المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة نسخة كاملة : نظرات فاحصة في أسلوب المنفلوطي ..!! ( دراسة يقدمها إليكم أبوس ) !!


أبوس
17/6/1423 هـ, 01:41 صباحاً
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم .. ثم أما بعد ..
فقد كنتُ أسمع بالرواية التي ترجمها ( المنفلوطي ) من الفرنسية إلى العربية .. وهي رواية ( ماجدولين ) ، غير أني لم آبه لها ولم تلق مني كثير اهتمام ..
حتى التقينا فلا والله ما سمعت ****** أذني بأحسن مما قد رأى بصري
إذ وقعتْ في يدي نسخة منها فأنشأتُ أقرأها بنهم وتلذذ بالغين ودُهشتُ من سحر أسلوب ( المنفلوطي ) وما كنتُ أحسبه بارعاً في فنون الأدب كما رأيت ..
و( المنفلوطي ) من أعلام الأدب في العصر الحديث بل هو من أبرزهم وأحذقهم ..
قال عنه الأستاذ عمر فاخوري :( إن حسن اختياره للّفظ وحسن ذوقه في البيان قد بلغ غاية قصوى ، وإن لإنشائه موسيقى ساحرة لطيفة الوقع على السمع تملك النفس وتأسرها ) .
وقد عاب بعضهم على ( المنفلوطي ) الحذف والإضافة وفقاً لمزاجه ، فأقول :
بل العكس ، فما جمّل الكتابَ ونمقه إلا أسلوبه واستطراده ..
ولعلنا ننفس عن أشجاننا بجولة حثيثة في رياض أسلوب ( المنفلوطي ) ، فعسانا أن ننتفع بمميزات أسلوبه حتى نحذو حذوه ...
خصائص أسلوب المنفلوطي :
للمنفلوطي أسلوب عذب متميز عزيزٌ أن يقارع ، جليلٌ أن يُشابه ..!
وإذا رغبنا في السير وراءه فمن اللازم معرفة كيفية تميّزه ، وهاأنذا أحاول تقديم تلك المميزات من خلال قراءتي لكتابه ( ماجدولين ) ..
ولو أني أطمع أن يكثر الإقبال على هذا الموضوع لزدتُ وأفضتُ ..
أما خصائصه التي تفرد ببعضها .. فمنها ..
1ـ كثره اقتباسه من القرآن والسنة :
وهو بذلك قد سلك خير سبيل يُلتمس فيه التفوق الأدبي ، وقد جعل ( ابنُ الأثير ) في كتابه ( المثل السائر ) الأدباءَ ثلاثة ، وذكر أن خيرهم من يقتصر على حفظ القرآن بتدبر ، ودراسة السنة النبوية وحفظ بعض منها ومحاولة الاستفادة من بلاغتيهما بالاقتباس والنظر في الأسلوب والسعي إلى محاكاته ، فقال ( بتصرف ) :
( إن الطريق إلى تعلم الكتابة على ثلاث شعب :
الأولى : أن يتصفح الكاتبُ كتابةَ المتقدمين ، ويطّلع على أوضاعهم في استعمال الألفاظ والمعاني ، ثم يحذو حذوهم ، وهذه أدنى الطبقات عندي .
والثانية : أن يمزج كتابة المتقدمين بما يستجيده لنفسه من زيادة حسنة ، إما في تحسين ألفاظ ، أو في تحسين معانٍ ، وهذه هي الطبقة الوسطى ، وهي أعلى من التي قبلها .
والثالثة : ألا يتصفح كتابة المتقدمين ، ولا يطّلع على شيء منها ، بل يصرف همه إلى حفظ القرآن الكريم وعدة دواوين من دواوين فحول الشعراء ممن غلب على شعره الإجادةُ في المعاني والألفاظ ، ثم يأخذ في الاقتباس ، فيقوم ويقع ، ويخطئ ويصيب ، ويضل ويهتدي حتى يستقيم على طريقة يفتتحها لنفسه ، وأخلِقْ بتلك الطريق أن تكون مبتدَعةً غريبة لا شركة لأحد من المتقدمين فيها ، وهذه الطريق هي طريق الاجتهاد ، وصاحبها يُعدّ إماماً في فن الكتابة ، إلا أنها مستوعرة جداً ، ولا يستطيعها إلا من رزقه اللهُ لساناً هجّاماً وخاطراً رقاماً ، ولا أريد بهذه الطريق أن يكون الكاتب مرتبطاً في كتابته بما يستخرجه من القرآن الكريم والشعر ، بحيث إنه لا ينشئ كتاباً إلا من ذلك ، بل أريد أنه إذا حفظ القرآن وأكثر من حفظ الأشعار ثم نقّب عن ذلك تنقيب مطّلعٍ على معانيه ، مفتّشٍ عن دفائنه ، وقلّبه ظهراً لبطن عرف حينئذ من أين تؤكل الكتف فيما ينشئه من ذات نفسه ، واستعان بالمحفوظ على الغريزة الطبيعية ) .

