dawahy
8/1/1428 هـ, 12:42 صباحاً
عرض المسألة بعنوان : الاسراف والتباهي مسألة ( التغالي في المهور ) والاسراف في الالبسة والولائم.
الإسراف والتباهي مسألة (التغالي في المهور) والإسراف في الألبسة والولائم
الجواب
الحمد لله نحمده ، ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمد عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً .
أما بعد : فإن الله قد بعث محمداً صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه الكتاب والحكمة ، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى توفاه الله . ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى توفاه الله . وقد أكمل به الدين ، وأتم به النعمة ، ودرج على سبيله خلفاؤه الراشدون ومن تبعهم بإحسان ، وأمر عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر منهم وهم العلماء والأمراء ، كما أوجب سبحانه على أولي الأمر النصح لرعايتهم ، والاهتمام بشئون من ولاهم الله أمرهم وحملهم على ما يصلحهم ويضمن مصالحهم في شئون دينهم ودنياهم ، وأخذهم بحكم الله ورسوله ، فيلزمونهم بفعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه ، كما أوجب عليهم أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول –أي إلى كتاب الله ، وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم .
وإن من الأشياء التي تمادى الناس فيها حتى وصلوا إلى حد الإسراف والتباهي مسألة (التغالي في المهور) والإسراف في الألبسة والولائم ونحو ذلك ، وقد تضجر علماء الناس وعقلاؤهم من هذا لما سببه من المفاسد الكثيرة التي منها تأيم كثير من النساء بسبب عجز كثير من الرجال عن تكاليف الزواج ، ونجم عن ذلك مفاسد كثيرة متعددة . وبدافع الغيرة الدينية والسعي وراء الصالح العام رأى ولاة الأمور وقادة الناس من رجال الدولة وعلماء المسلمين وإحصان فروجهم تدعو إلى وضع حد لهذا الأمر الذي تباهى فيه الناس حتى خرجوا فيه عن الحد المألوف المرغب فيه من الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مستوى لا يستطيع الكثير من الناس معه إعفاف فروجهم ، وبناء على ذلك جرت اجتماعات وكتابات من طلبة العلم وغيرهم للنظر في هذا الموضوع ولم يبق إلا إصدار فتوى يتمشى الناس على ضوئها ، ويحملهم ولاة الأمر على العمل بها ، فاستعنت بالله وبحثت الموضوع من جميع أطرافه وتحرر ما يلي :
1- أن تخفيف الصداق وعدم تكليف الزوج بما يشق عليه مأمور به شرعاً باتفاق العلماء سلفاً وخلفاً وهو السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر الإمام الموفق بن قدامه في (المغنى) استحباب عدم المغالاة في الصداق والأحاديث الواردة في ذلك ، منها ما روي عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أعظم النساء بركة أيسرهن مئونة) رواه أبو حفص بإسناده ، ومنها ما رواه أبو العجفاء قال : قال عمر رضي الله عنه : ألا لا تغلو صداق النساء : فإنه لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشر أوقية ، وإن الرجل ليغلي بصدقه امرأته حتى يكون لها عداوة في قلبه ، حتى يقول كلفت لكم عرق القربة . أخرجه النسائي وأبو داود مختصراً ثم قال الموفق : ولا تستحب الزيادة على هذا –يعني صداق النبي صلى الله عليه وسلم- لأنه إذا كثر ربما تعذر عليه فيتعرض للضرر في الدنيا والآخرة .
وعقد الإمام ابن القيم في كتابه (زاد المعاد) فصلاً خاصاً بفضائه صلى الله عليه وسلم في الصداق قال فيه : ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : (كان صداق النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشأ فذلك خمسمائة) وقال عمر رضي الله عنه ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئاً من نسائه ولا أنكح شيئاً من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية . قال الترمذي: حديث حسن صحيح . انتهى .
وفي سنن أبي داود من حديث جابر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أعطي في صداق ملء كفه سويقاً أو تمراً فقد استحل) وفي الترمذي (أن امرأة من فزارة من تزوجت على نعلين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم رضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت نعم . فأجازه) قال الترمذي : حديث صحيح . وفي الصحيحين (أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله قد وهبت نفسي لك، فقامت طويلاً ، فقال رجل : يا رسول الله قد وهبت نفسي لك ، فقامت طويلاً ، فقال رجل : يا رسول الله زوجتنيها إن لم تكن ، إن لم تكن لك بها حاجة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنك إن أعطيتها إزاري هذا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك إن أعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك فالتمس شيئاً . قال : فالتمس ولو خاتماً من حديد . فالتمس ولم يجد شيئاً . قال : فالتمس ولو خاتماً من حديد . فالتمس ولم يجد شيئاً . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل معك شيء من القرآن ؟ قال : نعم ، سورة كذا ، وسورة سماها ، فقال صلى الله عليه وسلم: زوجتكما بما معك من القرآن ، ثم قال ابن القيم : فتضمنت هذه الأحاديث أن الصداق لا يتقدر أقله ، وأن قبضة السويق وخاتم الحديد والنعلين يصح تسميتها مهراً. وتحل بها الزوجة . وتضمنت أن المغالاة في المهر مكروهة في النكاح وأنها من قلة بركته وعسره . إلى أن قال : ومن ادعى في هذه الأحاديث التي ذكرناها اختصاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم وأنها منسوخة أو أن عمل أهل المدينة على خلافها فدعوى لا يقوم عليها دليل ، والأصل يردها . وقد زوج سيد أهل المدينة من التابعين سعيد بن المسيب ابنته على درهمين ولم ينكر عليه أحد ، بل عد ذلك من مناقبه وفضائله ، وقد تزوج عبد الرحمن ابن عوف على صداق خمسة دراهم وأقره النبي صلى الله عليه وسلم. اهـ.
