أبوس
11/6/1423 هـ, 02:02 صباحاً
بين شوقي والبارودي
لا أدري لمَ يُقدم شوقي على معاصريه من الشعراء ؟ ولا أعلم سبب تلقيبه بلقب ( أمير الشعراء ) ؟ فلقد جستُ خلال شعره ، وقرأت جلّ ديوانه فلم ألفِ شيئاً ذا بالٍ يؤهله لتسنم الإمارة الشعرية ، وأنا لا أنكر شاعريته .. كلا ، فهو من كبار الشعراء ولا مراء ، غير أن تبوأه إمارة الشعر يستلزم إعادة نظر .
وإني لأعتقد أنه كان مقرباً من الحكومة آنذاك مما حفّزها على مبايعته أميراً للشعراء .
ونحن لسنا ملزمين بالإيمان بهذا ، فذاك شيء لم نبايع عليه ولم يبايع عليه كبار الأدباء كلهم في زمانه .
لقد قلّبتُ ديوان ( محمود سامي البارودي ) فوجدت ما يسبي عقل قارئه ويجعله في عجب من شاعريته الفذة ..!!
ولا غرو ، فهو من أحيا الشعر العربي من رفاته ، ونبهه من سباته ، فكان خليقاً بلقب ( رائد الشعر الحديث ) ...
ولعل القارئ الكريم يقرأ الأبيات التالية ثم يحكم بنفسه :
ومرتبعٍ لذنا به غب سحرةٍ ********** وللصبح أنفاسٌ تزيد وتنقص
وقد مال للغرب الهلالُ كأنه ********* بمنقاره عن حبة النجم يفحص
رقيق حواشي النبت أما غصونه ******** فريّا ، وأما زهره فمنصّص
إذا لاعبت أفنانَه الريحُ خلتَها ******** سلاسلَ تُلوى أو غدائرَ تُعقص
كأن صحاف الزهر والطل ذائبٌ ***** عيونٌ يسيل الدمعُ منها وتشخص
يكاد نسيمُ الفجر إن مر سحرةً ********* بساحته الشجراء لا يتخلص
كأن شعاع الشمس والريحُ رهوةٌ ********* إذا رُدّ فيه سارقٌ يتربص
يمد يداً دون الثمار كأنما ************* يحاول منها غايةً ثم ينكص
......... إلى آخر قصيدته الرائعة التي كأنها من الشعر الأموي أو العباسي الجيد ..!!
ويقول في قصيدة أخرى :
هل في الزمان لنا حكمٌ فنشترط ؟ ******* أم تلك أمنيةٌ في طيها قنط ؟
نبكي على غير شيء ثم يُضحكنا ******* ما ليس فيه لنا بُقيا فنختلط !
وكيف نرجو من الأيام عافيةً ****** وصحةُ المرء مقرونٌ بها السقط ؟
نرعى من الدهر غيثاً نبتُه أسفٌ ******* للرائدين وروضاً زهره شطط
فلا يغرنْك من دهرٍ بشاشتُه ************ فإنما هو بشْرٌ تحته سَخط
........ وربما تلحظ ـ أيها القارئ العزيز ـ أن البارودي يمتلك الأداة الشعرية القوية ، وأنه يلعب بالشعر لعباً ، فتلك الأبيات السالفة من قصيدتين ، الأولى صادية ، والثانية طائية ، ورغم ذلك فهي قوية ، حسنة الصياغة ، خلابة الألفاظ ..!!!!
ونختم بأبيات غاية في الروعة والحسن ، من شعره وهو في المنفى :
هل من طبيب لداء الحب أو راقي ****** يشفي عليلاً أخا حزن وإيراق
قد كان أبقى الهوى من مهجتي رمقاً حتى جرى البينُ فاستولى على الباقي
حزنٌ براني وأشواقٌ رعت كبدي ***** يا ويح نفسيَ من حزن وأشواق
أكلّف النفسَ صبراً وهي جازعةٌ **** والصبر في الحب أعيا كل مشتاق
لا في ( سرنديبَ ) لي خل ألوذ به ***** ولا أنيسَ سوى همي وإطراقي
أبيتُ أرعى نجوم الليل مرتفقاً ******* في قُنة عز مرقاها على الراقي
تقلدتْ من جمان الشهْب منطقةً ********* معقودة بوشاح غير مقلاق
كأن نجم الثريا وهو مضطربٌ ******* دون الهلال سراجٌ لاح في طاق
.... فانظر إلى موقع لفظة ( الباقي ) في الشطر الثاني من البيت الثاني ، وكيف أنك لا تستطيع البتة أن تبدلها بلفظ آخر أحسن منها ..!!!!!
وتلك هي الإجادة ، يقول صاحب ( العمدة ) : ( وسألت الشيخ أبا عبد الله محمد بن إبراهيم بن السمين عن ( المقاطع والمطالع ) فقال : المقاطع أواخر الأبيات ، والمطالع أوائلها ، قال : ومعنى قولهم (( حسن المقاطع ، جيد المطالع )) أن يكون مقطع البيت ـ وهو القافية ـ متمكناً غير قلق ، ولا متعلق بغيره ، فهذا هو حسنه ، والمطلع ـ وهو أول البيت ـ جودته أن يكون دالاً على ما بعده كالتصدير وما شاكله .
وروى الجاحظ أن شبيب بن شيبة كان يقول : ( الناس موكلون بتفضيل جودة الابتداء وبمدح صاحبه ، وأنا موكل بتفضيل جودة المقطع ] يعني القافية [ وبمدح صاحبه ، وحظ جودة القافية ـ وإن كانت كلمة ـ أرفع من سائر البيت أو القصيدة ) .