و( للمنفلوطي ) باع طويل في هذا الأمر ، حتى أني أحس بحلاوة اقتباسه تسري في رضابي ...
وأمثلة ذلك وفيرة ، منها قوله :
( لذلك أعتقد أني ما تخيلتُ هذه السعادة التي أقدرها لنفسي إلا لأنها كائنٌ من الكائنات الموجودة ، وأنها آتيةٌ لا ريب فيها ) .
أو ما ترون أن الأسلوب تحسَّنَ بالاقتباس ..!!؟
ومن ذلك أيضاً قولـه : ( فلم ير بداً من أن يحييه ، فحياه بتحية حيّا بأحسن منها ) .
ومن ذلك أيضاً قوله : ( جلس مولر إلى ابنته ، فنظر نظرة في النجوم ) .
وأيضاً : ( وشعر كأن الفضاء يدور به ، وكأن قد بُدلت الأرض غير الأرض والسماوات ) .
وكذلك قولـه : ( إنهم يقودون أنفسهم من حيث لا يشعرون ، ويمزقون أعراضهم بأيديهم ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ) .
وقوله : ( فدونك الأرض الفضاء ، فامشِ في مناكبها ما شئتَ ) .
وقولـه أيضاً : ( لا سبيل لأحدٍ علي ، ولا شأن لكائنٍ من الكائنات عندي حتى يوافيني أجلي ، وهذا فراق ما بيني وبينكم ) .
وقولـه : ( هكذا تقوم الساعة ، وهكذا ترجف الراجفة ، وهكذا تُنثر الكواكب في الفضاء ، وتُطوى السماء طي السجل للكتاب ) .
هذه بعض اقتباساته الجُملية، وثمة طائفة من الاقتباسات اللفظية من القرآن ، منها قوله : ( فصدف عنهما ) .
وقولـه : ( يعانون في مثل هذه الليلة الماطرة من تدفُّق الغيوث فوق رؤوسهم ، واعتراض الوحول في طريقهم ، وبُعد الشّقة عليهم مالا طاقة لهم باحتماله ، فوا رحمتاه لهم ! ) اقتضبه من قوله جل وعلا : ( لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة ) .
وقولـه : ( فاستيأس الرجل ) من قوله تعالى : ( فلما استيئسوا منه خلصوا نجياً ) .
وقولـه أيضاً : ( أو يصطنعه من أجلها ) من قوله تعالى : ( واصطنعتك لنفسي ) .
وقوله : ( فظل يتنقل في أنحاء البلاد غدواً ورواحاً ) . أخذه من قول الله تعالى : ( ولسليمان الريح غدوّها شهر ورواحها شهر ) .
تلك بعض الاقتباسات القرآنية التي حسّنت صنع الأسلوب وحلّت ألفاظه ، ولم ينس المنفلوطي الاقتباس من السنة الشريفة فقد اقتبس وأجاد ، ومن ذلك قولـه : ( ولذلك أنت تفرّ مني الفرار كله وتنقبض عني ، ولا تراني أسلك فجاً إلا سلكتَ فجاً غيره ) .
وقوله أيضاً : ( لا تجزع يا بني ، فالله أرحم بك من أخيك ) أخذه من قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( لله أرحم بعباده من هذه الأمة بولدها ) .
وقولـه : ( فجزعتُ عند الصدمة الأولى ) كأنه أخذه من قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( إنما الصبر عند الصدمة الأولى ) .
وإن مما يشي بثقافة المنفلوطي وتبحره في العلوم وكثرة اطلاعه هو اقتباسه الشعري رغم أنه في مقام الترجمة لا في مقام التأليف !
ومن اقتباساته نجتبي ثلاثة أمثلة ، أحدها قوله : ( فإني أشعر أن الحياة مظلمة قاتمة ، وأن هذا الفضاء على سعته وانفراج ما بين أطرافه أضيق في عينيّ من كفة الحابل ) وذلك من قول الطرماح بن حكيم الطائي :
ملأتُ عليه الأرض حتى كأنها ******* من الضيق في عينيه كفة حابل
وثاني الاقتباسات قوله : ( وحنا عليها حنوّ المرضعات على الفطيم ) من قول المنازي :
نزلنا روحه فحنا علينا ************** حنوّ المرضعات على الفطيم
وثالثها قوله : ( ورأى الشمسَ قد هبّت من مرقدها ، ولا تزال في جفنها سنةُ الغمض ) أخذه من قول ابن الرومي ، وقيل أنه لأبي فراس الحمداني ، وقيل أخرى أنه لسيف الدولة الحمداني ، غير أني أراه لابن الرومي :
وساقٍ صبيحٍ للصَّبوح دعوتُه ******** فقام وفي أجفانه سنة الغمض
هذه جملة من اقتباساته العذبة ، ولم أشأ سردها برمتها ؛ لأن في ذلك إطناباً مملاً ، على أن أسلوب المنفلوطي ليس بممل ، بل لا يزال حسنه يتجدد في كل مرة تقرأه ، حتى كأن ( ابن الرومي ) عنى ألفاظه حين قال :