وقال النووي رحمه الله في (ِشرح مسلم) على حديث عائشة في صداق النبي صلى الله عليه وسلم : استدل بهذا الحديث على أنه يستحب كون الصداق خمسمائة درهم .انتهى. وخمسمائة الدرهم نصف مثقال وخمس مثقال ، فعشرة الدراهم سبعة مثاقيل ، وهي تساوي من الريالات مائة وأربعين ريالاً تقريباً .
وقال شيخ الإسلام بن تيمية كما في (الاختيارات) : كلام الإمام أحمد أن يكون الصداق أربعمائة درهم ، وهذا هو الصواب مع القدرة واليسار ، فيستحب بلوغه ولا يزاد عليه .اهـ.
2- إن الزوج إذا تكلف من الصداق ما لا يقدر عليه ولا يتناسب مع حاله استحق الإنكار عليه ، لأنه فعل شيئاً مكروهاً ولو كان ذلك الصداق دون صداق النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد روى مسلم في صحيحه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إني تزوجت امرأة من الأنصار ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هل نظرت إليها فإن في عيون الأنصار شيئاً . قال : قد نظرت إليها . قال : على كم تزوجتها ؟ قال : على أربع أواق . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم على أربع أواق كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل ! ما عندنا ما نعطيك ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه . قال : فبعث بعثاً بعث ذلك الرجل فيهم . قال النووي في شرحه لهذا الحديث . معنى هذا الكلام كراهة إكثار المهر بالنسبة إلى حال الزوج . وقال أبو المحاسن الحنفي في (ألمعتصر) ، من المختصر من مشكل الآثار : الحق أن الإنكار على ما زاد على المقدار الذي يناسب حاله وحالها ، لأنه من الإسراف المذموم ، لا عن مطلق الزيادة فإنها مباحة . اهـ. وروى أحمد والطبراني في الكبير والأوسط والحاكم في المستدرك عن أبي حدرد الأسلمي أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستعينه في مهر امرأة قال : كم أمهرتها ؟ قال : مائتي درهم . قال : لو كنتم تغرفون من بطحان ما زدتم . قال في ( مجمع الزوائد) : رجال أحمد رجال الصحيح . اهـ.
3- مما لا شك فيه أن الزواج أمر مشروع مرغوب فيه ، وفي غالب الحالات يصل إلى حد الوجوب ، وأغلب الناس لا يتمكن من الوصول إلى هذا الأمر المشروع الواجب أو المستحب مع وجود هذه المغالاة في المهور . ومن المعلوم أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . ومن هذا يؤخذ مشروعية إرشاد الناس وردعهم عن التمادي في هذا الأمر الذي يحول دون المرء ودون فعل ما أوجبه الله عليه ، لا سيما والأمر بتقليل المهر لا يتضمن مفسدة ، بل هو مصلحة محضة للزوج والزوجة ، بل هو أمر للشارع مرغب فيه كما تقدم .
4- أن امتناع ولي الأمر من تزويجها بالكفء إذا خطبها ورضيت به إذا لم يدفع ذلك الصداق الكثير الذي يفرضه من اجل أطماعه الشخصية أو لقصد الإسراف والمباهاة أمر لا يسوغ شرعاً بل هو من باب العضل المنهي عنه الذي يفسق به فاعله إذا تكرر ، وتنتقل بسببه الولاية إلى غيره ، وحالة عضل الأولياء كلهم لولي الأمر أن يتدخل ويتولى التزويج بنفسه .
5- أن كثرة المهور والمغالاة فيها عائق قوي للكثير من التزوج ولا يخفى ما ينجم عن ذلك من المفاسد الكثيرة وتفشي المنكرات بين الرجال والنساء ، والوسائل لها حكم الغايات والشريعة المطهرة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها ، ولو لم يكن في السعي في تقليل المهور إلا سد الذرائع المسببة فعل المحرمات لكفى .
6- ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (أعلام الموقعين) فصلاً في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد ، وذكر في هذا الفصل أن أساس الشريعة ومبناها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وأنها عدل كلها ، ومصالح كلها ، وحكمة كلها ، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل .
ولا يخفى ما سببته المغالاة في المهور من المفاسد ، فكم من حرة مصونة عضلها أولياؤها وظلموها فتركوها إيما بدون زوج ولا ذرية وكم من امرأة ألجأها ذلك إلى الاستجابة لداعي الهوى والشيطان فجرت العار والخزي على نفسها وعلى أهلها وعشيرتها مما ارتكبته من المعاصي التي تسبب غضب الرحمن ، وكم من شاب أعيته الأسباب فلم يقدر على هذه التكاليف التي ما أنزل الله بها من سلطان فاحتوشته الشياطين وجلساء السوء حتى أضلوه وأوردوه موارد العطب والخسران ، فخسره أهله ، وفسد اتجاهه ، وبل خسرته أمته ووطنه ، وخسر دنياه وآخرته .
7- أن كثرة الصداق وإن كان فيها شيء من المصلحة للمرأة وأوليائها فإنما يترتب على ذلك من المفاسد يربو على تلك المصلحة إن وجدت ، والقاعدة الشرعية أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح .
8- أن الواجب على ولاة الأمور الاهتمام بأمر رعيتهم ودفع الشعر عنهم ، ولا سيما في أمور الدين . وحيث عرفنا مما تقدم ما يترتب على المغالاة في المهور من الشرور فإن الواجب على ولاة الأمور التدخل في هذا الموضوع ووضع حد لهذا السرف والمباهاة اللذين سببا عضل النساء وظلمهن وغير ذلك مما تقدمت الإشارة إليه .
9- ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (كتاب الحسبة) في بحث التسعير أنه إذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل فهو جائز ، بل واجب . وحمل الناس على تخفيف المهور والحالة ما تقدم من هذا الباب لأن المقصود به العدل والخير للرعية .
10- أما قول الله تعالى : وآتيتم إحداهن قنطاراً فغاية ما يدل عليه جواز دفع القادر للقنطار لا تكليف العاجز عنه به ومنع الرجل موليته من النكاح بالكفء إلا إذا بذله ، بدليل إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على أبي حدرد الأسلمي إمهاره مائتين ، وعلى الرجل المتزوج امرأة من الأنصار بأربع أواق ، لكون ذلك لا يناسب حالهما ، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم هي المبينة لكتاب الله والمفسرة له . وهذا كالجواب لمن يرى أنه في الآية دلالة على جواز المغالاة في المهور ، وإلا فهناك قول آخر قوي ، وهي أنها لا تدل على جواز ذلك ، قال أبو حيان في (البحر المحيط) : قال قوم : لا تدل على ذلك –أي على إباحة المغالاة في الصداق- لأنه تمثيل على جهة المبالغة في الكثرة ، كأنه قيل وآتيتم هذا المقدار العظيم الذي لا يؤتى لأحد ، وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة) ومعلوم أن مسجداً لا يكون كمفحص قطاة ، وإنما هو تمثيل للمبالغة في الصغر ، وقد قال صلى الله عليه وسلم لن أمهر مائتين وجاء ليستعين في مهره وغضب صلى الله عليه وسلم : (كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحسرة) .
ونقل أبو حيان عن الفخر الرازي أنه قال : لا دلالة فيها على المغالاة ، لأن قوله تعالى: وآتيتم لا تدل على جواز إيتاء القنطار ، ولا يلزم من جعل الشيء شرطاً لشيء آخر كون ذلك الشرط في نفسه جائز الوقوع ، كقوله صلى الله عليه وسلم : (من قتل له قتيل فأهله بخير النظرين) . وبهذا يتبين أن لا مبرر في الآية لتكليف العاجز ما لا يقدر عليه ، ولا لعضل النساء والتضحية بمستقبلهن وإهدار كرامتهن في سبيل الوصول إلى الأطماع والجشع والمباهاة .
11- أما القصة المروية عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهي ما روى أبو يعلى من طريق محمد بن إسحاق ، حدثني محمد ابن عبد الرحمن ، عن مجالد ، عن الشعبي، عن مسروققال : ركب عمر بن الخطاب رضي الله عنه منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فيما دون ذلك ، ولو أن الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها ، فلا أعرف ما زاد الرجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم . قال ثم نزل . فاعترضته امرأة من قريش فقالت : يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء عن أربعمائة درهم . فقالت أما سمعت الله يقول : وآتيتم إحداهن قنطاراً الآية . قال : فقال : اللهم غفراً كل الناس أفقه من عمر ، ثم رجع فركب المنبر فقال : أيها الناس إني نهيتكم أن تزيدوا النساء في صداقهن على أربعمائة ، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب فليفعل . قال : قال أبو يعلي وأظنه قال : فمن طابت نفسه فليفعل . اهـ.
