلوا ما أمرهم به ، فقاتلهم أهل مصر قتالاً عظيمًا ثلاثة أيام ، والنار تَعمل في الدور والحريم في كل يوم ، يخرج هو بنفسه - قبحه الله - فيقف من بعيد ويبكي ويقول : من أمر هؤلاء العبيد بهذا ؟ ثم اجتمع الناس في الجوامع ، ورفعوا المصاحف وجأروا إلى الله عز وجل ، واستغاثوا به ، فرقَّ لهم الترك والمشارقة وانحازوا إليهم ، فقاتلوا معهم عن حريمهم ودورهم ، وتفاقم الحال جدًا ، ثم ركب الحاكم - لعنه الله - يفصل بين الفريقين ، وكف العبيد عنهم وقد كان يُظهر التنصل من القصة ، وأن العبيد ارتكبوا ذلك عن غير علمه وإذنه ، وكان يُنْفِذُ السلاح ويحثهم على ذلك في الباطن - لعنه الله تعالى - فما انجلى الحال حتى أحرق من مصر نحو من ثلثها ، ونهب قريب من نصفها ، وسبيت حريم خلق كثير ففعل بهن الفواحش والمنكرات ، حتى إن منهن من قتلت نفسها خوفًا من العار ، واشترى الرجال منه من سُبي لهم من النساء والحريم من أيدي العبيد .
قال ابن الجوزي : ثم زاد ظلم الحاكم ، وعنَّ له أن يدعي الربوبية ، فصار قوم من الجهال إذا رأوه يقولون : يا واحد يا أحد ، يا محيي يا مميت .
يتبع : ( صفة مقتله - لعنه الله - ) ..
* البداية والنهاية ، لابن كثير ، 15/582-584 .