ليت شعري إذا أدام إليها ************** كرةَ الطرف مبدئٌ ومعيد
أهْي شيء لا تسأم العينُ منه ************* أم لها كل ساعةٍ تجديد
بل هي العيش لا يزال متى استُعـــ ******** ــرض يملي غرائباً ويفيد
2ـ سَيره على أحمد أنواع البلاغة اللفظية :
سُئل الكندي عن البلاغة فقال : ( ركنها اللفظ ، وهو على ثلاثة أنواع :
فنوع لا تعرفه العامة ولا تتكلم به ، ونوع تعرفه وتتكلم به ، ونوع تعرفه ولا تتكلم به وهو أحمدها ) وقد صدق والله .
والمنفلوطي آثر النوع الثالث فامتاز أسلوبه وحسُن ، وهو بذلك شبيه بابن المقفع ، وكلاهما يعد علماً لائحاً وقبساً متقداً .
وإذا أنعمنا النظر في كتابه ( ماجدولين ) ظفرنا بما نبتغي ، فهو زاخر بالألفاظ المعروفة غير المستعملة ، أو المعروفة في بعض تصريفاتها وليس كلها ، ومثال ذلك قولنا الشهير : ( أيضاً ) ، فهلا فكر أحد منا في استعمال التصريفات الأخر لهذه الكلمة ، فإن هذه الكلمة مشتقة من ( آض يئيض أيضاً ) بمعنى رجع أو عاد أو صار ، وقد عدها بعض النحاة من أخوات كان .
ومن أمثلة ذلك قول المنفلوطي : ( .. لعلِم أن جمال الكائنات فوق جمال التصورات ، وحقائق الموجودات فوق هواتف الخيالات ) فانظر استعماله لذلك التصريف في ( هواتف ) هذا المقام ، وما أحسبه استُعمل من قبل في مقامه .
وقوله : ( .. فرآه ينظر إليه نظرة المستوقف ، ورأى كأن كلاماً يتحير في شدقيه ) ولفظة ( التحير ) معروفة ، ولكنها لا تُستعمل في مثل هذا الموضع إلا نزراً .
ومن ذلك قولـه أيضاً : ( ولا أبالي أن أبكر في صبيحة كل يوم تبكير الغراب إلى قمم الجبال وشواطئ الأنهار ، عاريَ الرأس ، حافيَ القدم ، أمرح وألعب وأتأثّر طرائد الصيد في مسارحها وملاعبها ) .
وكلمة ( أتأثر ) معناها : أتتبع الأثر ، فهي إذن مشتقة من الأثر وكلنا يعرفه ، غير ألا أحد يستعمل ( أتأثر ) إلا قليلاً .
وقولـه : ( فما خطا فيها بعض خطوات حتى سمع الفتى يُغرب في الضحك ) والإغراب في الضحك يعني المبالغة ، حتى كأنه أتى بشيء غريب .
وقولـه : ( فخرج من الحديقة هائماً على وجهه بين الغابات والأحراش حتى أدبر النهار ) فمن ذا يقول للنهار ( أدبر ) ؟ ، إذ لا تستخدم هذه الكلمة غالباً في مثل هذا الموضع رغم أنها معروفة .
وقولـه أيضاً : ( مال ميزان النهار ) وما من أحد يجهل ماهية ( الميزان ) ، ولكن من منا استعملها في غير ما اشتُهرت به ؟!.
وقولـه : ( وقد كتب لها كتاباً نطق فيه قلمه بما عجز عنه لسانه ، فنشره بين يديه ) والنشر معروف ، فدوماً نبصر في وسائل الإعلام ( مؤسسة ( .... ) للطباعة والنشر ) بيد أن البلاغة استعمالها في غير ما تقال فيه .
وقولـه أيضاً : ( فأخذ منها كتاب سوزان ، وأمرّ نظره عليه مراراً ) وكلمة ( أمرّ ) معروفة لكل أحد ، وهي من ( مرّ يمرّ مَرّاً ومروراً ) بمعنى جاز وذهب ، ولكن لها مذاقاً خاصاً حين تُذكر في غير ما اشتُهرت به .
والأمثلة كثيرة جداً ، يطول المقام لذكرها كافة .
3ـ عدم التكلف :
فلا يكد ذهنه ويجهد نفسه للكتابة ، بل يجريها على نحيتتها ، وقد ذكر ذلك هو بنفسه إذ قال في كتابه النظرات ( 1 / 42 ) : ( أني ما كنتُ أحمل نفسي على الكتابة حملاً ، ولا أجلس إلى منضدتي مطرقاً مفكراً : ماذا أكتب اليوم ؟ وأي الموضوعات أعجب وأغرب ، وألذ وأشوق ؟ وأيها أعلق بالنفوس ، وألصق بالقلوب ؟ بل كنت أرى فأفكر فأكتب فأنشر ما أكتب ) .
ولا ريب أن ترك التكلف أبلغ وأقوم سبيلاً ، فقد مدح البحتريُّ محمدَ بن عبد الملك الزيات بأنه لا يبتعد بفكره حتى يقع على المعنى ، بل هو قريب لديه ، فقال :
ومعانٍ لو فصّلتها القوافي ************** هجنَت شعر جرولٍ ولبيد
حُزْنَ مستعمَل الكلام اختياراً ************** وتجنبن ظلمة التعقيد
وركِبنَ اللفظ القريب فأدركــ ************ ــن به غايةَ المراد البعيد