فالجواب عنها أن زيادة اعتراض المرأة عليه لها طرق لا تخلو من مقال : منها طريق أبي يعلى المتقدمة فيها مجالد بن سعيد وقد قال الإمام أحمد فيه : يرفع كثيراً مما لا يرفعه الناس ليس بشيء . وقال ابن معين وغيره لا يتحج به . وقال البخاري فيه : ضعيف . وتكلم فيه جملة من أئمة الجرح والتعديل بغير ذلك .
ومن طرق القضية طريق أخرى عند ابن المنذر من رواية قيس ابن الربيع ، وقد تكلم فيع غير واحد كالبخاري وابن مهدي ويحي بن معين وغيرهم ، وذكره البخاري في الضعفاء وقال النسائي في (كتاب الضعفاء والمتروكين) : قيس بن الربيع متروك الحديث . وحيث أن طرق القصة لا تخلو من مقال فإنها لا تصلح للاحتجاج ولا لمعارضة تلك النصوص الثابتة المتقدم ذكرها ، لا سيما وأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة مخالفة عمر أو الإنكار عليه غير ما جاء عن هذه المرأة . وقد علمت كلام العلماء في سند قصتها . وحينئذ فكلام عمر وهو المحدث الملهم إذا خلا من هذه الزيادة موافق لتلك النصوص وملزم بالعمل بها ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) وقال : (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر) .
إذا تقرر في هذا فإن الطريق الذي نرى حمل الرعية على العمل به في هذا الصدد يتلخص فيما يلي :
1- بالنسبة للرياض ومكة وجدة والمدينة وغيرها من مدن المملكة الكبار نرى أن يكون الحد الأعلى للصداق أربعة آلاف ريال فأقل ، حسب مراتب الناس وأحوالهم ، ومعها من التوابع ما يتلاءم مع مقدار الصداق .
2- أما بالنسبة لغير من ذكر هنا فنرى أن يكتب لكل قاضي بلدة وأميرها أن يجمع أعيانهم ويخبرهم بإلزام ولاة الأمور لهم بتخفيض المهور ، ثم يستعرضون حالة مواطنيهم ويتفقون على ما يتناسب مع حالتهم ، ملاحظين حالة الأضعف ومتوسط الحال منهم ، وما تم اتفاقهم عليه تعين الإلزام به .
3- الذين سبقوا في هذا الميدان واتفقوا فيما بينهم من بعض القبائل في الحجاز وتهامة وغيرهم بدافع منهم على محارمهم على صداق يتلاءم مع مستوى حالتهم المادية مراعين في ذلك حالة الأضعف منهم فهؤلاء يشجعون على الاستمرار على ما هم عليه ، ولا يمكن أحد من أفراد تلك الجهات مخالفة ما اتفقوا عليه .
4- يلزم الجميع بمنع آلات اللهو والطرب والأغاني ، وعلاوة على ذلك يمنع الدف وإن كان أصله مباحاً نظراً لما ارتكب بسببه من التوسع في استعمال آلات اللهو والطرب المحرمة واختلاط الرجال بالنساء ، ورفع أصواتهن بالأغاني ، وإقلاق راحة المجاورين بتلك الأصوات المنكرة ، مع ما يقترن بذلك من بذل الأموال في سبيل غير مشروع للمغنيات وغيرهن .
5- يلاحظ القضاء على كل ما من شأنه الإسراف والبذخ والتطاول من تلك التكاليف التي كان لها السبب الأعظم في المغالاة في المهور : كالإسراف في الولائم ، والأثاث كغرف النوم والألبسة كالفساتين ونحوها ، والحلي كالعقود الثمينة ونحوها .
6- يكتفي بوليمة واحدة لا إسراف فيها ، سواء كانت عند الزوج أو عند أهل الزوجة حسبما يحصل الاتفاق عليه ، مع أن أصل شرعيتها من جانب الزوج . وبناء على ذلك تلغى الحفائل والمباهاة .
7- يجعل في كل بلد لجنة رقابة مرجعها القاضي تتولى ملاحظة تطبيق ما تقدم ، ومن ثبت مخالفته فيعاقب بعقوبة مالية ، وتصادر الزيادة ، وترصد للمحتاجين للزواج ، كما يبلغ مأذون عقود الأنكحة أخذ التعهد على كل من أراد عقد زواج بأن لا يزيد على ما ذكر .
8- متى امتنع ولي أمر المرأة من تزويجها بالكفء الذي رضيت به بدافع الطمع والرغبة منه في الزيادة على ما تقرر فلولي الأمر التدخل في الموضوع بالوجه الشرعي .
ونسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين ، ويثبتهم على دينهم ويهدينا وإياهم من مضلات الفتن ، ما ظهر منها وما بطن .