مع تحيات ( أبوس )
لا أدري لمَ يُقدم شوقي على معاصريه من الشعراء ؟ ولا أعلم سبب تلقيبه بلقب ( أمير الشعراء ) ؟ فلقد جستُ خلال شعره ، وقرأت جلّ ديوانه فلم ألفِ شيئاً ذا بالٍ يؤهله لتسنم الإمارة الشعرية ، وأنا لا أنكر شاعريته .. كلا ، فهو من كبار الشعراء ولا مراء ، غير أن تبوأه إمارة الشعر يستلزم إعادة نظر .
وإني لأعتقد أنه كان مقرباً من الحكومة آنذاك مما حفّزها على مبايعته أميراً للشعراء .
ونحن لسنا ملزمين بالإيمان بهذا ، فذاك شيء لم نبايع عليه ولم يبايع عليه كبار الأدباء كلهم في زمانه .
لقد قلّبتُ ديوان ( محمود سامي البارودي ) فوجدت ما يسبي عقل قارئه ويجعله في عجب من شاعريته الفذة ..!!
ولا غرو ، فهو من أحيا الشعر العربي من رفاته ، ونبهه من سباته ، فكان خليقاً بلقب ( رائد الشعر الحديث ) ...
ولعل القارئ الكريم يقرأ الأبيات التالية ثم يحكم بنفسه :
ومرتبعٍ لذنا به غب سحرةٍ ********** وللصبح أنفاسٌ تزيد وتنقص
وقد مال للغرب الهلالُ كأنه ********* بمنقاره عن حبة النجم يفحص
رقيق حواشي النبت أما غصونه ******** فريّا ، وأما زهره فمنصّص
إذا لاعبت أفنانَه الريحُ خلتَها ******** سلاسلَ تُلوى أو غدائرَ تُعقص
كأن صحاف الزهر والطل ذائبٌ ***** عيونٌ يسيل الدمعُ منها وتشخص
يكاد نسيمُ الفجر إن مر سحرةً ********* بساحته الشجراء لا يتخلص
كأن شعاع الشمس والريحُ رهوةٌ ********* إذا رُدّ فيه سارقٌ يتربص
يمد يداً دون الثمار كأنما ************* يحاول منها غايةً ثم ينكص
......... إلى آخر قصيدته الرائعة التي كأنها من الشعر الأموي أو العباسي الجيد ..!!
ويقول في قصيدة أخرى :
هل في الزمان لنا حكمٌ فنشترط ؟ ******* أم تلك أمنيةٌ في طيها قنط ؟
نبكي على غير شيء ثم يُضحكنا ******* ما ليس فيه لنا بُقيا فنختلط !
وكيف نرجو من الأيام عافيةً ****** وصحةُ المرء مقرونٌ بها السقط ؟
نرعى من الدهر غيثاً نبتُه أسفٌ ******* للرائدين وروضاً زهره شطط
فلا يغرنْك من دهرٍ بشاشتُه ************ فإنما هو بشْرٌ تحته سَخط
........ وربما تلحظ ـ أيها القارئ العزيز ـ أن البارودي يمتلك الأداة الشعرية القوية ، وأنه يلعب بالشعر لعباً ، فتلك الأبيات السالفة من قصيدتين ، الأولى صادية ، والثانية طائية ، ورغم ذلك فهي قوية ، حسنة الصياغة ، خلابة الألفاظ ..!!!!
ونختم بأبيات غاية في الروعة والحسن ، من شعره وهو في المنفى :
هل من طبيب لداء الحب أو راقي ****** يشفي عليلاً أخا حزن وإيراق
قد كان أبقى الهوى من مهجتي رمقاً حتى جرى البينُ فاستولى على الباقي
حزنٌ براني وأشواقٌ رعت كبدي ***** يا ويح نفسيَ من حزن وأشواق
أكلّف النفسَ صبراً وهي جازعةٌ **** والصبر في الحب أعيا كل مشتاق
لا في ( سرنديبَ ) لي خل ألوذ به ***** ولا أنيسَ سوى همي وإطراقي
أبيتُ أرعى نجوم الليل مرتفقاً ******* في قُنة عز مرقاها على الراقي
تقلدتْ من جمان الشهْب منطقةً ********* معقودة بوشاح غير مقلاق
كأن نجم الثريا وهو مضطربٌ ******* دون الهلال سراجٌ لاح في طاق
.... فانظر إلى موقع لفظة ( الباقي ) في الشطر الثاني من البيت الثاني ، وكيف أنك لا تستطيع البتة أن تبدلها بلفظ آخر أحسن منها ..!!!!!
وتلك هي الإجادة ، يقول صاحب ( العمدة ) : ( وسألت الشيخ أبا عبد الله محمد بن إبراهيم بن السمين عن ( المقاطع والمطالع ) فقال : المقاطع أواخر الأبيات ، والمطالع أوائلها ، قال : ومعنى قولهم (( حسن المقاطع ، جيد المطالع )) أن يكون مقطع البيت ـ وهو القافية ـ متمكناً غير قلق ، ولا متعلق بغيره ، فهذا هو حسنه ، والمطلع ـ وهو أول البيت ـ جودته أن يكون دالاً على ما بعده كالتصدير وما شاكله .
وروى الجاحظ أن شبيب بن شيبة كان يقول : ( الناس موكلون بتفضيل جودة الابتداء وبمدح صاحبه ، وأنا موكل بتفضيل جودة المقطع ] يعني القافية [ وبمدح صاحبه ، وحظ جودة القافية ـ وإن كانت كلمة ـ أرفع من سائر البيت أو القصيدة ) .
مع تحيات ( أبوس )