وليس لدى المنفلوطي في ذلك أمثلة بينة فنذكرها ، بل كل كتاباته تشهد بذلك لمن تفكر فيها .
4ـ توظيف المفعول المطلق جيداً :
أكثر الكتاب لا يعبأ باستخدام ( المفعول المطلق ) أو ( المصدر ) وكأن لا وجـــــود له في اللغــــة ، وأعني به ما لم يعقبه صفــةٌ ، وهو ما كان خِلواً من غرض تبيين النوع أو العدد ، وما كان المنفلوطيُّ ليذر الطيب على ما هو عليه حتى يقيم به كتاباته ، ويحسّن به أسلوبه ، لا سيما وقد زخر القرآن به ، ولا بلاغة أبلغ من القرآن ، ولا بيان يقارع بيانه ، فحقيق أن يكون لنا أسوةً حسنة في الكتابة ، لأنه نزل من عند من لا يضل ولا ينسى .
ومن إعمال الله تعالى للمفعول المطلق قولـه : ( ورتل القرآن ترتيلاً ) وقولـه : ( فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عداً ) وغير ذلك من الآيات ..
والمنفلوطي استحب إيراد المفعول المطلق على التجرد منه في حدود منضبطة ، لا جزافاً ، ومن ذلك قولـه : ( الجو رائق ، والسماء مصحية ، وقرص الشمس يلتهب التهاباً ) وهذه الجملة موزونة على بحر ( الوافر ) ، وإخالها عجزاً من بيتٍ لبعض الشعراء .
وقولـه أيضاً : ( فمشى إليها يتخبّل في ثيابه تخبّلاً ) .
وكذلك قولـه : ( قالت : أعاذني الله وإياكِ من حبٍّ يختلس الحياةَ اختلاساً ) ونحوها .
5ـ البراعة في الوصف والتشبيه :
لقد كان المنفلوطي نبراساً يهتدى به في البلاغة ، ومن ذلك براعته الوصفية والتشبيهية ، والأمثلة على ما نقول شهيد ..
قال : ( إني لأذكر يا سوزان تلك الأيام التي قضيناها معاً ، وتلك السعادة التي كنا نهصر أغصانها ونجني ثمارها ونطير في سمائها بأجنحة من الآمال والأحلام فأندبها وأبكي عليها ، وأحنّ إليها حنين الليل إلى مطلع الفجر ، والجدب إلى ديمة القطر ) .
وقال أيضاً : ( ثم عادت إلى الغرفة وأغلقتِ الباب وراءها ، فعاد إلى موقفه الأول ، وما زال راكعاً أمام بابها حتى مشت جذوة النهار في فحمة الليل ) وتلك فتنة لا توصف !!.
وقال كذلك : ( ولم تزل على حالها تلك حتى حلق طائر الكرى فوق أجفانها ) !.
وقال أيضاً : ( ولم يزل يهتف بهذه التصورات حتى انحدر برقع الليل عن وجه الصباح ) !!.
وقال كذلك يصف رجلاً تتقاذفه أمواج البحر من كل جانب : ( وما زال يتخبط ويتشبث ، ويظهر ثم يختفي ، ويتحرك ثم يسكن ، حتى كل ساعده ووهت قوته وابيضت عيناه واستحال أديمه ، ولم يبق أمام أعيننا إلا رأس يضطرب ويد تختلج ، فبكى الباكون وأعول المعولون ونظر الناس بعضهم إلى بعض ، كأنما يتساءلون عن رجل رحيم أو شهم كريم ، وإنهم لكذلك إذا رجل عارٍ يدفع الجمع بمنكبيه ، وينزلق بين الناس انزلاق السهم إلى الرمية ، حتى ألقى بنفسه في النهر وسبح حيث هبط الغريق فهبط وراءه ، وما هي إلا نظرة والتفاتة أن انفرج الماءُ عنهما ، فإذا هما صاعدان وقد أمسك الرجل بذراع الغريق ، فكبر الناس إعجاباً بهمة المخلص ، وفرحاً بنجاة المسكين ) فما تقولون في وصفه وجذبه الانتباه وجعل القارئ يعيش مع الحدث بفكره ؟!!.