أملاه الفقير إلى ربه محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف ، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم .
المفتي : محمد بن إبراهيم آل الشيخ
الإسراف والتباهي مسألة (التغالي في المهور) والإسراف في الألبسة والولائم
الجواب
الحمد لله نحمده ، ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمد عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً .
أما بعد : فإن الله قد بعث محمداً صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه الكتاب والحكمة ، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى توفاه الله . ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى توفاه الله . وقد أكمل به الدين ، وأتم به النعمة ، ودرج على سبيله خلفاؤه الراشدون ومن تبعهم بإحسان ، وأمر عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر منهم وهم العلماء والأمراء ، كما أوجب سبحانه على أولي الأمر النصح لرعايتهم ، والاهتمام بشئون من ولاهم الله أمرهم وحملهم على ما يصلحهم ويضمن مصالحهم في شئون دينهم ودنياهم ، وأخذهم بحكم الله ورسوله ، فيلزمونهم بفعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه ، كما أوجب عليهم أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول –أي إلى كتاب الله ، وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم .
وإن من الأشياء التي تمادى الناس فيها حتى وصلوا إلى حد الإسراف والتباهي مسألة (التغالي في المهور) والإسراف في الألبسة والولائم ونحو ذلك ، وقد تضجر علماء الناس وعقلاؤهم من هذا لما سببه من المفاسد الكثيرة التي منها تأيم كثير من النساء بسبب عجز كثير من الرجال عن تكاليف الزواج ، ونجم عن ذلك مفاسد كثيرة متعددة . وبدافع الغيرة الدينية والسعي وراء الصالح العام رأى ولاة الأمور وقادة الناس من رجال الدولة وعلماء المسلمين وإحصان فروجهم تدعو إلى وضع حد لهذا الأمر الذي تباهى فيه الناس حتى خرجوا فيه عن الحد المألوف المرغب فيه من الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مستوى لا يستطيع الكثير من الناس معه إعفاف فروجهم ، وبناء على ذلك جرت اجتماعات وكتابات من طلبة العلم وغيرهم للنظر في هذا الموضوع ولم يبق إلا إصدار فتوى يتمشى الناس على ضوئها ، ويحملهم ولاة الأمر على العمل بها ، فاستعنت بالله وبحثت الموضوع من جميع أطرافه وتحرر ما يلي :
1- أن تخفيف الصداق وعدم تكليف الزوج بما يشق عليه مأمور به شرعاً باتفاق العلماء سلفاً وخلفاً وهو السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر الإمام الموفق بن قدامه في (المغنى) استحباب عدم المغالاة في الصداق والأحاديث الواردة في ذلك ، منها ما روي عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أعظم النساء بركة أيسرهن مئونة) رواه أبو حفص بإسناده ، ومنها ما رواه أبو العجفاء قال : قال عمر رضي الله عنه : ألا لا تغلو صداق النساء : فإنه لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشر أوقية ، وإن الرجل ليغلي بصدقه امرأته حتى يكون لها عداوة في قلبه ، حتى يقول كلفت لكم عرق القربة . أخرجه النسائي وأبو داود مختصراً ثم قال الموفق : ولا تستحب الزيادة على هذا –يعني صداق النبي صلى الله عليه وسلم- لأنه إذا كثر ربما تعذر عليه فيتعرض للضرر في الدنيا والآخرة .
وعقد الإمام ابن القيم في كتابه (زاد المعاد) فصلاً خاصاً بفضائه صلى الله عليه وسلم في الصداق قال فيه : ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : (كان صداق النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشأ فذلك خمسمائة) وقال عمر رضي الله عنه ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئاً من نسائه ولا أنكح شيئاً من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية . قال الترمذي: حديث حسن صحيح . انتهى .
وفي سنن أبي داود من حديث جابر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أعطي في صداق ملء كفه سويقاً أو تمراً فقد استحل) وفي الترمذي (أن امرأة من فزارة من تزوجت على نعلين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم رضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت نعم . فأجازه) قال الترمذي : حديث صحيح . وفي الصحيحين (أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله قد وهبت نفسي لك، فقامت طويلاً ، فقال رجل : يا رسول الله قد وهبت نفسي لك ، فقامت طويلاً ، فقال رجل : يا رسول الله زوجتنيها إن لم تكن ، إن لم تكن لك بها حاجة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنك إن أعطيتها إزاري هذا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك إن أعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك فالتمس شيئاً . قال : فالتمس ولو خاتماً من حديد . فالتمس ولم يجد شيئاً . قال : فالتمس ولو خاتماً من حديد . فالتمس ولم يجد شيئاً . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل معك شيء من القرآن ؟ قال : نعم ، سورة كذا ، وسورة سماها ، فقال صلى الله عليه وسلم: زوجتكما بما معك من القرآن ، ثم قال ابن القيم : فتضمنت هذه الأحاديث أن الصداق لا يتقدر أقله ، وأن قبضة السويق وخاتم الحديد والنعلين يصح تسميتها مهراً. وتحل بها الزوجة . وتضمنت أن المغالاة في المهر مكروهة في النكاح وأنها من قلة بركته وعسره . إلى أن قال : ومن ادعى في هذه الأحاديث التي ذكرناها اختصاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم وأنها منسوخة أو أن عمل أهل المدينة على خلافها فدعوى لا يقوم عليها دليل ، والأصل يردها . وقد زوج سيد أهل المدينة من التابعين سعيد بن المسيب ابنته على درهمين ولم ينكر عليه أحد ، بل عد ذلك من مناقبه وفضائله ، وقد تزوج عبد الرحمن ابن عوف على صداق خمسة دراهم وأقره النبي صلى الله عليه وسلم. اهـ.
وقال النووي رحمه الله في (ِشرح مسلم) على حديث عائشة في صداق النبي صلى الله عليه وسلم : استدل بهذا الحديث على أنه يستحب كون الصداق خمسمائة درهم .انتهى. وخمسمائة الدرهم نصف مثقال وخمس مثقال ، فعشرة الدراهم سبعة مثاقيل ، وهي تساوي من الريالات مائة وأربعين ريالاً تقريباً .
وقال شيخ الإسلام بن تيمية كما في (الاختيارات) : كلام الإمام أحمد أن يكون الصداق أربعمائة درهم ، وهذا هو الصواب مع القدرة واليسار ، فيستحب بلوغه ولا يزاد عليه .اهـ.
2- إن الزوج إذا تكلف من الصداق ما لا يقدر عليه ولا يتناسب مع حاله استحق الإنكار عليه ، لأنه فعل شيئاً مكروهاً ولو كان ذلك الصداق دون صداق النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد روى مسلم في صحيحه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إني تزوجت امرأة من الأنصار ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هل نظرت إليها فإن في عيون الأنصار شيئاً . قال : قد نظرت إليها . قال : على كم تزوجتها ؟ قال : على أربع أواق . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم على أربع أواق كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل ! ما عندنا ما نعطيك ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه . قال : فبعث بعثاً بعث ذلك الرجل فيهم . قال النووي في شرحه لهذا الحديث . معنى هذا الكلام كراهة إكثار المهر بالنسبة إلى حال الزوج . وقال أبو المحاسن الحنفي في (ألمعتصر) ، من المختصر من مشكل الآثار : الحق أن الإنكار على ما زاد على المقدار الذي يناسب حاله وحالها ، لأنه من الإسراف المذموم ، لا عن مطلق الزيادة فإنها مباحة . اهـ. وروى أحمد والطبراني في الكبير والأوسط والحاكم في المستدرك عن أبي حدرد الأسلمي أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستعينه في مهر امرأة قال : كم أمهرتها ؟ قال : مائتي درهم . قال : لو كنتم تغرفون من بطحان ما زدتم . قال في ( مجمع الزوائد) : رجال أحمد رجال الصحيح . اهـ.
3- مما لا شك فيه أن الزواج أمر مشروع مرغوب فيه ، وفي غالب الحالات يصل إلى حد الوجوب ، وأغلب الناس لا يتمكن من الوصول إلى هذا الأمر المشروع الواجب أو المستحب مع وجود هذه المغالاة في المهور . ومن المعلوم أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . ومن هذا يؤخذ مشروعية إرشاد الناس وردعهم عن التمادي في هذا الأمر الذي يحول دون المرء ودون فعل ما أوجبه الله عليه ، لا سيما والأمر بتقليل المهر لا يتضمن مفسدة ، بل هو مصلحة محضة للزوج والزوجة ، بل هو أمر للشارع مرغب فيه كما تقدم .
4- أن امتناع ولي الأمر من تزويجها بالكفء إذا خطبها ورضيت به إذا لم يدفع ذلك الصداق الكثير الذي يفرضه من اجل أطماعه الشخصية أو لقصد الإسراف والمباهاة أمر لا يسوغ شرعاً بل هو من باب العضل المنهي عنه الذي يفسق به فاعله إذا تكرر ، وتنتقل بسببه الولاية إلى غيره ، وحالة عضل الأولياء كلهم لولي الأمر أن يتدخل ويتولى التزويج بنفسه .
5- أن كثرة المهور والمغالاة فيها عائق قوي للكثير من التزوج ولا يخفى ما ينجم عن ذلك من المفاسد الكثيرة وتفشي المنكرات بين الرجال والنساء ، والوسائل لها حكم الغايات والشريعة المطهرة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها ، ولو لم يكن في السعي في تقليل المهور إلا سد الذرائع المسببة فعل المحرمات لكفى .
6- ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (أعلام الموقعين) فصلاً في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد ، وذكر في هذا الفصل أن أساس الشريعة ومبناها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وأنها عدل كلها ، ومصالح كلها ، وحكمة كلها ، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل .
ولا يخفى ما سببته المغالاة في المهور من المفاسد ، فكم من حرة مصونة عضلها أولياؤها وظلموها فتركوها إيما بدون زوج ولا ذرية وكم من امرأة ألجأها ذلك إلى الاستجابة لداعي الهوى والشيطان فجرت العار والخزي على نفسها وعلى أهلها وعشيرتها مما ارتكبته من المعاصي التي تسبب غضب الرحمن ، وكم من شاب أعيته الأسباب فلم يقدر على هذه التكاليف التي ما أنزل الله بها من سلطان فاحتوشته الشياطين وجلساء السوء حتى أضلوه وأوردوه موارد العطب والخسران ، فخسره أهله ، وفسد اتجاهه ، وبل خسرته أمته ووطنه ، وخسر دنياه وآخرته .
7- أن كثرة الصداق وإن كان فيها شيء من المصلحة للمرأة وأوليائها فإنما يترتب على ذلك من المفاسد يربو على تلك المصلحة إن وجدت ، والقاعدة الشرعية أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح .
8- أن الواجب على ولاة الأمور الاهتمام بأمر رعيتهم ودفع الشعر عنهم ، ولا سيما في أمور الدين . وحيث عرفنا مما تقدم ما يترتب على المغالاة في المهور من الشرور فإن الواجب على ولاة الأمور التدخل في هذا الموضوع ووضع حد لهذا السرف والمباهاة اللذين سببا عضل النساء وظلمهن وغير ذلك مما تقدمت الإشارة إليه .
9- ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (كتاب الحسبة) في بحث التسعير أنه إذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل فهو جائز ، بل واجب . وحمل الناس على تخفيف المهور والحالة ما تقدم من هذا الباب لأن المقصود به العدل والخير للرعية .
10- أما قول الله تعالى : وآتيتم إحداهن قنطاراً فغاية ما يدل عليه جواز دفع القادر للقنطار لا تكليف العاجز عنه به ومنع الرجل موليته من النكاح بالكفء إلا إذا بذله ، بدليل إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على أبي حدرد الأسلمي إمهاره مائتين ، وعلى الرجل المتزوج امرأة من الأنصار بأربع أواق ، لكون ذلك لا يناسب حالهما ، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم هي المبينة لكتاب الله والمفسرة له . وهذا كالجواب لمن يرى أنه في الآية دلالة على جواز المغالاة في المهور ، وإلا فهناك قول آخر قوي ، وهي أنها لا تدل على جواز ذلك ، قال أبو حيان في (البحر المحيط) : قال قوم : لا تدل على ذلك –أي على إباحة المغالاة في الصداق- لأنه تمثيل على جهة المبالغة في الكثرة ، كأنه قيل وآتيتم هذا المقدار العظيم الذي لا يؤتى لأحد ، وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة) ومعلوم أن مسجداً لا يكون كمفحص قطاة ، وإنما هو تمثيل للمبالغة في الصغر ، وقد قال صلى الله عليه وسلم لن أمهر مائتين وجاء ليستعين في مهره وغضب صلى الله عليه وسلم : (كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحسرة) .
ونقل أبو حيان عن الفخر الرازي أنه قال : لا دلالة فيها على المغالاة ، لأن قوله تعالى: وآتيتم لا تدل على جواز إيتاء القنطار ، ولا يلزم من جعل الشيء شرطاً لشيء آخر كون ذلك الشرط في نفسه جائز الوقوع ، كقوله صلى الله عليه وسلم : (من قتل له قتيل فأهله بخير النظرين) . وبهذا يتبين أن لا مبرر في الآية لتكليف العاجز ما لا يقدر عليه ، ولا لعضل النساء والتضحية بمستقبلهن وإهدار كرامتهن في سبيل الوصول إلى الأطماع والجشع والمباهاة .
11- أما القصة المروية عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهي ما روى أبو يعلى من طريق محمد بن إسحاق ، حدثني محمد ابن عبد الرحمن ، عن مجالد ، عن الشعبي، عن مسروققال : ركب عمر بن الخطاب رضي الله عنه منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فيما دون ذلك ، ولو أن الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها ، فلا أعرف ما زاد الرجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم . قال ثم نزل . فاعترضته امرأة من قريش فقالت : يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء عن أربعمائة درهم . فقالت أما سمعت الله يقول : وآتيتم إحداهن قنطاراً الآية . قال : فقال : اللهم غفراً كل الناس أفقه من عمر ، ثم رجع فركب المنبر فقال : أيها الناس إني نهيتكم أن تزيدوا النساء في صداقهن على أربعمائة ، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب فليفعل . قال : قال أبو يعلي وأظنه قال : فمن طابت نفسه فليفعل . اهـ.