وقال : ( ثم مدت يدها إليه فصافحته ، فلم يكن بين تلامس كفيهما وخفوق قلبيهما إلا كما يكون بين تلامس أسلاك الكهرباء واشتعال مصابيحها ) وثمة ملاحظة على هذا الكلام ، إذ لم يكن في عصر الأديب الفرنسي صاحب الرواية كهرباء ، فلا أحسب ذلك إلا من زيادات المنفلوطي .
وقال أيضاً : ( وما زال يتغلغل في أحشاء الظلام متيامناً متياسراً صاعداً منحدراً ) وهذه كلمات حسنة موجزة ، بيد أن لي ملاحظة على قولـه ( متيامناً متياسراً ) ، وهو أن صاحب ( لسان العرب ) قال : ( يقال : يامِن يا فلان بأصحابك ، أي خذ بهم يمنة ، ولا تقل : تيامن بهم ، والعامة تقولـه ، وتيمن : تنسب إلى اليمن ، ويامَنَ القومُ وأيمنوا : إذا أتوا اليمن ، قال ابن الأنباري : العامة تغلط في معنى تيامن فتظن أنه أخذ عن يمينه ، وليس كذلك معناه عند العرب ، إنما يقولون تيامن إذا أخذ ناحية اليمن ، وتشاءم إذا أخذ ناحية الشام ، ويامَن : إذا أخذ عن يمينه ، وشاءم إذا أخذ عن شماله ) وقال أيضاً : ( تياسَرْ يا رجل لغة في ياسِرْ ، وبعضهم ينكره ) على أن الفيروزآبادي لم ينكر لفظة ( التيامن والتياسر بمعنى الأخذ جهة اليمين أو اليسار ) حين قال : ( والتياسر : التساهل ، وضد التيامن ، والأخذ في جهة اليسار ) وفي اعتقادي أن قول ابن منظور أصوب ، وخلاصة الأمر أن ( التيامن والتياسر بمعنى الأخذ جهة اليمين واليسار ) لغة ضعيفة ـ إن لم تكن خاطئة ـ والأصح أن يقال : ( يامِن أو ياسِر ومصدرهما الميامنة والمياسرة ) .. والله أعلم .
وقال أيضاً : ( فركعت بين يديه ومدت يدها إليه ضارعة ، وأنشأت تسترحمه بالبكاء مرة والدعاءِ أخرى ، فكانت كأنها تستنبط الماء من الصخر ، أو تستنبت الربيع في القفر ) .
وقال كذلك : ( رأيتُ آفاق السماء قد اربدّت واقشعرّت ، ثم ارفضّت عن غيوثها المنهلة ) وهذا بحـــــق وصـف لا مثيـــــــــل له ، حتى ليخيل إليك من سحره أنك تراه .
وقال أيضاً : ( لقد نبذتُ حبكم من قلبي نبذَ الفم النواةََ ) .
وها قد فرغنا الساعةَ من بعض التطويف بمميزات أسلوبه ، ووقفنا وقفة مع أدبه ، وخلال جولتنا في جنة الكتاب استحوذت بعضُ كلماته على إعجابنا فوددنا نقلها للقارئ حتى يسعد بها كما سعدنا ، وهي :
أ ـ قال : ( فلا خير في حياة يحياها المرء بغير قلب ، ولا خير في قلب يخفق بغير حب ) !!!.
ب ـ وقال : ( .. فمد يده إلى استيفن مودعاً ، وتركه مكانه حائراً مشدوهاً، وليس وراء ما به من الهم غاية ) وهذا تركيب فائق الجمال !!.