فالجواب عنها أن زيادة اعتراض المرأة عليه لها طرق لا تخلو من مقال : منها طريق أبي يعلى المتقدمة فيها مجالد بن سعيد وقد قال الإمام أحمد فيه : يرفع كثيراً مما لا يرفعه الناس ليس بشيء . وقال ابن معين وغيره لا يتحج به . وقال البخاري فيه : ضعيف . وتكلم فيه جملة من أئمة الجرح والتعديل بغير ذلك .
ومن طرق القضية طريق أخرى عند ابن المنذر من رواية قيس ابن الربيع ، وقد تكلم فيع غير واحد كالبخاري وابن مهدي ويحي بن معين وغيرهم ، وذكره البخاري في الضعفاء وقال النسائي في (كتاب الضعفاء والمتروكين) : قيس بن الربيع متروك الحديث . وحيث أن طرق القصة لا تخلو من مقال فإنها لا تصلح للاحتجاج ولا لمعارضة تلك النصوص الثابتة المتقدم ذكرها ، لا سيما وأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة مخالفة عمر أو الإنكار عليه غير ما جاء عن هذه المرأة . وقد علمت كلام العلماء في سند قصتها . وحينئذ فكلام عمر وهو المحدث الملهم إذا خلا من هذه الزيادة موافق لتلك النصوص وملزم بالعمل بها ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) وقال : (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر) .
إذا تقرر في هذا فإن الطريق الذي نرى حمل الرعية على العمل به في هذا الصدد يتلخص فيما يلي :
1- بالنسبة للرياض ومكة وجدة والمدينة وغيرها من مدن المملكة الكبار نرى أن يكون الحد الأعلى للصداق أربعة آلاف ريال فأقل ، حسب مراتب الناس وأحوالهم ، ومعها من التوابع ما يتلاءم مع مقدار الصداق .
2- أما بالنسبة لغير من ذكر هنا فنرى أن يكتب لكل قاضي بلدة وأميرها أن يجمع أعيانهم ويخبرهم بإلزام ولاة الأمور لهم بتخفيض المهور ، ثم يستعرضون حالة مواطنيهم ويتفقون على ما يتناسب مع حالتهم ، ملاحظين حالة الأضعف ومتوسط الحال منهم ، وما تم اتفاقهم عليه تعين الإلزام به .
3- الذين سبقوا في هذا الميدان واتفقوا فيما بينهم من بعض القبائل في الحجاز وتهامة وغيرهم بدافع منهم على محارمهم على صداق يتلاءم مع مستوى حالتهم المادية مراعين في ذلك حالة الأضعف منهم فهؤلاء يشجعون على الاستمرار على ما هم عليه ، ولا يمكن أحد من أفراد تلك الجهات مخالفة ما اتفقوا عليه .
4- يلزم الجميع بمنع آلات اللهو والطرب والأغاني ، وعلاوة على ذلك يمنع الدف وإن كان أصله مباحاً نظراً لما ارتكب بسببه من التوسع في استعمال آلات اللهو والطرب المحرمة واختلاط الرجال بالنساء ، ورفع أصواتهن بالأغاني ، وإقلاق راحة المجاورين بتلك الأصوات المنكرة ، مع ما يقترن بذلك من بذل الأموال في سبيل غير مشروع للمغنيات وغيرهن .
5- يلاحظ القضاء على كل ما من شأنه الإسراف والبذخ والتطاول من تلك التكاليف التي كان لها السبب الأعظم في المغالاة في المهور : كالإسراف في الولائم ، والأثاث كغرف النوم والألبسة كالفساتين ونحوها ، والحلي كالعقود الثمينة ونحوها .
6- يكتفي بوليمة واحدة لا إسراف فيها ، سواء كانت عند الزوج أو عند أهل الزوجة حسبما يحصل الاتفاق عليه ، مع أن أصل شرعيتها من جانب الزوج . وبناء على ذلك تلغى الحفائل والمباهاة .
7- يجعل في كل بلد لجنة رقابة مرجعها القاضي تتولى ملاحظة تطبيق ما تقدم ، ومن ثبت مخالفته فيعاقب بعقوبة مالية ، وتصادر الزيادة ، وترصد للمحتاجين للزواج ، كما يبلغ مأذون عقود الأنكحة أخذ التعهد على كل من أراد عقد زواج بأن لا يزيد على ما ذكر .
8- متى امتنع ولي أمر المرأة من تزويجها بالكفء الذي رضيت به بدافع الطمع والرغبة منه في الزيادة على ما تقرر فلولي الأمر التدخل في الموضوع بالوجه الشرعي .
ونسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين ، ويثبتهم على دينهم ويهدينا وإياهم من مضلات الفتن ، ما ظهر منها وما بطن .
أملاه الفقير إلى ربه محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف ، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم .
المفتي : محمد بن إبراهيم آل الشيخ