ج ـ وقال أيضاً : ( فإذا رجلٌ بين معترك الأمواج ، يصارع الموت والموت يصرعه ، ويغالب القضاء والقضاء يغلبه ) !! أقصى ما نصف به تلك الجملة أن نقول : ( إعجاز !! ) .
د ـ وهذه جملة آنست فيها سهولة ، ولكنها سهولة ممتنعة ، : ( أما الخداع الذي تذكره في كتابك ؛ فأنا أعتقد أنك تعلم من أمري غير ما تقول ، ولكنك غضبتَ ، فقلتَ غير ما علمتَ ) !!.
هـ ـ وقال : ( فما أصعب الوداع ، وما أصعب الفراق بلا داع ! ) !!.
و ـ وقال أيضاً : ( فلمح على البعد شمعة يتضاءل نورها بين الشموع المحيطة بها ، فخطر له أن يتلهى بإصلاح ذُبالتها .. ( ثم قال ) .. فبدا له أن يقرض أعلاها ليصفو أسفلُها ) ولا ريب أن هذه جملة جيدة التركيب مع سهولة !!.
ز ـ وقال أيضاً : ( ثم التفت إلى أبيه وقال لم : إني لا أعتب على واحدٍ من هؤلاء ، لأنهم سمعوك تغني فضربوا على نغمتك ) .
ح ـ وقال كذلك : ( وكان إذا ركب رأس طريق مشى فيه قدُماً ) .
ط ـ وقال : ( وكذلك صحت عزيمته على الانتحار ) .
تلك إطلالة عجلى على المميزات الأسلوبية لدى المنفلوطي جاءت من لدن إنسي كسائر الإنس يخطئ ويصيب ، والله من وراء القصد ..
ونختم بنبذة موجزة عن المنفلوطي ..
نبذة موجزة عن المنفلوطي :
الاسم : مصطفى لطفي المنفلوطي ، يرجع بنسبه الشريف إلى ( علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ ) و( فاطمة بنت محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ) .
تاريخ الميلاد : 1877 م .
مكان الميلاد : بلدة منفلوط المصرية .
صفاته وأخلاقه : قال عنه الأديب الناقد ( حسن الزيات ) : ( إنه كان مؤتلف الخلق ، متلائم الذوق ، متناسق الفكر ، متسق الأسلوب ، منسجم الزي ، لا تلمح في قولـه ولا في فعله شذوذ العبقرية ، وكان صحيح الفهم في بطء ، سليم الفكر في جهد ، دقيق الحس في سكون ، هيوب اللسان في تحفظ ، وهذه الخلال تظهر صاحبها للناس في مظهر الغبي الجاهل ، فهو لذلك كان يتقي المجالس ويتجنب الجدل ويكره الخطابة ، وهو إلى ذلك رقيق القلب ، عف الضمير ، سليم الصدر ، صحيح العقيدة .. ) .
آثاره الأدبية : خلف المنفلوطي مؤلفات عدة ، هي :
1ـ أشعار ومنظومات رومانسية كتبها في بداية نشأته الأدبية .
2ـ النظرات ، وهو مجموعة مقالات كان يكتبها في بعض الصحف المصرية .
3ـ العبرات ، وهو مجموعة قصص ، بعضها معرب ، وبعضها موضوع .
4ـ في سبيل التاج ، وهي رواية معربة عن الفرنسية .
5ـ الشاعر ، وهي رواية معربة عن الفرنسية .
6ـ الفضيلة ، وهي رواية معربة عن الفرنسية أيضاً .
7ـ ماجدولين ، وهي رواية معربة عن الفرنسية ، ونحن حيالها الآن .
8ـ مختارات المنفلوطي ، وهي مختارات شعرية ونثرية ، اصطفاها ربها من شتى العصور .
تاريخ الوفاة : 1924 م .







مع تحيات : ( أبوس )

سعفة
18/6/1423 هـ, 08:57 مساءً
طويل المقال يا بعد سلوتي
شكل الثقافة لعبتك
عموما ألبي أغدي واحد ازين من يرد وهين

أبوس
19/6/1423 هـ, 02:42 صباحاً
أنت أستاذ المثقفين ، وأمير المصرقعين ..

وحبيب المهابيل الحليلين ..

بس لا تنشحط .:.

سعفة
22/6/1423 هـ, 02:56 صباحاً
أنا ما شحطت يا بعدي أنت
لكن انا اقول ان المقال طويل وانا مامن قرايه
لكن أقول يوجعن اثمي لاقعدت اقرا مثل ذولي
استلمت يا البي

اجل انا استاذ المثقفين
انا قايلن لك انك شاربن عصير مصريين ... مابه فايده يا ألبي

يالله مع الشلامة

الجارح البطل
22/6/1423 هـ, 03:11 صباحاً
يا بعد قلبي طويل







شكل الفلسفة لعبتن عليك

سعفة
22/6/1423 هـ, 03:16 صباحاً
وضح كلامك ياخلفهم
شكلك ما تدري ان أبوس هو سعفة
وسعفة هو أبوس ==== يعني صانصلك اثنين في واحد ضد العلمانية

أبوس + سعفة = توكس
جاك العلم
:D

الجارح البطل
22/6/1423 هـ, 03:22 صباحاً
سعفة يا ليت تعطين ايميلك الماسنجر

أبوس
18/7/1423 هـ, 12:42 صباحاً
الله يسلمكم على التفاعل الطيب !!

العمدة
19/7/1423 هـ, 01:11 صباحاً
شكراً .. أبوس

كأني قد قرأتها في مطبوعة !! فهل نشرتها قبل اليوم ؟ أم أنني واهم كعادتي ؛)

أبوس
22/7/1423 هـ, 12:11 صباحاً
أخي العمدة ،،،،،،،

لا لم أنشرها في أي مطبوعة .......

وحقيقة لقد خفتُ من كلامك أن يكون أحد قد سرقها ونشرها في إحدى المجلات ،،

أرجو منك إخباري بما هي المطبوعة ،، رجاء خاص ،،،،